صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

من الجنوب إلـى الوطن

في مساحة لا تزيد على أربعين متراً مربعاً تجمَّع معظم الذين حصدتهم الهمجية الصهيونية في " قانا " الجليل، وفي موقعين متجاورين سقطت الصواريخ الضخمة الأميركية الصنع، تلك التي رُكزت ووجهت بعناية ودراية فائقتين، لتسقط على رؤوس المدنيين الذين احتموا بقوات الأمم المتحدة، التي اتخذت من القرية المنكوبة مركزاً لها؛ ودون أن تصل الشظايا إلى المباني الأخرى لتلك القوات، استقرت سقر بحممها في المساحة الرمادية من الأرض، وأخذت تحرق اللحم والدم، ولا يحتاج المرء إلى حاسة شم قوية ليستاف ملء رئتيه، بعد أيام من وقوع الكارثة، رائحة الحريق.‏

لقد زرت معسكر " أوشفيتس "، ورأيت بعيني الموقد البشع الذي كانت تحرق فيه جثث، يقول الصهاينة إن معظمها كان جثث يهود؛ وأنا لا أصدق الصهاينة بل أصدق روجيه غارودي وأمثاله، من بعد ومن قبل، الذين يقولون بتضخيم اليهود لعدد ضحاياهم بغية الابتزاز باسم المحرقة؛ ولكن هناك في " أوشفيتس" كانت تحرق النازية جثة ميت، بينما في " قانا " أحرقت النازية الجديدة ـ الصهيونية الأطفال ودمهم ينز من جروحهم، وأُحرق الدم البشري الهارب من المحرقة ذاته، حتى لترى رماده الملتصق ببقايا الجدران الملطخة بنقاط الفحم المرشوشة عليها، وهي تلك التي كأنها الدم.‏

محدثنا من أهل القرية المنكوبة جفت ينابيع الدمع فيه، بل جفت ينابيع روحه، لسانه يتحرك بجفاف في مناخ صحراء عربية تلفه من كل جانب، لا يشعرك بأنه فقد شيئاً هو روح الحياة والكلمات والمعاني، وما تبقى منه وفيه يشير ببساطة متناهية إلى أنه كانت هنا في هذا الكيان حياة؛ إنه يردد بآلية تعبر عن جفاف ينابيع جمة في أعماقه :‏

" ماتت أمي وأبي وأخي وابن عمي، ومات كثير من أهلي وأصدقائي، فقد كانوا جميعاً هنا في هذا الموقع تحت سقف " الأترنيت " الذي لا يمكن أن يحمي أحداً حتى من حر الشمس؛ تطايرت أشلاء أهل " قانا " من موقع القوات الفيجية إلى هذه الساحة، التي أصبحت مقبرة مكشوفة لهم، فحولناها إلى مقبرة تخفي جثثهم، وهذه قبورهم جميعاً؛ بعض القبور تحتوي على أطراف مجمَّعة، فلم نعرف لمن تعود تلك الأطراف، ومازلنا حتى الآن نجد في بعض الأماكن وعلى بعض الأسطحة والجدران قطعاً من اللحم البشري المتناثر، وقعت الصواريخ علينا في الساعة الثانية وعشر دقائق، كنت قريباً من هذا الموقع ولم أصب ".‏

بعض الأكاليل الذابلة كانت تنتشر هناك فوق القبور، الأصفر والأسود والرمادي المغبَر كانت سادة الألوان في ذلك المكان، وهناك بعض الكلمات والصور والشعارات والآيات الكريمة؛ لوحة العرض المستندة إلى الجدار قرب القبور التي تقدم المجزرة بواقعية شرسة إلى أبعد الحدود، تفتك بقلبك وتقودك من أنفك ولسانك معاً إلى حيث تمرغ إنسانيتك في الوحل والذل، أمّا انتماؤك القومي والنضالي فهو مضحك هناك إلى حد التقزز، إذ من أنت ولحمك في الشوارع!؟ ومن هو ذلك النفَّاج المتعالى الذي يصخب بكبريائه على أرض لم يستطع أن يحمى فيها طفلاً أو قيمة أو شجرة؟! كل الموت يسعى إلى معاقل الأعماق ليعري بقسوة مدمرة " الـ " أنا" والـ " نحن " الذات والآخر أيضاً؛ الإنسانية عارية تماماً في قانا، إلا أولئك الذين لا يشعرون بانتماء إليها بحكم التعالي عليها والعداء المستحكم لها في نفوسهم.‏

