|
المقاومة حق مشروع
أخفق عدوان بيريس - كلينتون، أو بالأحرى عدوان أهل قمة الإرهاب في شرم الشيخ، على جنوب لبنان في تحقيق أهدافه:
- فحزب الله لم يخسر شيئاً يذكر، وقد استأنف عملياته ضد قوات الاحتلال، من دون أن يشكل ذلك خرقاً هذه المرة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم يوم /السبت 27 نيسان الساعة الرابعة صباحاً/.
- ولم تحدث فتنة في لبنان جراء التهجير الكبير لأهل الجنوب، وتدمير بنى تحتية فيه، اقتصادية وخدمية؛ وخرج الشعب اللبناني من المحنة القاسية أكثر تماسكاً وأكثر رغبة في تحدي العدو الصهيوني، بل إن تلك المحنة هيأت له فرصة أن يكتشف قدرته على التماسك والصمود واتخاذ المبادرات الاجتماعية الخلاقة في قلب المحنة، لمواجهتها، وإحباط الفتنة.
- لم ينفصل المساران التفاوضيان السوري واللبناني أحدهما عن الآخر، ولم يدخل الشك أو الوهن تلك العلاقة، بل على العكس من ذلك فقد ازدادت قوة ومتانة ووضوحاً وقدرة على رؤية دورها وتأثيرها على الصُعد المحلية والعربية والإقليمية، وتعزز تنسيق المواقف والتعاون بين البلدين الشقيقين.
- لم تجر سورية إلى حرب تفرض "إسرائيل" زمانها ومكانها وظروفها، ولم يجبر العدوان لبنان وسورية على استئناف المفاوضات تحت ضغط القوة والظروف التي خلقها، ولم تجلبهما القوتان المعتديتان -"إسرائيل"- والولايات المتحدة الأميركية- قسراً إلى طاولة المفاوضات، في التوقيت الإسرائيلي الذي يخدم أهدافاً سياسية وانتخابية لكل من الشريكين في العدوان.
- ولم تُعمَّق عزلة سورية عربياً وإقليمياً، كما هو مخطط لذلك، بل حدث العكس تماماً؛ فقد أدارت الأطراف المهتمة بالمفاوضات وجهها إلى سورية بعد أن كانت قد أعطتها ظهرها بعد قمة شرم الشيخ، وأتيح لسورية أن ترد على موقف "إسرائيل" التي أوقفت المفاوضات في "واي بلانتيشن" بعد عمليات حماس والجهاد الإسلامي في القدس وعسقلان وتل أبيب، بأن رفضت عرضاً "إسرائيلياً- أميركياً باستئناف تلك المفاوضات قبل الانتخابات "الإسرائيلية التي ستجري في 29 أيار الجاري، وهو ما قدمه كريستوفر في أثناء رحلاته المكوكية بين دمشق والقدس من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وما رفضه الرئيس الأسد، كما أتيح لدمشق أن تكون مركز استقطاب للسياسة الدولية في تلك الظروف، فقد اجتمع فيها وفي يوم واحد خمسة وزراء خارجية يمثلون الثقل الدولي كله في العالم تقريباً. وبعد أن خطط لتكون دمشق، بعد قمة شرم الشيخ، أرض الهجران السياسي الدولي، أصبحت أخصب تلك الأرض؛ وأكد كريستوفر بمرارة، كما أكد سواه، أنه لا يمكن مجاوزة دور دمشق في سلم هذه المنطقة وحربها.
- ولم يقض العدوان على حزب الله، ولا على شعبيته بين الناس في الجنوب، ولم يجبره على هجر ساحة الجنوب، كما فعل عدوان 1982 بمنظمة التحرير الفلسطينية؛ بل على العكس مكنه من الترسُخ هناك سياسياً وعملياتياً وشعبياً، وجعله يظهر جدارته بالدفاع عن المدنيين، وقدرته على إحداث تهديد موازٍ للتهديد الذي يتعرضون له، وبالتالي من إجبار "إسرائيل" على التفكير ألف مرة بما يلحق بالمستعمرين والمستعمرات الموجودة في شمال فلسطين المحتلة من ضرر، قبل أن تُقدم على تهديد المدنيين في جنوب لبنان؛ وإجبارها على الإعلان، مداورة أو مباشرة، بأنها تطلب وقف إطلاق النار.
