|
تركيا الشرق الأوسط
الجسر الذي يمر فوق البوسفور يجسد رغبة تركية عريقة بانتماء مزدوج لم ترغب في التوقف أبداً عند أبعاد حدوده الجغرافية، بل حرصت منذ كمال أتاتورك على أن تكون لها ملامح ومصالح وانتماءات أوربية ومنفعة آسيوية، إنها من آسيا ومن دول المؤتمر الإسلامي، وتمتد في العمق التاريخي للشرق، ولكن ذلك الكعب الأوربي القلق الذي يغرق في مياه البوسفور ويتطلع إلى أن يقفز إلى الجهة الأخرى من الشط أرادته رأساً لها، ورأت فيه انتماءً إلى الغرب ومبرراً لذلك الانتماء .
ومذ أعطت ظهرها للعرب وحمَّلتهم مسؤولية هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وانتزعت من جغرافية سورية ما انتزعت بتواطؤ مع الاستعمار الفرنسي، وهي تزداد بعداً عن محيطها التاريخي وارتماء في أحضان الغرب، وتقرباً ممن يعادي الدول العربية المجاورة لها، لا سيما سورية ؛ فقد كانت من أولى الدول التي اعترفت بإسرائيل، واختارت الشراكة في حلف الأطلسي وأن تكون جندي الخندق الأول في مواجهة السوفييت الذين اقتربت مصالحهم من بعض العرب قليلاً، وهي تسعى منذ سنوات عديدة إلى الدخول في السوق الأوربية المشتركة ولكن أوربا لا ترى فيها شريكاً أوربياً ملائماً، فهي من الشرق ذاكرة وامتداداً، وفي نسيج تكوينها الثقافي الشرقي يدخل الإسلام على الرغم من علمانيتها، وهي تمتد بعيداً في روح الشرق على الرغم من القبعة التي تعتمرها والحرف اللاتيني الذي تكتب به ؛ ولكن كل هذا الجفاء الأوربي لم يزد تركيا الآسيوية إلا تعلقاً وولعاً بأورباويتها وبالغرب الذي تطلب رضاه عنها وقبوله لها، وأن يمنحها هوية حضارية بأبعاد اقتصادية شرعية ولكنه يضن عليها بذلك خوفاً مما يراه حقيقتها التاريخية . تجارتها مع العرب كبيرة وكذلك صلاتها ومصالحها ولكن شيئاً في أعماق سياستها وتوجهها الثقافي يشدها خارج دائرة حميمة تجمعها بهم ، وسورية من بين العرب تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمامها السلبي وحذرها الاستراتيجي، لماذا؟! الجواب يمتد من جزيرة الحمام قرب خليج السويدية حتى مرسين، ومن اسكندر ون حتى جبال طوروس وقمة جبل الجودي حيث رست سفينة نوح كما تقول الحكاية، الجواب في كيليكيا واسكندرون / هيتاي .
منذ نشأ الصراع العربي الصهيوني اختارت تركيا الجانب الصهيوني، واعترفت مبكراً بإسرائيل، وحرصت على أن تؤدي الدور الذي يرضي الغرب ويقربها إليه زلفى ؛ وكانت كلما اشتدت الأزمات في المنطقة، ولاح طيف تضامن عربي في الأفق، وقويت صلات العرب مع السوفييت، أو بدت رغبة غربية ـ إسرائيلية بالضغط على سورية، استنفرت جيوشها وحشدتها على الجبهة السورية في الشمال، فعلت ذلك في أكثر من مناسبة منذ أيام حلف بغداد القديم حتى اليوم؛ وهي تعتبر أن أمنها أو أمن حلفائها يتطلب ذلك، ولا تتردد أبداً في تقديم أية خدمة لأولئك الحلفاء، أو في القيام بلفتات طيبة نحوهم من قبيل تهديد سورية أو مضايقتها أو توتير الأجواء معها، ولو عن طريق منع مياه الفرات من التدفق في سرير النهر العربي العظيم ؛ودائماً كان ذلك على حساب جيرانها الذين تجمعهم وإياها جذور تاريخية وثقافية عميقة. ولكنها كانت، إلى ما قبل مؤتمر مدريد تراعي بعض التوازنات والحسابات الدقيقة في علاقاتها مع الدول العربية، وتخفي حذرها الشديد من سورية، إلى ما بعد اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة، ودعوة إسرائيل الجادة إلى الشرق أوسطية، إذ سارعت إلى تغيير أسلوب العمل، واتخذت مواقف أكثر حدة في الاختيار وانحازت إلى شراكة استراتيجية مع إسرائيل برعاية وتشجيع أميركيين ؛ ولنا أن نسأل لماذا؟ ولكن هل هناك أبسط وأقرب من الجواب الذي يكتسح كل الساحات ويعربد في فضاء العالم اليوم : مادام العرب قد قبلوا بإسرائيل وأقبلوا على تطبيع علاقاتهم معها، وعلى تحالف استراتيجي يؤكد قيادتها للمنطقة، فلم التردد في الاقتحام وترك الفرصة السانحة تضيع ؟؟ وما دام وجه المنطقة يتغير إلى صيغة من التحالفات لا تترك للعرب حضوراً أو هيمنة على شؤونها وشؤونهم، وما دام اللاعب الرئيس في العالم غدا الحليف الأميركي، وما دام الخطر السوفييتي قد تلاشى، وهناك فرصة بل فرص تسمح بأن يكون لها حظ أوفر ودور أكبر ونصيب أعظم في المنطقة، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وجعل العرب عامة، وسورية والعراق من بين العرب خاصة، تحت السيطرة، وخلق معادلات أمنية واقتصادية جديدة يدخل فيها حتى احتمال بيع الماء للعرب كما يبيع العرب النفط، فلم لا تبادر وتكون السباقة إلى دور رئيس؟؟ ولم تترك دولة مثل الأردن مثلاً تحتل مكانة بارزة في هذا المضمار وهي الدولة الأضخم منها ؟؟
إن العرب يمكن أن يخضعوا لمنطق القوة، ويمكن أن يستسلموا ـ وهم يستسلمون للقوة التي قهرتهم ويقبلون عليهاـ فلم الخشية والتردد، ولم لا تتخذ مبادرات منحازة إلى جانب الفائز والشريك والحليف القديم : الولايات المتحدة وإسرائيل ؟؟ لا سيما مع وجود إغراء ودفع باتجاه هذا القيام بهذا الدور من قبل الشركاء الغربيين ؟؟ وليس هذا وحسب، فهناك معطيات جديدة وحساسة في المنطقة كلها وهي تستدعي العمل في هذا المنحى نظراً لدخول مستجدات هامة تلعب دوراً رئيساً في حسم الخيارات والمواقف؟ ؟ ومن هذه المستجدات : حربها المفتوحة مع الأكراد، وانتعاش التيار الإسلامي الذي ينمو ويهدد باستلام السلطة ديموقراطياً في تركيا / حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان / وهناك من يخشى نمو هذا التيار الأخير وسيطرته، ويدفع بسخاء لمقاومته؟ ؟
لقد حُسبت الأوراق التركية بدقة من وجهة نظر واحدة هي وجهة نظر التيار الحاكم المسيطر، والعسكريين الذين ترتبط مصالحهم وإمكانيات حضورهم في الحكم واستمرارهم فيه على نحو ما بالمصالح الأميركية والإسرائيلية، وكانت الكلمة السحرية الملهمة والمثيرة للحماسة هي : " مقاومة الإرهاب " تلك التي غزت بها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية معظم الأنظمة العربية والإسلامية، ومنها تركية، مذكية حالة من التنافس والشك مع إيران، خالطة خلطاً عجيباً مقصوداً بين المقاومة المشروعة ضد الاحتلال ـ كما في جنوب لبنان وفلسطين المحتلة ـ وبين العنف السياسي أياً كانت أهدافه ومبرراته والجهات التي تمارسه .
بعد اتفاقي أوسلو ووادي عربة أخذت ملامح المشروع الشرق أوسطي تتضح أكثر ، وبدأت الإدارة الأميركية بإعادة ترتيب المنطقة بقيادة إسرائيل بعد أن وضعت تحت إبطهما بعض العرب، وقررتا ممارسة ضغط متزايد على سورية لإجبارها على القبول بسلام حسب المواصفات والشروط الإسرائيلية، وحرمانها من دور مستقبلي في المنطقة، ومواجهة تطلعها إلى دور فيها يعيد شيئاً من الحياة لأي طموح عربي، قومي أو تحريري، وحرمانها من كل الطموح إذا ما أصرت على استعادة كل الأرض، وتجريدها من مشروع خاص ومن دور متميز في الشرق الأوسط الجديد، وضغط حجمها إلى الحدود الدنيا ؛ ومواجهة احتمالات ما بعد السلام الممكن مع إسرائيل، لاسيما فيما يتعلق بسورية من وجهة النظر التركية ـ الإسرائيلية ؛ إذ تم التركيز على إثارة المخاوف التركية وإذكائها بخبث ومثابرة صهيونيين، لاحتواء سورية وأحلامها ومحاصرتها بالحلف الجديد، حلف بغداد دون بغداد .
