صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

بين واقعيتين

تحالف الكيان الصهيوني المعلن عسكرياً مع تركيا، وقيام هذا الكيان بمناورات عسكرية ـ جوية على الخصوص ـ مع جيش الملك حسين تحت ستار القوات العسكرية الأميركية ومظلتها، يستدعيان التوقف طويلاً عند مدلولاتهما ويثيران أسئلة لابد من مواجهة أجوبتها والبحث عن تلك الأجوبة.‏

بداية أقول: إن ما يجري الآن هو فعل في إطار إقامة "حلف بغداد بلا بغداد" ذلك الذي أشرت إليه في مرات سابقة، وهو حلف يطرحه شمعون بيريس ويضم "إسرائيل" وسلطة عرفات وأردن الملك حسين وتركيا، والعراق بعد التغيير الذي تنشده الولايات المتحدة و"إسرائيل" ويكلف الأردن بطرحه ليكون العراق من بعد مقسماً أو هامشياً في إطار إحياء المشروع الهاشمي القديم، وفي الحالين يكمل حلقة حلف بغداد ولكن بهيمنة "إسرائيلية" وشراكة أميركية. وهذا الحلف يضمن أموراً هامة ومشتركة وحيوية لكل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.‏

فهو:‏

1 ـ يسمح بالانتقال من احتواء إيران إلى محاصرتها وتهديدها، وجعلها تنحسر وتنكفئ داخل حدودها، ولا تتطلع إلى امتلاك قوة نووية أو غير نووية، أو لتواصل مع محيطها الإسلامي. ويضمن تأثيراً على ثروتها النفطية عند اللزوم، حتى بوجه أوربا التي قد تفكر بمصالحها واستقلالها.‏

2 ـ يسمح بالانتقال من احتواء العراق إلى احتلاله من خلال التقسيم أو فرض التبعية أو احتلال إرادة الحكام، ويضمن أن يحكمه بحكم حكامه عملاً بقاعدة كرومر في مصر سابقاً.‏

3 ـ يسمح بقطع كل أمل، لأية جهة: محلية أو عربية أو دولية، بالتفكير بتحرر منطقة النفط الأولى في الخليج والسعودية، إذ يحيط بها الحلف من مناطق استراتيجية حيوية، ويجعل التواصل المباشر بينها وبين محيطها العربي والإسلامي شبه معدوم لا سيما من حيث التأثير والفعالية والأبعاد الحيوية.‏

4 ـ يضع سورية ولبنان في حالة حصار وشبه عزلة وتهديد مستمر، ويفرض حولهما طوقاً تاماً ليجبرهما على القبول "بالسلام الإسرائيلي" وشروطه، وليقايض ماء الفرات بمنابع المياه في بانياس والحمة، وربما بالجولان ذاته، وليتحقق من الخطوة الأهم وهي: إلغاء المشروع العربي الذي تمثله التطلعات السورية في بعدها الفكري وتأثيرها القومي أيضاً، ويحيلها إلى قطر محاصر بالخطر والهم والمشكلات، يلعق جراحه ولا يملك أن يفعل أكثر من ذلك.‏

5 ـ يقيم سداً منيعاً بين آسيا العربية وإفريقيا العربية، ويمنع تواصلاً بناءً محتملاً بين مصر وسورية، لأن في اتصالهما احتمالات تغيير وجه المنطقة، كما يفيدنا التاريخ.‏

6 ـ يسقط، بشكل نهائي، القضية الفلسطينية ويحسم الصراع العربي الصهيوني لصالح "إسرائيل"، ويضمن نهاية لتاريخ الحلم العربي الحديث بتحرير وحرية ونهضة ووحدة، ويضع حداً للمشاريع القومية والأحلام القومية في الوطن العربي.‏

7 ـ يمنع قيام محور محتمل يمتد من بيروت إلى طهران مروراً بدمشق وبغداد. وهذا المحور الذي يكسر حلقة الحلف، لا يجوز أن يقوم، من وجهة النظر الصهيونية والأميركية، وحتى الغربية بشكل عام، لأنه يشكل رافعة جديدة لنهضة عربية ـ إسلامية يخشى أولئك تأثيرها على مصالحهم في المنطقة من جهة، ودورها في تحقيق نهضة عربية ـ إسلامية، وتواصل بناء ستكون له نتائجه السلبية على الوجود الاستعماري وعلى الكيان الصهيوني.‏

