|
ماذا بعد قمة شرم الشيخ؟!
ـ1ـ
يصعب على المرء أن يستوعب بسهولة حجم انحياز الإدارة الأميركية لصالح " إسرائيل " عبر مراحل الصراع العربي الصهيوني المختلفة، وإذا كان يمكن أن يفهم المقولات الأميركية التي تحاول أن تسوغ هذا الانحياز في زمن الحرب الباردة، فليس باستطاعته أن يفهم ما تقدمه تلك الإدارة من مسوغات في أثناء " عملية السلام " التي يزعم الراعي الأميركي أنه وسيط نزيه فيها !! وربما كان منشأ الصعوبة هو تعلقنا بالوهم أو تعلقنا بالمثل، ولكن من شبه المؤكد أن العظات والمزاعم الأميركية التي نأخذها بجدية تامة هي التي تساعد على تكوين مناخ ينتشي فيه الوهم وينتعش على أرضية المثل، وأن قابليتنا لهذا النوع من الانخداع تجعلنا ندمنه على الرغم من معرفتنا به وبعواقبه الوخيمة، علينا وعلى أجيالنا وأوطاننا.
فالسياسة الأميركية وأصواتها الإعلامية لا تكف عن الحديث في مواضيع تتصل بحقوق الإنسان، والممارسة الديمقراطية، و " السلام " والتعاون الدولي، وتحاول دائماً أن تقدم لنا صورة مغرية عن " عالم جديد " يسوده " نظام جديد " مع إيحاء كثيف بأن ذلك العالم سيكون أكثر عدلاً وأغزر وعوداً للبشرية، مما كان عليه أمر العالم في أثناء الحرب الباردة بمراحلها المختلفة، كما أنه سيكون أقل دموية وتكاليف !!
ولكن في الوقت الذي تُعزف فيه هذه المعزوفات التبشيرية ـ على الطريقة الأميركية ـ من دون كلل أو ملل، لا يكاد يخفي أحد من الساسة والباحثين والعاملين في مجالات السياسة هناك، حقيقة أن كل ما يعارض المصالح الأميركية وكل من يعارضها سيعرض نفسه لحالة تصادم قاسية مع السياسة والقوة والإعلام والعملاء وكل أشكال الأنياب والأظافر في الدفاع عن المصالح الأميركية، التي تتربع على عرش قوائمه وزخارفه وبراقعه: المبادئ والمثل العليا والقيم التي يتم عزف ألحانها الخاصة ليلاً ونهاراً باحتفالية كبيرة، بينما تسيل الدماء من قوائم ذلك العرش، ويرتفع من حوله صوت الأنين، وتتسع بسببه دائرة المعاناة البشرية لمن يرى جيداً ولمن يريد أن يرى جيداً. ولا يجد المرء كبير عناء ليدرك بوضوح أن المبادئ والقيم والمثل المطروحة للتداول في بورصة السياسة الأميركية ما هي إلا شباك وأدوات تمويه لإغراء أسراب الطيور والإيقاع بها؛ وما هو يقين بيِّن هو أن المصالح الأميركية فوق المبادئ والناس والقيم، وأن الذرائعية منهج معتمد، وكل ما يؤدي إلى تحقيق الغايات النهائية مقبول بل مبارك ويمكن تبريره؛ وذلك كله موضوع في إطار لوحة قاسية تهيمن عليها نظرة مادية بشعة لا تبقي للروح أفقاً ولا جناحاً يخفق في سماء الله الواسعة .
ولا يوجد أبداً لعبة قذرة لا يمكن ممارستها وتبرير القيام بها، من وجهة نظر البراغماتية في الإدارات الأميركية، وصولاً إلى تحقيق المزيد من الربح والنفوذ والسيطرة، ولإقصاء الخصوم والمنافسين، وتعطيل طاقة المنهوبين الفكرية والمادية والروحية وشل قدرتهم على القيام بأية مقاومة من أجل المحافظة على مصالحهم ومقومات وجودهم وحياتهم وحيوية حضورهم.