رتبت تانسو شيلر مع إسحاق رابين اتفاقية تركية ـ إسرائيلية برعاية أميركية في عام 1995، وتم تلميح عابر إلى ذلك، وبقيت لمسات استكملت على نار هادئة بانتظار اللحظة الملائمة للإعلان، التي واتت بعد قمة شرم الشيخ وفي إطارها، حيث قام الرئيس التركي سليمان ديمريل بهذه الخطوة : توقيع اتفاق مع إسرائيل يسمح بموجبه للطيران الحربي الإسرائيلي باستخدام الأجواء والقواعد التركية للتدريب؟! وقال وزير الدفاع التركي أولتان سنغورلو: " إن اتفاق التعاون هذا يقضي بتدريب طيارين إسرائيليين على استخدام الأجواء والقواعد التركية. " ومن المفيد التدقيق في العبارة جيداً : " على استخدام الأجواء والقواعد التركية " ولنا أن نسأل : استخدامها لأي غرض؟ ؟ واستخدامها ضد من ؟؟ لماذا الآن؟ ؟هل كان الأفق مغلقاً أو محدوداً أمام الطيران الحربي الإسرائيلي في يوم من الأيام، وفي ظروف الحروب العدوانية التي خاضها ضد العرب، ليسمح له اليوم بمساحة للتدريب كان يفتقدها ؟؟ وأين ذهب الأفق الغربي الممتد بعيداً، والسماء العربية المفتوحة، تلك التي لم تخل من عربدة صهيونية في الأجواء ؟؟ الأمر الذي يؤكد أننا لسنا بصدد مساحة بريئة للتدريب، وإنما بعمليات محتملة يقوم بها ذلك التحالف ضد آخرين في المنطقة ؟؟ ومن هم أولئك الآخرون؟ ؟ إنهم معروفون جيداً لكل الأطراف.
في العاشر من شهر نيسان 1996 قال عمر إقبال الناطق باسم الخارجية التركية : " إن الطائرات الإسرائيلية بدأت إجراء تدريبات في الأجواء التركية " وأضاف : " إن تركيا أقدمت بعد عملية السلام في الشرق الأوسط على تطوير علاقتها بإسرائيل في كثير من المجالات. " وجاء في التعليقات السياسية على ذلك الاتفاق : " إنه اختراق دبلوماسي ذو ميزة بعيدة الأثر. " و " إنها المرة الأولى التي يمنح فيها سلاح الجو الإسرائيلي خيار التدريب في دولة أخرى في الشرق الأوسط والتعاون بطريقة حقيقية مع قوة أخرى لدولة شرق أوسطية عضو في الناتو. " ؛ وإذا عرفنا أن هذا الاتفاق " مرتبط باتفاق تبلغ قيمته /600 / مليون دولار تقوم إسرائيل بموجبه بتحديث طائرات حربية تركية. "وأنه لا يتوقف عند حدود التعاون بين القوى الجوية وإنما يشمل تعاون القوى البحرية بين تركيا والكيان الصهيوني، الذي أكدته زيارة قائد القوات البحرية التركية للقواعد البحرية الإسرائيلية في حيفا، تلك التي عملت الولايات المتحدة الأميركية عل تطويرها بشكل كبير منذ حرب الخليج الثانية، وربطنا بين هذا الاتفاق وبين الاتفاق الموازي الذي تم بين الأردن وإسرائيل برعاية أميركية أيضاً، ذاك الذي اشتمل أيضاً على تحديث الطائرات الأردنية في إسرائيل وتدريب الطيارين الأردنيين من قبل الطيارين الإسرائيليين، والمناورات الجوية الأردنية ـ الأميركية التي تمت في الأردن في الثامن عشر من نيسان، ولم تكن إسرائيل بعيدة عنها إلا من حيث الإعلان عن مشاركتها الفعلية، إذا فعلنا ذلك أدركنا أن التحالف الجديد أوسع مما يظهر من قمة جبل الجليد الطافية فوق الماء منه، وأنه يرمي إلى تحقيق أهداف استراتيجية أميركية ـ إسرائيلية بعيدة المدى منها :
1ـ استكمال حلقة الحلف ـ حلف بغداد الجديد ـ لتشمل العراق، سواء بتغيير نظامه أو بدعم تقسيمه وإعلان ذلك التقسيم .