وفي ظل هذه المعطيات، والمناورات التي تبدأ في الأردن في 18 نيسان الجاري، وتقديم تركيا "لإسرائيل" قواعد جوية في أراضيها وسماحها للطيران "الإسرائيلي" باستخدام الأجواء التركية، وهو ما يشكل تهديداً حقيقياً لسورية ولبنان والعراق وإيران، كما يشكل استفزازاً وتهديداً للأمن والاستقرار النسبي في توازنات المنطقة.‏

في ظل هذا كله: هل يجوز لنا أن نقول: إن "إسرائيل، تسعى لأي نوع من "السلام العادل" في المنطقة? أو أن نقول: إن الولايات المتحدة الأميركية تفكر بتشجيع أي نوع من "السلام العادل" والدائم في المنطقة?! اللهم إلا إذا بني ذلك على مفهوم فرض القهر والإلغاء للجانب العربي في المعادلة!?!‏

وأظن أنه في ظل هذا الواقع وتلك الوقائع يحق لنا أن نطرح السؤال المر التالي: هل يمكن أن يقوم سلام في المنطقة مع وجود المشروع الصهيوني ـ الاستيطاني في المنطقة، والذي تشكل الشرق أوسطية التي تأخذ طريقها للتنفيذ مرحلته الثانية "مرحلة " إسرائيل " الكبرى"?!.‏

وهل يمكن أن يقوم في المنطقة أصلاً سلام من أي نوع، عادل أو غير عادل، مع وجود "إسرائيل" فيها??!‏

إنني آخذ بإجابة سلبية على السؤال الأخير، وأقول: إنه لا سلام في المنطقة مع وجود "إسرائيل" فيها.‏

وإذا ما اعتمدت هذه القناعة واستقرت في الوجدان السياسي والثقافي والاجتماعي في هذا الوطن العربي، في بلاد الشام من هذا الوطن فإن عملية البحث الشاقة تبدأ انطلاقاً من هذه النقطة من هذه الحقيقة، لإيجاد بدائل وقوى وتحالفات وسائل، تمكن من الصمود والمقاومة وامتلاك القوة المنقذة والمحررة.‏

وأول خطوة على تلك الطريق الشاقة هي ألا نفقد الأمل، وألا تنهار إرادتنا، وألا تستقر الهزيمة أو يستقر الإحباط في الأعماق. إن أهم نقطة ارتكاز في هذه القضية ألا تنهزم الروح وأن يشع الأمل وألا نأخذ بواقعية انهزامية تروجها سياسات وثقافة وأجهزة إعلام وتقول جميعها: "ليس بالإمكان أبدع مما كان". وهذا معناه في نهاية المطاف أن نسلم "لإسرائيل" خطوة بعد خطوة، بكل ما لدينا من مقومات الوجود والكرامة والحرية والاستقلال، وأن ندخل العصر الصهيوني من أبوابه العريضة.‏

إن الأمل موجود، والواقعية الإيجابية أو المتفائلة التي تأخذ بتحقق الممكن المنقذ في الحياة العربية وفي التواصل مع عالم لم ننهزم فيه كلياً بعد، كل ذلك من فعل ملائم لمواجهة ما نحن فيه من مآزق، وما يتفتق عنه المشروع الصهيوني الشرق أوسطي الوجه من معطيات.‏

فهل نبادر?! وقبل فوات الوقت?! وعلينا أن نختار بسرعة بين الواقعية الانهزامية السلبية النتائج، والواقعية المتفائلة التي نتوقع نتائجها الإيجابية على المدى البعيد.‏

فنكن من طويلي النفس والراغبين في الصمود والمتمسكين بالكرامة والحق، حتى يبقى منا ما يبقى لنا حضارة وشخصية ووجوداً حياً بين الناس، ولنبقي بذلك لأجيالنا القادمة شيئاً ترضى عنه ويقيم قوامها بين الأمم.‏

بيروت في9/4/1996‏

الأسبوع الأدبي/ع508//11/4/1996‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244