|
قراءة في تصريح كلنتون
في مؤتمره الصحفي مع الرئيس الهراوي يوم 24 نيسان الماضي، قال الرئيس كلنتون: "فور علمي بوقوع القتال أعطيت توجيهاتي لوزير الخارجية كي يحاول فوراً وقف ذلك القتال وحماية أرواح المدنيين المعنيين، لقد فعلت ذلك فور علمي بالأمر".
وقد استوقفتني العبارة الأخيرة أكثر من سواها بشكل خاص، كما استوقفتني إجابة الرئيس كلها بشكل عام، ذلك أن وزير خارجيته كريستوفر صرح في مؤتمره الصحفي مع وزيرة الخارجية الإيطالية سوزانا أنييللي في واشنطن يوم 11نيسان، أي يوم بدأ العدوان "الإسرائيلي" على جنوب لبنان، بـ "إنه على الأطراف أن تدرك أنه لكي يتم حل هذه المشكلة ينبغي وقف هجمات الكاتيوشا، وأعتقد أن جميع الأطراف تدرك وجهة نظرنا هذه. "فقد كان الوزير على علم بالأمر من جهة، وثابت الموقف من العملية التي ينبغي أن تستمر إلى أن تحقق أهدافها من جهة أخرى، وهو يحمل من يطلقون صواريخ الكاتيوشا مسؤوليتها ونتائجها.
-واستمر هذا الموقف الأميركي حتى بعد قصف " إسرائيل " "لسيارة الإسعاف وقتل الأطفال فيها، وبعد قصف النبطية الفوقا وقتل أحد عشر شخصاً بينهم أسرة بكاملها ولها طفل، بين القتلى، في اليوم الرابع من العمر؛ وعبر عن ذاك الموقف بوضوح غلين ديفس الذي قال في المؤتمر الصحفي لوزارة الخارجية الأميركية يوم 15 نيسان: "إن العنف سبب هجمات حزب الله على شمال إسرائيل، ينبغي وقف هذه الهجمات لكي يتوقف العنف، وهذا هو ما نركز عليه جهودنا الآن. "وفي اليوم ذاته، وبينما كانت الجهود منصبة على عقد جلسة لمجلس الأمن "الدولي" لمناقشة الوضع، حاولت الولايات المتحدة الأميركية، بكل الوسائل، منع انعقاد المجلس، ومنع إجراء مناقشة حول الوضع المتردي في لبنان، وقال مسؤول أميركي للصحفيين: "إن مجلس الأمن بصفة عامة ليس المكان الصحيح لحل مشاكل الشرق الأوسط، وتنحو مناقشات من هذا القبيل إلى توليد مناقشة حول الأسباب الجذرية للنزاع. "ومن الواضح أن هدف الإدارة الأميركية لم يكن وقف العدوان وإنما إعطاء الوقت الكافي لـ "إسرائيل" لتنفذ أهدافه المتفق عليها مع الإدارة الأميركية اتفاقاً تاماً وشاملاً بعد قمة شرم الشيخ؛ وقد عبرت عن ذلك بجلاء مادلين أولبرايت حين قالت أمام مجلس الأمن، الذي ناقش موضوع العدوان يوم 15 نيسان: "على أولئك الذين يسمحون لمسلحي حزب الله بالعمل في لبنان من دون أن ينالهم عقاب أن يتحملوا المسؤولية والعواقب."؛ إذن هناك تصميم على خلق مشكلة كبيرة، وإنزال كارثة قاسية تؤدي إلى عواقب وخيمة يتحمل مسؤوليتها ونتائجها" الذين يسمحون لمسلحي حزب الله بالعمل في لبنان"، ومن هم أولئك يا ترى؟! وما هي حدود الكارثة المتفق على إلحاقها بهم؟؟ وما هي النتائج المرجوة أميركياً وإسرائيلياً من وراء ذلك؟؟ من الواضح أن المستهدف هو سورية من خلال لبنان، والعلاقة اللبنانية السورية، وخلق أزمة عارمة من خلال القتل والتهجير والتدمير، يضخمها الإعلام والعملاء؛ وتكبل الحكومة اللبنانية، وسيؤدي ذلك -حسب المخطط- إلى القضاء على المقاومة، وإحداث شرخ عميق في الشارع اللبناني، وفصل المسار السوري عن المسار اللبناني في المفاوضات، وفرض سلام "إسرائيلي" على لبنان، وتحشيد "عرب" مثل الملك حسين ليوقفوا العدوان باتفاق أميركي- إسرائيلي ويتقدموا الصفوف منقذين، ليقدموا فرصة "للبنان" شبيهة بـ "فرصة" عرفات والملك حسين، ظهر ذلك من خلال تنسيق الكباريتي مع بيريس، وتصريحات أردنية ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه كل التواطؤ والعذاب- وليتحقق بذلك كله عزل سورية والاستفراد بها، وتحميلها مسؤولية ما حدث، وإجبارها على الركوع، وقتل مشروعها القومي وبعدها القومي، وإفقادها كل مصداقية في الداخل والخارج.