- لم يؤدِ إلى إعطاء زخم لأداء مجموعات العمل وبرامجه المنبثقة عن قمة الإرهاب في شرم الشيخ، وعطل بعض اجتماعاتها وفعالياتها، لا سيما مؤتمر لكسمبورغ، وترك قول بيليترو الذي دافع عن القمة قائلاً: "إنني أعتقد أن الاندفاع والحماسة اللذين نجما عن قمة شرم الشيخ لا يزالان موجودين ولا يزالان موضع تركيز من قبل الأطراف"؛ تركه خواء لا ينطوي على مصداقية من أي نوع. وقد جعل العدوان بعض المشاركين في تلك القمة يتوارون عن الأنظار، ويودون لو أن شعوبهم لا ترى وجوههم، بعد أن قدموا أنفسهم لها زعماء وإنسانيين من الدرجة الأولى، وقادة لمسيرة ترفع عن الأبرياء جرائر "الإرهاب"؛ وذلك بعد أن اكتشفوا أنهم مجرد أدوات، وأنهم زجوا تماماً في عمليات إرهابية فردية من نوعها تمارسها الدولتان اللتان تواطأتا معاً على تلك القمة وأهلها وجرتا المشاركين فيها إلى ساحة المسؤولية وعن جريمة بحق الإنسانية، وهي جريمة "قانا" تلك القائمة فعلاً رغم تنكر أولئك الذين قاموا بها أو شاركوا بصمتهم وتشجيعهم فيها، والذين أداروا ظهورهم لما نتج عنها وتغاضوا عن مرتكبيها ونتائجها.
- لم يؤد العدوان إلى رفع أسهم بيريس وحزبه، وبالتالي: كلنتون وحزبه، في الانتخابات المقبلة في كل من فلسطين المحتلة والولايات المتحدة الأميركية هذا العام، بل أدى إلى انخفاض تلك الأسهم في الساحتين، ربما لصالح من هم أسوأ ولكن النتيجة لم تأتِ لصالح من نفذوا العدوان ليحققوا أهدافاً معينة من ورائه، وجعل ذلك العرب الذين يهمهم العم بيريس يتراكضون إلى "قمم" تدعم موقف حليفهم- حاميهم؛ فقد دعا الملك حسين بعد توقف العدوان الصهيوني على الجنوب، وقبل أن تجف دماء ضحايا مذبحة "قانا"، التي ارتكبها بيريس، دعا إلى قمة تعقد في القاهرة ويحضرها بيريس دعماً لموقفه الانتخابي وتغطية على كل ما حدث، وعطلت مصر هذا الاقتراح لأنها لم تستنسبه؛ والمؤسف غاية الأسف أن البيان الذي صدر عن القمة الأخيرة/ قمة حسين مبارك عرفات في مصر 12 أيار 1996/ تجنب كلياً أية إشارة إلى تحميل "إسرائيل" أية مسؤولية عن عدوانها على جنوب لبنان، كما تجنب إدانتها على ارتكابها لمجزرة "قانا": ولا يقل هذا عن فضيحة على المستويين القومي والخُلُقي؛ لا سيما إذا لاحظنا أن البيان أكد في الوقت ذاته على التصدي لمن يسميهم أعداء السلام، وهم رجال المقاومة في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان حسب التسمية الصهيونية - الأميركية لهم!؟!.....
- لم يتوصل مدبرو العدوان على الجنوب إلى إلحاق الهزيمة أو الأذى بالسياسة السورية ولا إلى إضعاف موقفها، داخلياً ولبنانياً وعربياً، فقد تفهم الجميع موقفها وقدر الجميع قدرتها على إدارة الصراع في وقت المحنة، على الرغم من قسوة الظروف وقوة اللاعبين.
ولأن العدوان لم يحقق أهدافه، وغرق في دم الأطفال والنساء والشيوخ من المدنيين اللبنانيين؛ فقد أخذ ينعكس سلبياً على الذين خططوا له ومارسوه، وتجلى ذلك أكثر ما تجلى في فضح موقف "إسرائيل" دولياً، وفي ما لحق بمواقف الولايات المتحدة، التي كانت أشد المتواطئين تشنجاً وحقداً وغباء سياسياً، فقد وضعها موقفها من العدوان، ومن مذبحة "قانا" بالذات، ومن مناقشات مجلس الأمن حول الموضوعين، وموقفها في الأمم المتحدة من القضية ككل، وموقفها من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول القصف المتعمد لموقع القوات الفيجية الذي احتمى به المدنيون من القصف الوحشي الصهيوني، وضعها كل ذلك في موقع مخجل لمن يراعي العدل والموضوعية في النزاعات الدولية.