ذابل عرس " قانا " ويابس لسان الناس فيها، والحزن وشاح فضفاض جداً وجذوة في اتقاد، تعسًُ عساً في الأعماق، تشعر بها وهي تتكاثف في العيون التي يفترس الذعر طيبتها وتأبى أن ترسل فيها المطر لتريحها، الدمع يريح أحياناً ولكن لا دمع ولا راحة في عيون أهلنا في " قانا "، سماء داكنة من دخان، لا أنس يقتحم فضاءها ولا جان، وحده المقهور يحمل قهره هناك، وحده المبتور يستشعر بتره، ولا يقول شيئاً لذويه ولمن يظن أنه يواسيه، لا ينطق إلا بما يريح " الأكابر " وعيونه تنشدُّ إلى الداكن من زوايا النفس، لا قريب يفتح له القلب، فمن هو القريب في ليل المأساة وكيف تميزه!؟ ومن يفتح إليه القلب ليس بقريب؛ الذي يأتيك حاملاً كلمات لا يختلف في النتيجة عن الذي فارقك بالممات، كلاهما لا يدفع عنك ولا يخفف عليك، وقد تشعر بثقل ظله من دون أن تتمكن من أن تقول له ذلك، فتحمل في قلبك المزيد من الألم والكآبة والجراح، وتزداد الخناجر في أضلاعك وخزاً.‏

لم يكن في " قانا " الجليل فرح، بل كان الموت واشتعال الحزن، وشعاع من إرادة حياة يشق طريقه نحو السماء الصافية، من بين القبور وأشلاء الدموع التي ترتسم على الوجوه.‏

المسيح لم يكن هناك، ولا حتى آثار المسرَّة في الناس، الحاضر الأكبر كان الألم، والظل القاسي لمن قاتل المسيح وصلب الفرح في العيون، والحاضر الأكبر الأسوأ كان في عيوني شبحاً يكاد يسد أفق البحر والقبلة معاً، كان شبح من يناصر المجرمين الصهاينة قتلة الأنبياء، ممن يزعمون أنهم من أتباع المسيح، ويصلون في واشنطن لينتصر يهوذا الأسخريوطي في القدس، وهم يعتقدون أنهم ينصرون بذلك الحق والمسيح؟! ولكنهم لا يسألون أنفسهم السؤال البسيط الساذج: هل يكون المسيح حيث الحقد والظلم والبؤس وحرق الأطفال؟؟ يا من تسمع صوتي قل لسيد البيت الأبيض الملطخ بدماء أطفال " قانا " إن السيد المسيح بما هو الفرح والمسرة والمحبة لم يكن هناك، وأعيننا ترى المسيح، الذي خرج من أرضنا، بأوضح مما تراه عيون من يبيدون الشعوب الأصلية باسم المدنية والديمقراطية، لأنها تعرفه أكثر وتفهم رسالته أفضل.‏

في " قانا " رافقتنا الكارثة في الطرقات، ظلالها تحجب نور الشمس المترامي بكثافة على الخضرة المنتشرة فوق الهضاب، والبحر الذي يلوِّح من بعيد بزرقته التي تتمطى لتبلغ السماء كان يذكِّر بالسفن الحربية الصهيونية التي شاركت في القصف وصنع الكارثة.‏

وفي الطريق من " قانا " إلى صور كان يتراءى لي أنني أرى " حيرام " يلطم خده ندماً، والمسيح يهجر مغارة المعجزة وخمر المسرة على ردائه، وخيل الله، التي نشرت في هذه الأرض الهداية والعدل، شراذم في الأودية والوِهاد، بعضها يزحف على بقايا ركبه بعد أن " عَرْقَبَها " فرسانها من الفزع والطمع، وبعضها تائه تسوطه الغربة عن الهدف والوسيلة، وبعضها يحمل من يحمل رايات وينطلق إلى مواقع المقاومة والشهادة في الجنوب وهم المهتدون، وبعضها يصهل ويلوك اللُّجُمَ غيضاً وحسرة من قلة " الوالي " الذي يشدها للطراد؟!‏