2ـ وضع سورية في حالة حصار وتهديد وعزلة، قبل إنجاز عملية السلام، ومن أجل إنجازها على الوجه الذي ترغب فيه إسرائيل، وبعد إنجاز هذه العملية التي من شأنها أن تطرح السؤال الإسرائيلي الخبيث : ماذا ستفعل القوات السورية بعد إتمام عملية السلام، والسوريون لا يوافقون على تقليصها، وهو ما طلبته إسرائيل سابقاً في المفاوضات الثنائية ورفضه المفاوض السوري.
3ـ توجيه ضربة لإيران، التي تتهمها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وما يسمى " المجتمع الدولي "، بمساندة الإرهاب، وبالخروج على القانون، هي ودول أخرى منها : سورية وليبيا والسودان ...الخ، لأنها :
* تناصر المقاومة الوطنية في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان في استخدام حقها المشروع والعمل ضد قوى الاحتلال الصهيوني، وصولاً إلى التحرير وتطبيق القرارات الدولية القاضية بانسحاب المحتل.
* تسعى إلى امتلاك أسلحة تدافع بها عن نفسها وعن حقوقها ومصالحها ومستقبل شعوبها .
4 ـ تدمير المفاعل النووي الإيراني الصغير المكرس للأغراض السلمية، خوفاً من أن تمتلك إيران مستقبلاً سلاحاً نووياً. فهذا محرم على أهل المنطقة من عرب ومسلمين، محلل على الدولة الصهيونية العنصرية وحدها، لأنها تجيد استخدامه ضد الـ " أرابوشيم ".
5 ـ ضمان احتواء كل من إيران والعراق مستقبلاً، حسب نظرية الاحتواء المزدوج الأميركية التي لم تلغ بعد، وذلك في حال بقاء العراق ـ لأغراض ولأسباب معينة ـ بلداً غير مقسم، وخارج حدود الحصار الذي لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية.
6 ـ السيطرة التامة على التحولات في آسيا الوسطى، وشل دور إيران والتيارات الإسلامية التي يمكن أن تنشأ أو أن تعمل هناك ؛ ضماناً لوصول تلك البلدان إلى حالة من الاستيعاب السياسي والاقتصادي الملائم ـ أميركياً على الخصوص ـ بعد خروجها النسبي من القبضة الروسية المباشرة، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
إن تركيا تختار الشركة الساخنة أو الحميمة إن شئت، في صوغ هوية المنطقة من جديد، وفي رسم مستقبلها ؛ وتختار أن تكون لاعباً نشطاً في الملعب بدلاً من الفرجة على اللاعبين، وهي تقرر أن تلعب أولاً ضد جيرانها العرب وإلى جانب عدوهم التاريخي الذي يروق له جداً هذا التطور العلني، وهذا الدخول من الباب الواسع إلى علاقات جديدة وصولاً إلى تحقيق أهداف جديدة.