ولمن يدافع عن حقوق الإنسان من دون تمييز عنصري يتحكم برؤيته وبمعاييره، ولمن يزعم أنه يرعى مفاوضات للسلام على المستوى الدولي، ويقوم بوساطة نزيهة بين الأطراف المعنية بتلك المفاوضات؟! ولكن إدارة كلينتون لا يخجلها ذلك ولا يعنيها فعلاً، وإنما الذي يعنيها جيداً فيما يبدو أن تظهر التزامها بمصلحة "إسرائيل" وأن تساعد شمعون بيريس على ممارسة طبيعته العنصرية وإرواء نهمه للدم العربي، بأمان من التجريم والعقاب، كما تناصره في معركته الانتخابية، التي هي معركة كلنتون الانتخابية في نهاية المطاف؛ ولا يعنيها في شيء أن يقتل مزيد من العرب لأن ذلك - حسب النظرة العنصرية الصهيونية التلمودية- يعني التخلص من الحشرات والكائنات المؤذية.
لم يحقق العدوان الهمجي الصهيوني على جنوب لبنان أهدافه، وأكد الطبيعة العنصرية للصهيونية، والإفلاس الخُلُقي والبؤس الروحي التامين لمن يزعمون أنهم يتمسكون بسلام عادل ودائم مع العرب ويدعون إليه، لأنه لم يؤكد إلا حقيقة مشروعهم التوسعي العدواني الذي يفرض مراحله على العرب باسم السلام، وبشائر النظام العالمي الجديد، والشرق الأوسط الجديد. وتقودنا هذه النتائج التي أسفر عنها العدوان، والروح الذي رافقه، والمواقف التي عبر عنها، والسياسات التي أنتجها، يقودنا كل ذلك إلى التذكير بأفكار الرئيس الأميركي الذي تبنى العدوان ودافع عنه، والتوقف عند بعض الأفكار والمواقف والآراء التي كان الرئيس الأميركي بيل كلنتون قد عبر عنها في مناسبات عديدة، ومنها خطابه في تشرين الأول / أكتوبر/ 1995/ في جامعة كونيتيكت بمناسبة افتتاح مركز توم دود المدعي العام في محاكمات نورمبرغ، إذ قال الرئيس في ذلك الخطاب:
- "يتحمل جيلنا مسؤولية الوفاء بوعده: أن يطبق المبدأ القائل أنه ينبغي دعوة الذين ينتهكون حقوق الإنسان العامة إلى تحمل نتيجة ذلك".
- وقال: ".... وسوف لا يثبت السلام طويلاً من دون عدالة، فالعدالة وحدها هي التي تستطيع أخيراً كسر حلقة العنف والعقاب التي تشعل نار الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية".
- وقال أيضاً: "إننا سوف نستمر في الدفاع عن القيم التي نعتقد أنها تجعل الحياة تستحق أن تعاش؛ وسوف نواصل الدفاع عن الافتراض بأن كل الشعوب، بغض النظر عن جنسياتها وأصولها العرقية والإثنية ودينها وجنسها، يجب أن تسنح لها الفرصة كي تعيش بحرية، وأن تسنح لها الفرصة بأن تستغل كل الإمكانات التي منحها الله لها.".
نتوقف عند هذه الأقوال لنسأله:
- هل يعتبر الذين قتلوا جراء القصف "الإسرائيلي المتعمَّد" -وهو يعرف جيداً في أعماقه كإنسان أن ذلك القصف كان متعمداً- لمخيم قوات الأمم المتحدة في "قانا" هم من البشر، ولهم من الحقوق ما لبني البشر، وبالتالي تنطبق عليهم شرعة حقوق الإنسان؟! وعليه فهل يرى أن مذبحة "قانا" انتهاك لحقوق الإنسان العامة، وأنها تستوجب دعوة المسؤولين عنها إلى أن يتحملوا نتيجة عملهم ومسؤوليته؟! وهل يرى أن "إسرائيل مسؤولة عن تلك المذبحة، وأن بيريس هو رأس تلك المسؤولية؟؟ أم أنه سيصر على النكتة الثقيلة التي تتهم حزب الله بذلك؟؟
- هل يرى في أنموذج سلام الاستسلام الذي تفرضه "إسرائيل" على بعض العرب، ويساهم هو ودولته العظمى بفرضه عليهم بكل الوسائل، هل يرى في ذلك عدلاً يحمي السلام، أو سلاماً يقوم على العدل ويستطيع أن يستقر ويستمر؟! وهل بقاء شعب خارج أرضه التاريخية، وخارج وطنه الذي لا وطن له سواه، واحتلال أرض "الغير" بالقوة، والاستمرار في سياسة العدوان والتوسع العنصري والاستيطان، وفرض الأمر الواقع على الآخرين بقوة القهر، وشراء صور بشرية باسم ممثلين لشعوبها ومسخ حقوق تلك الشعوب وأحلامها وصورتها على أيدي تلك الصور؛ هل يرى أن ذلك يحقق عدالة أو يقيم سلاماً، أو يمكنه أن يقهر تلك الشعوب ويلغي إرادتها إلى الأبد؟! وهل بقهر الشعوب يؤسس الرئيس كلنتون للسلام، أم بقهر العرب من بين الشعوب لصالح "إسرائيل" ابنة الرب وحبيبته ووكيله على الأرض والخلق؟!؟ و"المختار شعبها"، من خلقه ليكون أفراده هم البشر، ولتمثل هي كل حقوق الإنسان وتحتكرها كما تحتكر تفسيرها؟! إذا كان ذلك كذلك فالرئيس مخطئ، والسلام الحق لن تقوم له قائمة؟! ذلك لأن تقديمه للسلام العادل وللعدالة التي تقيم سلاماً وتحميه ينطبق علينا قبل سوانا.