ومن المعروف أن النتائج كانت عكس ما رسم أولئك وخططوا، إلا فيما يتعلق بالكارثة فقد ألحقوها بالمدنيين وبالعمران في لبنان، ولكن روح الشعب هناك كانت أقوى بكثير من الكارثة فلم تتحقق النتائج المتوقعة، بل أدى ذلك إلى إذكاء روح شعبية وتماسك وطني عز نظيره من قبل في لبنان خلال العقدين الماضيين، ولاسيما في صفوف الشباب.
ومنعت الإدارة الأميركية مجلس الأمن، باسم الفيتو والتهديد باستخدامه، من اتخاذ قرار في الجلسة 2635 تاريخ 15 نيسان، واكتفى رئيس الجلسة بتلخيص المناقشات، وتباهى ممثل الكيان الصهيوني جاد يعقوبي لدى "مجلس أولبرايت" الأميركي، بأنه "حان وقت قيامنا باتخاذ إجراء".
وكانت الإدارة الأميركية في كل تلك الأيام، التي استمرت فيها الفظائع "الإسرائيلية" في جنوب لبنان، تعكف على وضع مشروع الاتفاق الذي يعيد ترتيب الأوضاع في المنطقة بعد أن يحقق العدوان أهدافه، ولم تشأ أبداً أن تكشف عن شيء من ذلك واكتفت بالحديث عن اتفاق؛ وعندما اتضح للعسكريين الصهاينة؛ الذين كانوا يتحدثون في البداية عن عملية تدوم أسبوعاً بعد الأيام الأولى من العدوان، أن أهدافه لن تتحقق بهذه السرعة، أخذوا الحديث عن تمديد العملية المشؤومة "عناقيد الحقد العنصري" إلى أكثر من أسبوع.
في الثامن عشر من نيسان، وفي لحظة وصوله من طوكيو إلى موسكو، دعا الرئيس الأميركي بوضوح لوقف إطلاق النار فوراً، وذلك لأول مرة منذ بداية العدوان، أي بعد أسبوع من بدايته، وتم هذا تحت تأثير مباشر من وقع مذبحة "قانا" المروعة على الرأي العام العالمي، وما بدأت تلحقه من ضرر بسمعة "إسرائيل" وبمصالح بيريس وكلينتون الانتخابية؛ وجاء في تصريحه: ".....تبين أحداث اليوم بصورة مؤلمة أهمية إنهاء العنف الجاري حالياً في لبنان، ولكي يتحقق هذا الهدف أناشد الأطراف جميعها أن توافق على وقف فوري لإطلاق النار.
قبل أن أغادر طوكيو وجهت تعليماتي إلى وزير الخارجية كريستوفر بأن يتجه إلى الشرق الأوسط للعمل على سلسلة من التفاهمات التي من شأنها أن تؤدي إلى نهاية دائمة لهذه الأزمة. وسيتجه المنسق الخاص لعملية سلام الشرق الأوسط دنيس روس إلى المنطقة قبل كريستوفر لبدء هذه العملية"
وفي اليوم ذاته اتخذ مجلس الأمن "الدولي" قراراً يطالب فيه بوقف إطلاق النار، ولكنه لم يدن العدوان الإسرائيلي، ولا مذبحة "قانا" المتعمدة ضد المدنيين، تلك التي راح ضحيتها أكثر من مئة بريء احتموا بالأمم المتحدة، احتماء أهل غوراجدة وسربرنيتسا بها؛ وكان سبب عدم صدور الإدانة هو تهديد الولايات المتحدة الأميركية باستخدام حق النقض "الفيتو".
وبعد هذه المراجعة السريعة لبعض الوقائع، بدا لي أن أذهب، في ضوء كلمات الرئيس كلينتون، إلى تساؤل لا أعرف له وصفاً دقيقاً، ولكنه مبنى على إجابة الرئيس كلنتون في واشنطن على سؤال الصحافة، تلك التي أشرت إليها في بداية الكلام، وهو تساؤل يقول: هل يمكن ألا تصل أخبار القتال في لبنان إلى رئيس أعظم دولة في العالم تملك أكبر قدرة معلوماتية معاصرة، إلا بعد أسبوع تقريباً؟! أم أن المعلومات حجبت عن الرئيس يا ترى؟! أم أن طريق آسيا طويل تضيع فيه الأخبار؟! أم أن هواتف طائرة الرئاسة، والأقمار المنتشرة في الفضاء المحيط برحلتها تعرضت لتشويش مقصود، ربما كان مصدره معمر القذافي الذي يشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي؟!؟ أم أن أحداً من المعنيين بالأمر لم يشأ أن يزعج الرئيس بأخبار تافهة كقتل العرب وتدمير جنوب لبنان، حتى أتت حادثة قصف موقع القوات الفيجية العاملة في الأمم المتحدة في "قانا"، وهو موضوع لا يليق بالراعي الدولي تجاهله؟؟!...
