|
دماء في الجلاء
في العيد الذهبي للجلاء فرحة شعبنا منقوصة، إذ ما من قلب إلا وفيه جراح دم جراء ما يجري في لبنان، فمنذ سبعة أيام والعربدة الصهيونية مستمرة، براً وبحراً وجواً، من دون أدنى رادع من أي نوع، وبمباركة الصهيوني الأول في البيت الأبيض الذي إخاله يزهو ويتلذذ الآن، وعلى يديه دم أطفال الجنوب، فكل من صنع قمة شرم الشيخ ساهم في عدوان "إسرائيل" وعلى يديه دماء أهلنا في الجنوب، ذلك الذي شهد أكثر من ألف طلعة طيران، وأكثر من أربع مئة ألف مشرد عن بيته، وعشرات الشهداء، وما يقرب من مئتي جريح، أمّا التدمير الذي خلف أرضاً محروقة وخراباً هائلاً ووصل إلى المرافق الحيوية في بيروت فكل حديث عن فظاعته لا يكفي لرسم صورة باهتة عما حققته النتائج الأولية للقمة الدولية العتيدة.
المدن الكبرى في جنوب لبنان: النبطية- صور وحتى صيدا تتعرض للقصف الوحشي، وعن المشاهد المرعبة يكثر الكلام؛ هذا هو جنى الربيع في ربيع الغطرسة العنصرية الصهيونية التي ازدادت حقداً ودموية وشهوة للبطش بعد قمة شرم الشيخ.
يجري هذا بكل الهمجية والقسوة من دون أن تتحرك إرادة أو يتحرك أحد لمساندة فعلية لمن يتعرضون لأشرس أنواع العدوان وأبشعها؛ المشردون يعودون إلى ضواحي بيروت، والمدارس تتحول إلى مناف، والتلاميذ يستظلون بظل الرعب، ولبنان الذي عانى من كل أشكال المحن يعود إلى أحضان الهول من جديد؛ لا لشيء إلا لأن بنيه يرفضون الاحتلال ويقاومونه، ولأنه يقول بالحرية والتحرير، لبنان يدفع ثمن الاختيار الكريم، وكل ذلك بعض ثمار قمة صانعي الدمار والعذاب والموت والحرب في شرم الشيخ.
إن كل من شارك في قمة الإرهاب تلك يداه ملطختان بدماء الأبرياء اللبنانيين، وكل صوت ارتفع مناصراً تلك القمة مزيناً أهدافها مباركاً توجهها، يحمل بعض وزر ما يتم تحت مظلتها من إجرام؛ لقد كان واضحاً منذ اللحظة الأولى للقمة أن الدول التسعة والعشرين التي حضرتها تناصر عدواناً "إسرائيلياً" مبيتاً ضد المنطقة وسكانها، وضد المقاومة الوطنية المشروعة التي تمارس حقها في الدفاع عن نفسها وأرضها وقيمها؛ وحين استدعي "الكبار" على عجل، ووضع في عنق كل منهم طوق وربط إلى عجلة الإجرام الصهيونية كان واضحاً لكل ذي رأي وعين، أنهم سوف يركضون في المنحدر الذي هيئ لهم، من دون أن يتمكن أي منهم حتى لو أراد من إعاقة كرة الإجرام الصهيونية النارية التي مازالت تكرج في المنطقة ناشرة الرعب والعار، مزيفة الوقائع والمعطيات، ملوثة كل القيم والمفاهيم والمصطلحات، وفي مقدمة ذلك السلام الذي غدا حرباً قذرة على الإنسانية والحرية، وذلاً مفروضاً على الشعوب والحكومات، وشروطاً قهرية تحمي السلطة الصهيونية والمرتبطين بها، من صولة الحق والقوانين العادلة، وممن يتطلعون إلى الحرية السجينة في أقبية العنصرية، تلك المنتشرة على مدى سياسي متصهين يزداد حقداً وعنفاً وهمجية كلما أشرقت شمس وارتفع صوت ينادي بالتحرير.
لقد عكَّر الوحش الصهيوني صفو عيدنا، وذكّرنا بقسوة بالغة بأننا لم ننجز الاستقلال ولم نحقق بعد الجلاء، ولم نحرر إرادتنا وقرارنا مما يكبل تلك الإرادة وذلك القرار؛ لقد ذكرنا بذلك وحشر كلاً منا في زاوية ميتة يغزوه فيها الألم ولون من الموت؛ فلا القدرة على التحرير قائمة، ولا التضامن العربي الذي يبعث بعض الأمل والقوة موجوداً، ولا الأفق أمام النفوس العربية مشرعاً ولا... ولا...ولا....
الجولان، أرضنا الأحب، في قبضة المحتل مازالت، وفلسطين أصبحت منطلق الاحتلال والعدوان والتهديد والوحشية "الإسرائيلية" لكل عربي يرفض النير الصهيوني، بعد أن أقرت سياسات عربية بأنها صارت دار العقرب وعقدة الأفاعي التي تتزنَّر بها لتلدغ عرباً آخرين، ولتخضع كل العرب للآخرين؛ والجنوب الذي يعاني سكرات الموت ويتطلع لمن ينجده، لا نستطيع أن نقدم له شيئاً، والعجز يحاصرنا ونلهث وراء قلوب فيها من الحمية أكثر بكثير مما تملك الأيدي من أدوات تحقق شيئاً مما تتطلع إلى تحقيقه!!