وبين العرَق والأرق كان يتناوبني الوهن والشجن، فأحبس وهج روحي لكي لا يتسرب من قروحي؛ وأنا أرى العائدين إلى بيوتهم بعد التشرد الذي تقصد إحداثه همج القرن العشرين الذين تعمدوا بكل المقاييس إيقاع المذبحة المروعة بأهل " قانا "، فأتذكر المرأة قُرْم البلاَّن، إسعاف زهوة، وهي تقول لي بين جمع من المشردين عن ديارهم في الجنوب، نساء ورجالاً: نريد أن نعود إلى أرضنا ولكن من دون أن نكون مهددين بالخروج منها مرة أخرى، أو بتدميرها فوق رؤوسنا، نحن لا نرتاح هنا بل في بيوتنا. وحين أرى الواقفين على أشلاء بيوتهم أسأل نفسي: هل يشعر كل عربي بالمشكلة فعلاً؟؟ لو كان يقف أمام بيته مدمراً، وأمام جثث أولاده أو زوجه لأدرك عمق المأساة وأبعاد الخطر وحقيقة العدو، وما ينبغي أن يمليه الواجب وحق الحياة بأمان في وطن حر وبيت آمن، من فعل وفكر وموقف!؟ كيف يمكن أن تصل صورة المأساة والإحساس بها إلى الوجدان الغافي في ظلال الكذب والخداع، والبعد، والشرنقة القطرية، وأكاذيب الإعلام، وتضليل بعض الحكام في هذا الوطن العربي الحزين؟؟ أين الأمل، بل أين من يزرع الأمل؟؟ هل كله يقبع في ظلال " الكاتيوشا" التي أثبتت القدرة على التحدي؟؟ ولكن " الكاتيوشا " لا تحمي من العدوان المدجج بأحدث أسلحة التدمير، وبمباركة أولئك الذين يرون في " الاستسلام " مخرجاً ونجاة؟! يقولون لك بوجه المتآمر والشامت الجبان الذي يفيض حقداً: اتبعنا تسلم؛ وعندما تفكر بـ " اتبعنا " تلك تجدها عظْمة لعقتها الكلاب، لا يفضي لَوْكُها إلا إلى الذل والعبودية والموت البطيء، موت الروح والوجدان والعقيدة والكرامة، موت الحس الذي يفضي بك إلى حالة من البهيمية تفقد معها كل صلة بالإنسان الذي كرمه الله فيك، وبالرسالة السماوية التي هداك إلى الخير وسر الحياة بها، وبالأمة التي فطرت، كما فطر، أبناؤها على الحرية والكرامة؟؟ وتجدك منساقاً إلى التساؤل: من أنت، ومن هؤلاء الذين ينادونك إلى ما هم فيه، ويرون سُحْتَهم والحمأ الذي يغرقون فيه إلى الأذقان نعيماً مقيما؟؟ هل هم منك وأنت منهم هؤلاء؟ وكيف تحولوا إلى ما هم فيه من حال؟ وكيف السبيل إلى الوصول وإياهم إلى رؤية سليمة، تنقذ، وتصون ما تبقى من المشترك في كل مجال من مجالات الحياة؟؟‏

في دار جمعية التضامن الثقافية في صور استعدت شيئاً من الوهج والاطمئنان، تسرب إلى شيء من ذلك من وجوه وقامات وكلمات وابتسامات، كان الحضور من شرائح المجتمع كله في صور، أو وهو يمثل شرائح المجتمع كله تقريباً في الجنوب، ولسان حاله، الذي استدرجته الكلمات إلى الإفصاح كان يقول: نحن هنا منذ ما قبل " حيرام " بآلاف السنين، نحمل هويتنا وسيوفنا التي تحمي حقيقتنا، وسنبقى هنا وننتصر على الهمجية الصهيونية، وعلى العنصرية التلمودية، وعلى إمبراطورية الشر الأميركية التي تشوه وجه العدل والحرية والإنسان، وتنطق بلسانين، وتكيل بمكيالين، وتقتلنا بيد وترفع " وساطة محايدة " بيننا وبين عدونا باليد الأخرى.‏