ولا أخفي أنني ملت إلى التفكير بأن الرئيس الأميركي كان يعلم بالقتال قبل وقوعه، ولحظة وقوعه، وأنه لم يكن دقيقاً بما فيه الكفاية حينما قدم إجابته التي أشرت إليها؛ ولكنني استدركت فوراً بأن هذا لا يجوز أن يخطر لي على بال، ولا يجوز أن يكون موضع تفكير مني، على الرغم من أنه لا توجد جريمة تسمى "جريمة تفكير؛ وتركت -وأترك- تحديد وتوصيف وتسمية فعل الرئيس كلنتون لمن يقدرون على تسميته ويرغبون في ذلك؛ حتى لا أتعرض لتهمة الإرهاب، لا سيما أنني من دولة تصنفها الولايات المتحدة الأميركية مع الدول التي ترعى الإرهاب، وعندما يحدث ذلك من يحميني من غضب المدافعين عن العدالة والسلام وحقوق الإنسان وقيم المجتمع الدولي والصهيونية العالمية وصنائعها الظاهرين والمخفيين، الذين يكون بطرهم وطربهم بما تضحك به عليهم أكثر مما يخطر على بال أحد من عباد الله الأسوياء؛ وفي حكم المؤكد أنه لن يسمع بي الرئيس الأميركي "لينصفني"، ولا أحد ممن تعنيهم حقوق الإنسان؛ ذلك لأن هذا الصنف من "الإنسان" الذي يمت إلى دول ومجتمعات ترفض الانصياع للأمر الصهيوني- الأميركي اليومي الذي تجسده "إسرائيل" ويكرسه احتلالها لبلاد عربية، وترعاه الإدارة الأميركية وتنفق عليه، لا يؤبه به ولا بألمه ولا بمصيره ولا بتفكيره.
قد تتضح الرؤية الأميركية والمواقف الأميركية من العدوان على لبنان بشكل أفضل بالنظر إليها من موقعين أو حدثين هامين:
- الأول خطاب وليم بيري في 23 نيسان- في أثناء العدوان وبعد مذبحة قانا - أمام جمعية الشبيبة اليهودية/ بناي بريت/ في واشنطن، الذي أكد فيه: "أن تفوق " إسرائيل " العسكري اليوم هو أقوى مما كان في أي وقت مضى" و"وأن الولايات المتحدة وإسرائيل تطوران معاً أنظمة مثل النظام المضاد للصواريخ /آرو/ Arrow Anti J Tactical Missile System وأشعة ليزر ذات الطاقة الفائقة التي تستطيع تحطيم الصواريخ وهي في الجو"، ولم يترك بيري مجالاً لأي شك في استعداد واشنطن لاستخدام القوة الساحقة للدفاع عن مصالحها وعن "إسرائيل"؛ وأكد أنه يتطلع بحماسة إلى استقبال بيريس لتوقيع اتفاقيات نوعية معه، وكان بيريس في ذلك الوقت غارقاً في الدم الساخن المتدفق من أطفال "قانا" و"النبطية" و"الفوقا".
- الثاني متمم للأول ومتوج له، وهو استقبال الرئيس الأميركي لشمعون بيريس في واشنطن، وتوقيع الاتفاقيات الاستراتيجية معه، وتقديم عون مالي ومساعدات بملايين الدولارات لتطوير الأسلحة ولتغطية نفقات العدوان، ولتمكين بيريس من الاستمرار في سياسته التي تم تطويبها والاتفاق عليها في قمة شرم الشيخ وما تلاها، ولتعزيز موقفه في الانتخابات القادمة. لقد انتهت المرحلة الحالية من مراحل العدوان، في مخطط ما بعد قمة شرم الشيخ، ولم تحقق نتائجها، ولكن المخطط لم ينته ولم يتوقف، بل على العكس، سيزداد المسؤولون عن تنفيذه شراسة؛ وستقوم أطراف عربية بأدوار بشعة لتنفيذ بعض مراحله، وأرى النظام في الأردن مرشحاً للعب دور رئيس يعوض ما كان فقده من فرص في العدوان الإسرائيلي على لبنان؛ إن دوره في موضوع تفتيت العراق أو إلحاقه بالركب المتصهين لم ينته، وإن كانت الظروف تقتضي إرجاء التنفيذ لبعض الوقت!! فهل ينجح تنفيذ مراحل مخطط ما بعد قمة شرم الشيخ أم يلاقي الفشل؟؟ إن ذلك منوط باللاعبين، وبالظروف العربية المتغيرة إلى الأفضل نسبياً بعد العدوان الإسرائيلي- الأميركي الأخير على الجنوب، وبدور قومي نشط تلعبه سورية بفطنة وحذر وتصميم.