ومصالح الإدارة الأميركية هي مصالح، أو بعض مصالح، حلفائها أيضاً؛ وحلفاؤها طبقات، أو هم في واقع الأمر على درجات: منهم شركاء مقربون ومعتمدون، ومنهم شركاء منافسون أو منافسون محتملون، ومنهم أدوات ومخالب تُرمى لهم بعض العظام للتلهي بها بعد إنجاز المهام الموكولة إليهم؛ ومن هؤلاء من يطلق عليهم حلفاء شكلاً ولكنهم في واقع الأمر فرائس لها هيأة الشواهين لأنه يرضيها نفسياً أن تبدو في ساحاتها كذلك، وهذا النوع يطلق عند الحاجة بعد أن يضخ في صدره وجيب القوة، فيستعمل مناقيره ومخالبه ويقبض على الصيد ويقدمه لمن أطلقه، وفي أغلب الأحيان، إن لم يكن دائماً، يصيد في مساحات أعشاشه ويفترس أحياء بيئته ويفقر تلك البيئة لصالح السيد الصاحب الحليف، ولا يعود له من جهده شيء.
وتأتي " إسرائيل " في طليعة الشركاء الحلفاء الذين لهم نصيب أوفى من العائدات الأميركية التي تقوم بها سياسة، هي أقرب للقرصنة الدولية منها إلى سياسة تمد اليد بأمانة وأمان وخلق للتعاون مع الدول والشعوب، من أجل حياة أفضل في عالم يعيش الحد الأدنى من أمن من جوع وخوف.
وفي إطار خدمة المصالح الذاتية ومصالح شركاء الدرجة الأولى بالنسبة لإدارة كلنتون الأميركية يتم انعقاد " مؤتمر صانعي السلام " في شرم الشيخ، وتوظف له غربان في صورة شواهين لتلتقط الفرائس؛ وهذا المؤتمر هو لخدمة " إسرائيل " تحديداً، ولتكريس رؤيتها للسلام ومشروعها العدواني الاستيطاني الذي توظف من أجله السلام، ومن المؤكد أن كل ما للصهيونية مصلحة فيه تضع الولايات المتحدة نفسها في خدمته وتزج خلفه ثقلها وتقوم بكل الضغوط الممكنة للوصول به إلى الأهداف المنشودة.
إن مؤتمر شرم الشيخ يرمي بالدرجة الأولى إلى توظيف طاقة المشاركين العرب، تحت غطاء دولي ملائم، ليكونوا ضد كل أشكال المقاومة المشروعة للمحتل الصهيوني ومشروعه الاستعماري ـ الاستيطاني؛ وإذا كان للمشاركين من دول عدة رغبة حقيقية في خدمة السلام فإنهم يدخلون إلى ذلك المجال ممغنطين بالرغبة " الإسرائيلية " بإبادة من يمارسون المقاومة الوطنية المشروعة، ويتطلعون إلى تحرير أرضهم والتمسك بمشروعهم الخاص وبكرامتهم الإنسانية، وسيدور أولئك المشاركون في الفلك الذي رسم لذلك المؤتمر ليكون بصريح المطلب والعبارة والتوجه: مؤتمراً لتكريس وصم عمليات المقاومة الوطنية التي تتم ضد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة أو في جنوب لبنان بالإرهاب، وإلصاق الإرهاب بالإسلام، وتسخير القوى المجتمعة هناك لكي تعمل على القضاء على المقاومة ومصادرها ومنابتها ومن يتعاطف معها، ولتقر مستقبلاً، من دون استنكار، كل الممارسات والتصفيات الجسدية التي تتم بحق ذلك التيار وما ومن يتصل به؛ ولوضع من يؤكد مشروعية المقاومة ولا يوافق على وصمها بالإرهاب، في دائرة مناصرة الإرهاب ومعاداة السلام وقتله والانتماء إلى التطرف والعنف؛ والتالي محاصرته وملاحقته والضغط عليه أو محاربته ليذعن للرغبة الإسرائلوـ أميركية ـ تلك التي لا تريد رؤية رأس مرفوعة في هذه المنطقة من العالم ـ وليدخل بيت الطاعة من بابه الكبير، متخلياً عن حقوقه ومشاريعه ورؤيته السليمة للأمور وعن كرامته وحقوقه.