نحن هنا أبناء الجنوب، أبناء الأمة العربية التي تعتز بإخاء المسيحية والإسلام، وبتسامحها الديني والثقافي عبر التاريخ، وبأنها أول من قدم للبشرية الأبجدية والأسطورة والعقيدة والشعر والحكمة والقانون والممارسة المدنية، باحترام لحق الإنسان وبيته وكرامته؛ نحن هنا نستأنف الحياة والبناء والجهاد، أخوة وشركاء في اللقمة والمصير، هكذا كنا في أثناء العدوان الهمجي الصهيوني الأخير علينا، وهكذا سنبقى، وندعو بثقة إلى ممارسة المقاومة المشروعة دفاعاً عن النفس والوطن والعقيدة ضد الاحتلال الصهيوني، وضد كل احتلال، ونميز بين العدوان والدفاع المشروع عن النفس، بين الإرهاب والمقاومة، بين إرهاب الدولة الذي يمارس القهر والابتزاز في ظل الإبادة الوحشية، وبين تناصر الضعفاء من أهل الحق والأرض ضد العدوان والإرهاب؛ وننادي أولئك الذين لا يميزون وهم يحيون: أتعيش أرواحهم في أجسادهم التي تسعى على الأرض أم تراهم من الأموات، نناديهم ليكونوا معنا.. مع أنفسهم.. مع أمتهم.. ومع حقهم في الحياة والحرية والكرامة نقول لهم: يا أخوتنا.. يا عرب اليوم: " يعيش المرء حياة واحدة، ويموت ميتة واحدة لابد منها، فليكن عيشه وموته بكرامة؛ وليسقط جنح غراب يلفِّع الحياة، ورأس تحمل الذل وتتباهى به، ولنتخلص من رعب ينحرنا كل يوم، ويسيطر على مصيرنا كل يوم، ويشكل كابوساً فوق رؤوسنا كل يوم هو " " إسرائيل " "؛ لا يغرنَّكم يمينها أو يسارها، ولا تنشغلُنّ بمن يأتي من حكامها وحكوماتها، " ليكودها أم معراخها "، الكل صهيوني عنصري همجي متعطش لدمكم ويتحين الفرص بكم، الكل يريدكم تحت قدميه وطوع يديه، والكل يخدم الحلم الصهيوني والمشروع الصهيوني اللذين لا يكون وجودهما وبقاؤهما وازدهارهما إلا على حساب مشروعكم ووجودكم وبقائكم ورخائكم، فهلَّا ارعويتم وسلكتم الطريق المفضية إلى الحياة العز والعز الحياة، أم تراكم ستبقون في كثرتكم كالعهن المنفوش، وفي غيكم تعمهون كالكباش في الغنم، إلى يوم تقع فيه الواقعة، ولاتَ حين مندم أو مناص ؟؟‏

مع أهل صور، أهل الجنوب، وقفت على تصميم " فرسان " الكاتيوشا " على المقاومة، وعلى على ثقتهم بالله والحق والنفس والمستقبل. هناك تنفست بعمق وارتياح، وقبلت صورة الدم البريء المهَراق على خضرة الوطن، قرأت الفاتحة، وتركت دمعة تسيل بارتياح، وسمعت حكايات الأطفال الذين يتبرعون بثمن الألعاب والحلوى لشراء " الكاتيوشا " فقط، وأيقنت أننا سننتصر مهما قدمنا من تضحيات، وأن أرواح شهداء " قانا " الجليل وأرواح رواد الشهادة النوعية في الجنوب وفي فلسطين المحتلة منارات على دروبنا، أحياء يرتادون لنا، وينيرون طريق الحرية والتحرير، وأن المستقبل لنا إذا عملنا بعلم وإيمان وإخلاص، وتمسكنا بأهداف الشهداء ونهجهم.‏

وفي طريق العودة من الجنوب إلى دمشق كان طريقي طريق الشمس وهي تولد على قمم جبالنا ونفوسنا العالية من رحم الليل، وكنت أحلم فيأتي الحلم كفلق الصبح؛ فتحية للشهداء وللمقاومة الوطنية في جنوب لبنان وفلسطين، وإننا لعلى موعد مع غد مشرق ونصر مبين.‏

دمشق في: 20 / 5 / 1996‏

الأسبوع الأدبي/ع514//30/حزيران/1996‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244