إن الأحداث الأخيرة لم تترك مجالاً للشك في نوايا الأميركيين نحو المنتمين العرب إلى أمتهم وقضيتهم وعقيدتهم، ولم تترك ذريعة لمن يرون في أميركا وسيطاً نزيهاً في المفاوضات العربية-الإسرائيلية، وكشفت عن سعي أميركي خبيث لتحميل سورية مسؤولية تعطيل مسيرة "السلام" لتوجيه لطمة لها، كما ظهرت أهداف إدارة كلينتون وممارساتها التي تبيت حقداً وتمييزاً عنصرياً ضد العرب، مع شطارة في قلب الأمور وخلطها خلطاً فظيعاً وشنيعاً.
لقد عارضت الولايات المتحدة، في مجلس الأمن، مشروع قرار عربي يدين "إسرائيل" ومنعت اتخاذه بحجة أنه "منحاز"؟؟!! منحاز لمن؟! منحاز للبنانيين الذين ذُبحوا وشُردوا وهُدمت بيوتهم وخُربت بلادهم، ومنحاز لأنه لم يأخذ بالمنطق الأميركي الأعرج الذي يريد أن يرى في المقاومة الوطنية اللبنانية، وعلى رأسها حزب الله، مجموعة من الإرهابيين الذين "لجؤوا" إلى جنوب لبنان؟؟ وكأن أهل الجنوب الذين يقاومون الاحتلال الصهيوني ليسوا لبنانيين، وإنما هم إرهابيون لجؤوا إلى الجنوب؟! إنهم غرباء -بنظر المتصهينين- لأنهم مقاومون، وإنهم إرهابيون لأنهم يريدون وطنهم حراً وخالياً من الوجود الصهيوني، وهم غرباء وإرهابيون ويستحقون الإبادة لأنهم يرفضون دخول عصر الذل الأميركي- الإسرائيلي، ويقولون بهوية وعقيدة وشخصية ونضال وسلوك مغاير لمن اختاروا سلام الاستسلام؟! من أين أتى هؤلاء ومن الذين يسمحون لهم بالعمل من دون عقاب. ولماذا يبقون حيث هم يقاومون، فهذا منطق لا يستقيم؟؟ فعلاً إنه منطق لا يستقيم عند من لا يعرفون المنطق الصهيوني- التلمودي وأتباعه، ذلك الذي يصدر عن نظرة عنصرية بغيضة ترى في الآخرين "الغوييم"، خدماً أنجاساً خلقوا لخدمة اليهودي، وكل أرض يملكونها أو يعيشون فيها، هي بحكم الوديعة لديهم، لأنها أرض اليهود، الذين يحق لهم استعادتها منهم متى شاؤوا، لأنهم إنما استخدموا فيها، فضلاً عن أنهم العنصر الأدنى التابع، أو الذي ينبغي أن يكون تابعاً، لمن يسميهم البابا، الأخوة العظماء، أو الكبار؛ وكأن من يحتل " إسرائيل " والولايات المتحدة الأميركية أرضه يصغر إلى الحد الذي لا يجوز له معه أن يشعر بالكرامة والانتماء للإنسانية التي منها الكبار فقط، وبالتالي لا يجوز له أن يقاوم هذا الاحتلال أو أولئك العظماء.؟؟ وإن فعل يصبح خارجاً على القانون؛ والدول التي تتفهم قضية هؤلاء وتتعاطف مع نضالهم أو يخرجون منها وينتمون إليها ويحملون شرف مواطنيتها، وترى في ما يفعلون حقاً مشروعاً، هي دول خارجة على القانون، تجب ملاحقتها ومحاصرتها وسحقها باسم مقاومة الإرهاب.
فهل ترانا نستسلم كلياً إلى هذا المفهوم العنصري، وهذه المعايير الفاسدة في العصر الأميركي- الصهيوني، أم ندافع عن وجودنا وقيمنا وأنفسنا، متصدين بكل ما نملك لعجلة الإرهاب الهمجية التي ترعاها وتمولها وتقودها الولايات المتحدة الأميركية راعية الإرهاب الدولي وصنيعتها وحليفتها "إسرائيل"؟! إننا مدعوون بكل جدية وقوة وجدارة لمواجهة هذا السؤال والرد عليه والإعداد لاستحقاقاته.
دمشق في 6/5/1996
الأسبوع الأدبي/ع511//9/آيار/1996
|