لقد رفضت " إسرائيل " أن يكرس المؤتمر لدعم مسيرة السلام، وأرادت أن يكون مؤتمراً مكرساً لمقاومة الإرهاب، وهي لم تدخل مسارات التفاوض أصلاً وفي ذهنها السلام، بل دخلتها وفي ذهنها الحصول من العرب على اعتراف بها وبحق تاريخي لها في فلسطين، وتكليفهم بتصفية المقاومة، كل أشكال المقاومة لاحتلالها ولمشاريعها التوسعية في ظل السلام النووي الذي تفرضه وتنادي الولايات الأميركية بفرضه، تكليفهم بتصفية تلك المقاومة ـ مقاومتهم لها ـ بأيديهم.
وهاهي تدعو، من خلال الإدارة الأميركية، إلى تحالف دولي جديد تحشد تحت ظله قوى الدمار والخراب والعدوان التي تملكها الولايات المتحدة الأميركية أو تستطيع تحريكها، لتفتك بمن تبقى في المنطقة من عرب ومسلمين يرفضون الانصياع للأوامر الإسرائيلية، ويعلنون تمسكهم بحقوقهم التاريخية المشروعة بأرضهم ومقدساتهم وكرامتهم. وسنرى ابتداء من هذا التاريخ، تاريخ مؤتمر شرم الشيخ 13 / 3 / 1996 / ألواناً من الممارسات العنصرية وأشكالاً من العدوان والإبادة والتنكيل بالناس وبالدول والشعوب لا عهد لنا بها في هذه المنطقة؛ وسنجد أن الأدوار التي ستسند إلى أنوع من السلوقي المدرب جيداً في هذه المنطقة تفوق قدرتنا على التوقع، وهاهي التصريحات التي أطلقت في شرم الشيخ أو في الطريق إليها تنطلق سهاماً خطاطة في الأفق تحدد ساحات المعارك المقبلة.
إن هذا البلد العزيز الكريم سورية مستهدف لموقفه ورؤيته وقراره، وما يطلب إليه تنفيذه لا ينسجم مع رؤيته وتاريخه وموقعه القومي ومسيرته النضالية، وعلينا أن نتوقع ضغوطاً كثيرة، وتطورات كبيرة عليه، لا سيما بعد توظيف تركيا وبعض الأطراف العربية توظيفاً مدروساً بعناية في هذا المجال ولتحقيق هذا الغرض؛ ولكن يبدو من استقراء التاريخ القريب ومن متابعة المراحل التي مر بها القطر العربي السوري، عبر مسارات الصراع العربي الصهيوني والتدخل الأميركي الشرس والمباشر في بعض هذه المراحل، يبدو أن قدرة سورية في وحدتها الوطنية وتماسكها وتمسكها بالحق، ويبدو أن رأس سورية عزيز جداً وأكثر عزة مما يتوقع مؤتمر بيريس كلنتون، الذي قد لا ينقذهما في الانتخابات القادمة وقد لا ينقذ سلامهما الذي لا يحترم الشعوب والحقوق والعدل .
فتحية لسورية وقيادتها التي رفضت الانصياع للأوامر والضغط ورفضت الالتحاق بشرم الشيخ، وبقيت على فهمها وموقفها السليمين للمقاومة المشروعة والإرهاب المدان، وتحية لها إذ تتمسك بالأرض والكرامة والقيم وتحمل شعلة العرب المنيرة في ليلهم الطويل؛ وتحية للمقاومة الوطنية في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان، ولكل من يناصر الحق والحرية والكرامة واستقلال القرار وصلابة الإرادة، في عالم تريده الولايات المتحدة تابعاً وذليلاً، ومساحات مفتوحة تمارس فيها هي وحلفاؤها النهب والإفساد وإرهاب الدولة، وتسخر منظماته الدولية لخدمة أهدافها ومشاريعها الإمبريالية، والنصر والمستقبل دائماً للحق والحرية والشعوب.
دمشق في 13 / 3 / 1996
قراءة في قمة شرم الشيخ :
ـ 2 ـ
ما من شك في أن قمة شرم الشيخ قمة لخدمة الكيان الصهيوني بكل المعاني والمقاييس، وهي بداية ممارسة إمبريالية جديدة في المنطقة العربية، بأساليبها وأدواتها وتوجهاتها وتحالفاتها ووسائلها، ممارسة لنوع من الحرب والحصار والخنق يقوم به تحالف دول قوية ومتطورة بقيادة أميركية، لأداء خدمات تعود بالنفع على "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية بالدرجة الأولى، ضد دول وشعوب وحركات تحرر وتحرير تحاول أن تكون مستقلة.