العيد الذهبي للجلاء الذي أردناه فرحة وبهجة وتجدد عزيمة، يمر حزيناً، ويتلفت إلينا أصفر الوجه مجرحاً، ومدافع العيد ترتد قذائفها إلى الأعماق فتفجر فيها الألم بدلاً من الفرح، والعيون تحتضن العيون آسية مواسية، ونيسان يهجر الخضرة التي رافقها الدهر ليرتمي يابساً كئيباً على عتبة الوقت يشكو مما لحق به على أيدينا من بؤس وعار ويأس.
الموت العذب المعذب لطفل بريء في حضن أمه أو بين عشب منوِّر بالزهور في أرض بيته، يحمِّلنا رسالته وأمانته وأمانيه، هو وحده الذي يطالعنا عند مفارق الدروب وعلى مشارف الرؤى، الموت العذب المعذب يقدم لنا التهاني في العيد ويقدم التعازي في الوقت ذاته لقلوب أصبحت حياتها أقسى من الموت وأصعب، وتحولت إلى مقابر للأحلام ومنابت للآلام.
في العيد الذهبي للجلاء نقف على عتبة عقد من الزمن يتحكم بنا فيه أقوياء فقدوا كل صلة بالقيم الإنسانية والحضارية التي تعني الاهتمام بالإنسان والحق والعدل والحرية والكرامة، قبل أن تعني نوعاً من التقدم التقني المهلك للحرث والزرع والنسل وكل أشكال الحياة؛ في العيد الذهبي للجلاء نتبين بكل الدقة والوضوح أنه لا سلام ولا أمن ولا اطمئنان مع وجود "إسرائيل"، ولا مجال لاسترداد الحقوق والمحافظة على الوجود ومقومات العيش الأمن الكريم إلا بامتلاك القوة، تلك التي لا يحققها إلا علم وعمل به، وامتلاك لتقانة عالية على أرضية العلم، تحول معارفنا النظرية إلى قوة تحمي وتحرر وتنقذ.
وفي الضوء الباهر للأحداث التي تواكب هذا العيد، وفي ضوئه الباهر أيضاً، نتبين سيد عالم القوة الوحشية المعربدة في سماء وطننا اليوم سيداً متعطشاً للدم والقهر والظلم، له صورة رب الجنود التلمودي، يتربع على كرسي السلطة العمياء في بيت أبيض، ينطبق عليه قول العامة عندنا "من برّة رخام ومن جوّة سخام"، بيت له لون الغمام ولا يربو فيه إلا الحقد والظلم والظلام؛ سيده يقلّب يديه الملطختين بالدم فرحاً بما يحقق من "نصر" وانتصار لقوة الشر الأولى في العالم التي أوصاه كاهنه، وهو على فراش الموت، بألا ينساها أبداً فوعده بذلك ونفذ وعده؛ ولسيدة ذلك البيت الأبيض حق علينا في كل أعيادنا التي تزاحمت هذا العام: عيد الفصح، وعيد الجلاء، وعيد الأضحى، لتشهد كلها موسم البطش العنصري المبارك من كل القوى، "المحبة للسلام" وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية؛ لها علينا حق أن نزف لها التهنئة باختيارات سياسية "موفقة" جاءت كلها لتكذب رسالة طيبة تفاءلنا بها وصدقناها، نحن الذين شاركنا في ندوة "الإسلام والغرب" واستمعنا إلى تلك الرسالة، رسالة السيدة هيلاري كلنتون التي حملت تفهماً وتسامحاً وأملاً؛ سياسة لا تليق بدولة عظمى جاءت لتكرس الانحياز المطلق للعدوان، ولتجعل من رئيس أعظم الدول قوة في العالم شبحاً وحشياً مخيفاً يناصر الظلم ويتباهى بما على كفيه من دماء بريئة صنعتها دعوته وقيادته لقمة إرهاب الدول العظمى ضد الشعوب وحركات التحرر تلك التي عقدت في شرم الشيخ وجرت إليها ثلاث عشرة دولة عربية؛ هنيئاً لسيدة البيت الأبيض بيدي زوج ملطخة بدماء الأطفال الأبرياء، وهو السيد الفعلي للإرهاب في العالم، إرهاب الدول المنظم تحت المظلة المعلوماتية والمظلة النووية وكل أنواع الأسلحة الفتاكة وفي مقدمتها السلاح النووي، إنه فعلاً يصنع عالماً جديداً ونظاماً عالمياً جديداً يستحق أن يدخل التاريخ من أحد أبوابه التي يشرعها فوكوياما.
أما نحن أبناء الشعوب المثقلة بالألم وأشكال الاضطهاد فتكفينا أعياد مجهضة، وأفراح غارقة بالدم والدموع، ويكفينا أننا لا نمارس الاضطهاد، ولا نشرد الشعوب من أوطانها، ولم نمارس صيد الهنود الحمر؛ وكل عام والعالم بألف خير.
دمشق في 17/4/1996
الأسبوع الأدبي/ع509//18/4/1996
|