- هل القيم التي يؤكد الرئيس تمسكه بالدفاع عنها، ويدعو إلى التمسك بها، والافتراض الذي يقدمه -ولا أدري لم يكون ذلك مجرد افتراض- بأن كل الشعوب يجب أن تسنح لها الفرصة كي تعيش بحرية، هل ذلك هو الذي يدفعه ويدفع إدارته إلى محاصرة العرب، واتهام من لا يخضع لإرادته ولإدارة "إسرائيل" بالإرهاب وبالخروج على القانون، وبتخريب السلام، وبالقضاء على كل فرصه الممكنة؟! ألا يحق لهذا النوع من البشر أن يكون له رأي وقيم وموقف ورؤية، وحرية وكرامة ووطن؟؟ ثم ألا يجوز له أن يتمسك بذلك ويدافع عنه بكل الوسائل من دون أن يتعرض للإبادة المادية أو الروحية، ولأنواع الحصار والتجويع والضغط والحرمان؟!...
إنها أسئلة متوحشة سيدي الرئيس لا تمت إلى "المجتمع الدولي" والقيم "الحضارية"، والتقاليد الديمقراطية بصلة؛ لكنها أيضاً لا تمت إلى أسلوب القرصنة وأنموذج رعاية البقر بأية صلة، إنها مجرد طفح على جلد محروق بالقنابل الفسفورية والعنقودية والفراغية التي تفجر فينا دفاعاً عن حقوق الإنسان التي تلخصها بجدارة جملة واحدة مفيدة جداً هي: المصالح الأميركية- الصهيونية!! هي مجرد طفح نووي سيدي الرئيس تسرّب إلى دم شرقي وجلده من بقايا هيروشيما وناغازاكي، وربما من تشرنوبل وديمونا أيضاً؟! فعذراً عذراً... إننا لا نملك أقنعة واقعية من الغاز السام، ولا ما يحمينا من الإشعاع النووي، ولا ما يرد الطائرات الأميركية و"الإسرائيلية"، التي تقضم حريتنا وأمننا باطمئنان وأمان وهي تجوب سماءنا الزرقاء الصافية، وعذراً إذا كان يزعجكم ارتفاع أصوات أطفالنا ونسائنا بالنحيب، وصراخنا الذي يعبر عن احتجاجنا وتقززنا من هذا السلوك "الحضاري"؟! الذي يؤذي إنسانيتنا التي يعترف التاريخ بأنها بدأت أولى خطوات الحضارة الإنسانية منذ عشرة آلاف سنة قبل ميلاد السيد المسيح، وأوجدت الكتابة والأبجدية، وقدمت للبشرية التاريخ والديانات السماوية، تلك التي "لا تضاهي" الجاز والجينز والهمبرغر البقري فيما نقدِّر!؟ عذراً إذا لم نعدكم بالسكوت والاستسلام، وبالتنازل عن كرامتنا وأرضنا وحقوقنا، وبترك الاحتلال يرتع في أرضنا ويدنس مقدساتنا من دون مقاومة منا، عذراً فلم نعتد بعد -رغم كل الجلد والمرارة والمذابح والحصار والسلب والنهب الذي تلحقونه بنا- لم نعتد على احترام الطغاة ومجرمي الحروب والعنصريين والقراصنة؛ ومازلنا نقول: النصر للشعوب وللمقاومة العربية المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني، تلك التي خرجت أكثر قوة من كل عدوان، بعد كل عدوان، والمجد للشهداء الذين نحتقر تسميتكم لهم "إرهابيين"، والسلام لمن يفهمون إنسانية السلام التي ينبغي أن يتمتع بها كل خلق الله على أرضية الحق والعدل والحرية والمساواة والاحترام، وكل خلقه مختار وقريب منه إذا أحسن فهم حكمته وقدرته وشمول رحمته الخلق كافة.
دمشق في 15/5/1996.
الأسبوع الأدبي/ع512//16/آيار/1996
|