ويعتمد هذا النوع من الحروب على المعلوماتية المتطورة التي أصبحت تشكل أفضل أسلحة العصر وأدقها، وعلى الاستخبارات في شبكة عالمية حسنة التنسيق والتعاون، وعلى المال، والمنظمات الدولية، والقوة المسلحة؛ حرب يكون للكيان الصهيوني فيها دور قيادي مهيمن يضع قدرات الأطراف المشاركة جميعاً في خدمة مشروعه الاستعماري العنصري، ويوظف العرب الذين تراكضوا إلى شرم الشيخ بإيعاز أميركي، يضعهم تحت السيطرة التامة أكثر مما هم عليه حتى الآن، ويسخرهم لأداء استخباراتي وعملياتي متميز يجعل كل نفس يرتفع بمطلب عادل من أي نوع في القبضة الأميركية- الصهيونية.
وسوف تشهد هذه المنطقة في الأسابيع والأشهر القليلة القادمة حركة تصفية واسعة النطاق، وسوف تمارس "إسرائيل" خلال تلك الأشهر أبشع الممارسات وأقساها وأكثرها دموية ضد المقاومة الوطنية، سواء في فلسطين المحتلة أو في جنوب لبنان أو في مكان آخر من العالم؛ ولن تترك "إسرائيل" فرصة أو ذريعة إلا وتستغلها للقضاء على المقاومين من كل الفصائل والاتجاهات، وعلى الدول التي لا تسير في ركابها؛ لأن شرم الشيخ قدمت الغطاء الدولي المناسب للقيام بمثل هذا العمل؛ بل إنها ما عقدت في الأصل إلا لهذا الغرض.
إن الحليف الجديد الذي أقيم سيوجه قواه كما وجه اتهاماته إلى بعض الدول العربية والإسلامية، ومنها بالتحديد: سورية وإيران وليبيا والسودان، لأن أميركا و"إسرائيل" تجدان هذه الدول خارج القبضة خارج مدى السيطرة. ولذلك توجه ضدها تهم تغذية "الإرهاب" وتقديم المساندة والدعم والملجأ لمن يمارسه، وتجعلانها دولاً تقف ضد مسيرة السلام وتعمل على تقويضها، وعلى ذلك تقول بحصار هذه الدول وبضرب قدراتها على استقلال القرار والإرادة، وتقوم بتهديدها لترضخ للمطالب الصهيونية والأميركية، التي تتكامل في أدائها الاستعماري والاستيطاني والعنصري.
- إن سورية مستهدفة لأنها لا تقر بشروط "إسرائيل" التي تطرحها في المفاوضات الثنائية- محادثات وأي بلانتيشن- وترفض أن توقع اتفاقية إذعان كتلك التي وقعت في أوسلو ووادي عربة، كما ترفض أن تتنازل عن دورها الإقليمي ومشروعها القومي وعن مكانتها في المنطقة والوطن العربي، وتريد أن تكون للبنان مثل مالها من التحرير والحرية والإرادة، كما أنها ترفض أن تكون للمقاومة الوطنية المشروعة -فلسطينية أو لبنانية أو أية مقاومة على وجه الأرض- ضد الاحتلال وجه الإرهاب البشع، كما ترفض أن يكون دفاع الفلسطينيين، عن أرضهم ووطنهم ومقدساتهم وأنفسهم فعلاً يوصف بالإرهاب ويجرّم، لأنه بكل بساطة ووضوح فعل تحرير ومقاومة مشروعة للعدوان والاحتلال، وسورية ترفض كذلك أن تلقي الفلسطينيين الذين حرموا من وطنهم خارج حدود كل أرض ووطن لتفتك بهم الصهيونية.
وبسبب من هذه المواقف توضع سورية في مركز دائرة الضغط والتصويب، وتدعى تركيا لتشكل مع "إسرائيل" والأردن طوقاً ضاغطاً يجعلها في حالتي حصار وعزلة، ويوجه إليها، من خلال ذلك التهديد والحصار، إنذاراً لترضخ لشروط السلام النووي، "الإسرائيلي" أو لتواجه نتائج رفضها؛ وفي الأشهر الثلاث القادمة؛ عندما يستكمل الحلف استعداداته، لا سيما في الأردن، سنرى من هذا الشقيق العجيب عجباً، بعد أن أخذ يسابق "إسرائيل" على توجيه تهم الإرهاب إلى سورية، ويستفز الآخرين ضدها.