يقول الجنرال المتقاعد من سلاح الجو التركي شادي إرغوفنتش، في محاولة لرسم صورة المستقبل : " بينما بدأ الصراع العربي ـ الإسرائيلي مسيرة هبوطه من سلَّم أولويات الأمن في الشرق الأوسط، أصبحت المشكلات الكامنة في المنطقة : ( الصراع على الأرض بسبب حدود تم رسمها عشوائياً، والأصولية الإسلامية والقومية، واختلاف طبيعة الأنظمة السياسية والتوزيع الجائر لموارد الثروة، والنمو الكبير للسكان، والتململ الجماهيري والإرهاب) تنال اعترافاً متزايداً بكونها أسباباً ممكنة للنزاع. وهذه هي القضايا التي سنعالجها، ليس اليوم وغداً، بل في الأعوام المقبلة أيضاً. وحتى الآن برهنت القومية العربية والإسلام الشمولي عن فشلهما، كما أن الالتفاف العربي حول هاتين العقيدتين وحول القضية العربية ضد إسرائيل أصيب بالشلل على ما يبدو. هل يمكن أن نقول إذاً، وفي هذه الآونة، إن الذي سيسيطر في المنطقة هو على الأرجح المصالح والآمال الوطنية المنفردة " ؟؟
يعرف الجنرال جيداً أن التحالف الذي تدخله تركيا سوف يخدم مصالحها ويمكنها من تصفية حسابات معلقة ، ومن التخلص من أشباح قديمة مقلقة، ولكنها ستدفع ثمن ذلك تبعية، ربما كانت تتوق إليها من باب تحقق الحلم القديم بالالتحاق بالغرب من خلال تضخم الكعب الأوربي ليصبح رأساً وجسداً في آن معاً، كما يعرف ونعرف أن الغرب سوف يبقى ينظر إلى تركية على أنها دولة شرقية ومسلمة وذات تاريخ سابق يملي استحقاقات لاحقة ؛ وهذا يستوجب طرح السؤال : هل تكسب تركيا أكثر مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية؟؟ أم أنها ستبقى غريبة وخاسرة إلى أن تعود إلى حوضها الآسيوي ثقافياً وسياسياً واقتصادياً ؟؟
إننا نتمنى أن تقوم بيننا وبين تركيا دائماً علاقات حسن الجوار والثقة المتبادلة، والشراكة التي يمليها تاريخ مشترك طويل وثقافة وعقيدة تأصلتا في النفوس، ولا نرى أن في مصلحتها أو في مصلحتنا، أن تنضم إلى تحالفات تؤثر سلباً على توازنات المنطقة ومصالح أهلها ونسيجها العام، وتغرقها من بعد في التبعية والدماء والآلام، ولا تتوقف عند هذه الحدود، لأنها ستطال الهوية والتكوين الروحي ؛ فهل نحن على استعداد جميعاً في هذه المنطقة إلى تقديم هذه التنازلات التي تطال هويتنا في سبيل أن نكون تبعاً يرضى عنهم المتبوع؟! لأنه كما يقول الجنرال إرغوفنتش أيضاً :
" المسيرة ستكون طويلة وشاقة، وفي نهاية الأمر سيكون السلام مرتبطاً ربما بتطور هوية شرق أوسطية مقبولة لدى الجميع ـ من وجهة نظره ـ وهذه الهوية يجب أن تتطور على أساس معايير وأخلاق مشتركة وحول مصالح أمنية مشتركة. إن إمكان تطور مثل هذه الهوية سيشغل بال الذين يهتمون بعلم المستقبل، فهي حالة جديرة بالاهتمام ولكنها متعبة للفكر. "
إننا نتمنى من أعماق قلوبنا أن تعيد تركيا النظر ـ إن كانت تستطيع فعل ذلك بحرية ـ في اتفاقها مع إسرائيل، وأن يُبذل جهد عربي وإسلامي مخلص لتطويق هذه المشكلة التي أراها تنذر بصراعات مريرة، وتحيي خلافات مقيتة، وتؤسس عملياً لتدمير كل تواصل عربي وإسلامي بناء، يبقي لهذه الأمة بعض الوجود والأمن والثقة ؛ ولا يسمح بتحقيق أغراض الاستعمار الغربي، والنزوع التوسعي العنصري الصهيوني بأيدي أبناء المنطقة. وعلينا أن نستذكر ما رفعه بعض ساسة الغرب والصهاينة من أهداف بعد نهاية حرب الخليج الثانية، وانهيار الاتحاد السوفييتي، إذ قال قائلهم : " إنه كما شهد القرن الحالي انهيار الشيوعية والماركسية سوف يشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام. " وكيف يتم ذلك لهم إذا لم تكن أيدي أبناء العروبة والإسلام هي التي تدمر وتقتتل ويفني بعضها بعضاً؟ فلنحذر كل الحذر أطماع الأميركي التي لا تعرف الحدود، وأحقاد العنصريين الصهاينة التي لا تلجمها إلا القوة ووحدة الموقف والوعي العميق، الذي يقيم بوجهها أفضل السدود.
والله من وراء القصد.
دمشق في 22 / 5 / 1996
الأسبوع الأدبي/ع513//23/آيار/1996.
- 16 -
- 11 -
- 5 -
|