ولن يكون الجار التركي أقل تطرفاً وغطرسة فهو يقدم للعدو الصهيوني كل المغريات ليرفض الأخير أية مفاوضات مع سورية، لأن لتركيا حساباتها ولأنها تصر على توجيه اتهاماتها لسورية بتغذية عبد الله أوجلان على الرغم من نفي سورية المستمر لهذا الأمر.
- وإيران لا تقر بأن ما تم التوصل إليه من اتفاقيات -وادي عربة وأوسلو- تبقي القدس بيد الصهاينة، وهو مما تجب مباركته؛ وهي تختار نظام حكم لا يرضي الولايات المتحدة الأميركية، وتحاول أن تمتلك سلاحاً تدافع به عن نفسها وعقيدتها واختياراتها، وقد أخرجت الثورة فيها ذلك البلد من قبضة الـ C.I. A والسافاك، ومن دائرة التبعية للغرب، وأغلقت سفارة "إسرائيل" في طهران وفتحت في مكانها سفارة لفلسطين -وربما كان هذا الأمر لا يعجب عرفات الذي يريد رأس تلك الثورة الآن ويستعدي عليها الآخرين ويتهددها من شرم الشيخ- وتحركت الثورة بإيران في اتجاه مغاير لما كان عليه الاتجاه زمن الشاه، وكل هذا لم يُرضِ الولايات المتحدة و"إسرائيل"؛ كما قدمت إيران دعماً ومساندة لمن يعانون من الاحتلال والفقر والممارسات العدوانية الإسرائيلية في جنوب لبنان، فأصبح كل ما تقوم به موضع اتهام، وقبل أن تحصل على سلاح متطور أو تصل إلى امتلاك القدرة على إنتاجه، يراد حصارها وتوجيه ضربة موجعة لها، ويبدو أنها في رأس قائمة المستهدفين، كما يستشف من قراءة هوامش قمة شرم الشيخ.
- أمّا ليبيا فما زالت وستبقى تسدد فواتير مناهضتها للسياسة الأميركية في المنطقة، ورفضها لكل ما يتعلق بعملية السلام؛ ويبدو أن المطلوب من قبل الحلف الجديد هو مضاعفة أزماتها ومعاناة شعبها، الذي ذاق الأمرين جرَّاء الحصار الظالم المستمر منذ سنوات، وخلق مشكلات جديدة لها تزيدها عزلة ومعاناة.
- والسودان هو الآخر على قائمة المتهمين المطلوبين في المؤتمر العتيد؛ الذي يكرس "زعامات مطلقة للعالم العربي" على حساب العرب وحقوقهم ووجودهم وقضاياهم؛ وكأنهم لم يقدموا ما يكفي بعد من دفع تكاليف الزعامات المطلقة؟؟ السودان على القائمة لأنه لا يسمح بتقسيم أرضه، ولا يترك قارنق وبقية المنشقين الذين يؤيدهم الغرب يقيمون دولة على حساب الدولة تلتحق بالغرب وتؤدي وظائف ضد العروبة والإسلام، وضد كل أشكال الوجود والتواصل العربي مع إفريقيا، لتبقى ذراع "إسرائيل" طليقة تماماً هناك، وليتم فصل إفريقيا العربية في شمال القارة عن وسطها؛ كما يدفع السودان ثمن اختيار نظامه وتوجهه الثقافي والديني، فمن غير المسموح به للدول، فيما يبدو، أن تختار إلا ما تسمح باختياره والولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" من عقائد وثقافات وأنظمة حكم وصلات وعلاقات وتبادل مصالح.
ومن هذا كله نجد أن قمة شرم الشيخ تعلن حرباً على الحرية والتحرير وكل مقاومة وطنية مشروعة للاحتلال، تحت شعار "صنع السلام" ومحاربة الإرهاب، وتعلن الحرب على كل من لا ترضى "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية عن سلوكه واختياراته، من أفراد وجماعات ودول، وتسمح للإدارة الأميركية بأن تمارس دورها بوصفها شرطياً للعالم بتفويض من المؤتمر، مستخدمة القدرة المعلوماتية والاستخباراتية للدول، وهي تعلن انحيازها الكامل للعدوان وكأنه انحياز للحق، وتجد من يضربون الدفوف في موكبها ويشهرون خناجرهم وحناجرهم لخوض معاركها ومعارك حليفها الصهيوني ضد أبناء أمتهم وضد مصالح تلك الأمة.
لقد بدأت "إسرائيل" بتنفيذ برنامج الإبادة المنظم ضد قوى المقاومة الوطنية الفلسطينية في فلسطين المحتلة، وهي تمارس التطهير العرقي بتدرج مدروس في ظل قرارات المؤتمر ومباركاته، من دون ضجيج إعلامي، يساعدها على تنفيذ المهمة عرفات وقواته التي تنفذ الأوامر التي تتلقاها من المحتل العنصري بكل صراحة ودقة وفخر، وتطالب بمزيد من المعلومات والأوامر للقيام بعملياتها ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذين يرفضون أوسلو، لأنهم ضد السلام، فقد أصبحت أوسلو هي السلام؟؟ وهذا هو منطق شرم الشيخ الذي يريد أن يقدم الاستسلام على أنه السلام، والمقاومة على أنها الإرهاب، والدفاع عن النفس على أنه جريمة؟؟
إنه منطق الاستعمار والعنصرية، ومنطق من يرون أن الديمقراطية هي أن يفوزوا في الانتخابات حتى لو قدموا الآخرين ضحايا على مذابح أنانيتهم، وشوهوا كل المفاهيم والقضايا والشرائع والعقائد والضمائر؟؟...
وهكذا ينجح مؤتمر شرم الشيخ في أن يقدم لنا الإرهابي العريق شمعون بيريس على أنه ضحية للإرهاب، وزعيم الإمبريالية العالمية الذي يمارس إرهاب الدولة المنظم ويحقق له غطاء دولياً، على أنه صانع سلام؛ ويجعل من تآمر دولي على قبضة شعب ونضاله وكفاحه المشروع ضد الاحتلال تحالفاً مقدساً من أجل السلام؟؟ والأدهى من ذلك أن ينجح المنطق العنصري الصهيوني الاستعماري في تقديم نفسه على أنه المنطق المقبول والمستضعف والمحتاج إلى دعم العالم وتحالفه معه، كما ينجح في أن يجر معظم أهل القضية ليكونوا في موكبه "مطيّباتية" لفعله وهو يهدم البيوت ويقتل الأجنة في الأرحام، ذاكراً شابين من عنصرييه قتلا على أنهما صورة الإنسانية المعذبة، متناسياً آلاف الشباب الذين قتلهم شبابه العنصريون، وغير مكترث بأطفال مازال العمر أمامهم ماتوا على المعابر الصهيونية، إريتز وكارني بين غزة وبقية فلسطين المحتلة، بانتظار أن يسمح العسكر المحتل لهم ولأهلهم بالدخول إلى أرضهم.
إن قمة شرم الشيخ تحدث تبدلاً كبيراً، سياسياً وأمنياً واجتماعياً، في المنطقة؛ كما تقدم صيغة جديدة لاستخدام العلاقات الدولية والمنظمات الدولية مظلات لتحقيق برامج ومخططات استعمارية، ولفرض هيمنة قوى عنصرية على شعوب، ولشن حروب عصرية على عقائد وثقافات واختيارات أمم وشعوب لا ترضي أنظمة وحكاماً ودوائر استعمارية وثقافات استعمارية تمارس غزواً ضد الآخرين.
وستكشف الأيام أنه أخطر المؤتمرات ضد حقوق الإنسان وحركات التحرر وحرية الاعتقاد وحرية التعبير والحريات العامة للمواطن، وأنه مفتاح التدخل المباشر للقوى الاستعمارية في الشؤون الداخلية للدول والشعوب؛ إنه مؤتمر يرسخ العدوان ويفتح الطريق أمامه ليمارس ما يشاء من تصفيات تحت مظلة دولية ومباركة أخلاقية تشوه كل صورة حقيقية للأخلاق وللتقدم وللعصر.
دمشق في 19/3/1996
الأسبوع الأدبي/ع504//14/3/1996
الأسبوع الأدبي/ع505//21/3/1996
|