|
تعزيز الصهيونية
جاء بنيامين نتنياهو إلى رئاسة وزارة الكيان الصهيوني بأغلبية 55% تقريباً من أصوات اليهود في فلسطين المحتلة، وهذا هو ثقل اليمين والتيار المتدين معاً، وليس ثقل الصهيونية، لأنها بكل بساطة أكبر من ذلك بكثير، فأنصارها في صفوف حزب العمل لا يقلُّون عنهم في صفوف الليكود، فالصهيونية؛ ومعنى هذا عملياً أن التيار الذي يأخذ بمبدئية " تعزيز الصهيونية " هو التيار الساحق الآن، وسواء كانت صهيونية سياسية على مذهب هر تسل أو صهيونية دينية على مذهب أحاد ها عام فكلها تعمل لمشروع واحد باجتهادات مختلفة؛ وكل من المذهبين يكمل الآخر لأنهما يرتكزان على الوهم الديني والمشروع الاستعماري اللذين تكاملا وقدما معاً المشروع الصهيوني الذي لم يكتمل بعد.
وإذا كان توماس برايتمان الأنجليكاني / 1562 ـ 1607 / وكروميل رئيس الكمونولث البيوريتاني / 1649 ـ 1658 / قد أسسا فعلياً ـ دينياً وسياسياً ـ لنشوء فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين العربية قبل المؤتمر الصهيوني الأول / بازل 1897 / وقبل وعد بلفور بما يقارب ثلاثمئة سنة، فإن المرجعيات الدينية والسياسية الاستعمارية العليا في كل من أوربا والولايات المتحدة الأميركية ما زالت تتبنى هذا المشروع وتباركه وتدفعه إلى التحقق والتوسع والنمو، بكل القوة والإمكانات والحماسة الواجبة لمشروع ذي صبغة دينية وسياسية ـ أي صليبية بالمعنى التاريخي للكلمة ـ واقتصادية وثقافية، في إطار الاستعمار الجديد ومنافعه وخططه للسيطرة على العالم ونهب الشعوب وإخضاعها.
ومن هذا المنطلق أقول: إن نتنياهو الذي لخص توجهه السياسي ـ الديني ـ الاستيطاني، أي استراتيجية الليكود الشاملة في هذه المرحلة، وهي استراتيجية الأكثرية التي صوتت له من اليهود، بأنه توجه يتركز في " تعزيز الصهيونية " كما قال نتنياهو بالمعنى العميق والدقيق والشامل للكلمة. إن نتنياهو سوف يلقى دعماً من المرجعيات السياسية والدينية في الكيان الصهيوني وأوربا والولايات المتحدة الأميركية، لأنه بكل بساطة يمثل مشروعاً مقراً تاريخياً من كل هذه المرجعيات، ومدعماً بكل ما يحتاج إليه منها عند الضرورة، وهذا يعني عملياً فيما أرى: استمرار الدعم الشامل وغير المحدود، واستمرار الانحياز غير المحدود، من قبل الولايات المتحدة الأميركية ـ القائد الأعلى لتلك المرجعيات حالياً ـ للكيان الصهيوني في كل ما يتخذه من سياسات وممارسات؛ وكما كانت هناك مباركة أميركية لمذبحة " قانا "ولتدمير الجنوب، على أيدي قوة العدوان الصهيونية الهمجية المؤتمرة بأمر شمعون بيريس، وكما كان هناك دفاع عن ممارساتها ومنع لإدانتها في مجلس الأمن، سيكون هناك إيحاء بمذابح ينفذها جنود مشبعون بروح العنصرية الصهيونية والعدوان، يقومون بفعلهم بأمر من نتنياهو، وسيتم تبرير لتلك المذابح وصمت ودفاع عنها، لأنها تتم في إطار تحقيق الحلم الصهيوني المقر غربياً، وضد " البرابرة " الذين قامت الصهيونية سداً بينهم وبين المدنية الغربية، أو " الصراصير " العرب الذين ينبغي وضعهم في قارورة على حد تعبير الصهيوني رفائيل ايتان، وأكاد أشم رائحة دماء تلك الضحايا ورائحة الحرائق تنبعث من أي موقع محتمل يكون مسرحاً للكوارث في لبنان أو فلسطين المحتلة، ابتداء من الخليل وانتهاء ببعلبك؛ وسوف يسكت الأميركي عن ذلك ويباركه لأنه شريك في الحلم والمصلحة والمنفعة والمشروع، هذا ما فعله في حصار بيروت ومذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 حين كان شارون يعربد بأمر من بيغن وحزب الليكود، وهذا ما فعله في " قانا " وجنوب لبنان عام 1996حين كان ايهود باراك يعربد بأمر من شمعون بيريس وحزب العمل، وهذا ما سيفعله دائما، إذ لا فرق لا فرق.. فهم طينة واحدة وعقيدة واحدة ومصلحة واحدة، هم شركاء وحلفاء، تتنامى شراكتهم وتحالفاتهم على حساب المنطقة وشعوبها ومصالح أهلها.
وإذا تساءل المستوطن الصهيوني إثر مذبحة صبرا وشاتيلا في ظل حكم حزب الليكود: " هل تستطيع أن تقول إن قتل خمسمئة عربي مذبحة "؟؟ كما سجل عاموس عوز عام 1982 فإن الجنود الذين نفذوا مذبحة " قانا " عمداً وبأعصاب باردة تماماً قالوا في شوارع القدس ساخرين: " إننا قمنا بواجبنا.. إننا ممتازون، وإن الأمر لا يتعلق بأكثر من عرابوشيم ـ أي: "عرب قذرون "؛ إنها العقلية العنصرية ذاتها، ولكن المطلوب تعزيزها في المرحلة القادمة، كما يبشر بذلك نتنياهو اليوم، زاعماً أن شمعون بيريس أضعفها ؟!؟
و" تعزيز الصهيونية " يترجم إلى أداء متشدد، ظاهر التشدد، حسب حزب الليكود، ولم يكن مفرطاً بالحلم الصهيوني والمشروع الاستيطاني الصهيونيين أبداً حسب حزب العمل؛ فكل من الحزبين كان وما زال يعزز الصهيونية روحاً وممارسة على طريقته وبأسلوبه، وكل يتمثل " بالقيم التي له " والقيم الإنسانية والخُلُقية والحضارية الحقيقية أول شهيد وأول ضحية للطرفين اللذين يحكمهما الحقد العنصري على الآخرين، لا سيما العرب، وهو الحقد النابع من اعتقاد راسخ " بالتفويض والتفضيل الإلهيين " وامتلاك القوة، ومن تربية عنصرية وتغذية استعمارية مستمرة منذ قرون من الزمن :
فقد استطاع محور رابين ـ بيرس أن ينهي منظمة التحرير الفلسطينية، التي أنهت بدورها الانتفاضة التي أقلقت العدو وأيقظت الأمة نسبياً وأوصلت الصوت الفلسطيني إلى العالم على أفضل وجه، وذلك بعد أن أنهت المنظمة البعد القومي للقضية الفلسطينية وجعلتها نشيداً عرفاتياً يردد: " يا وحدنا " لينفذ منه إلى الروح الفلسطينية ويزرع فيها اليأس من الأمة، ويغرس الشقاق بينها وبين الفصائل الثابتة على العهد والمبدأ والموقف والنضال. كما استطاع ذلك المحور، محور رابين ـ بيريس، أن ينفذ في الجسم العربي بسهولة ويسر ويدمر معاقل التضامن العربي في السياسات العربية معقلاً معقلاً، ليصبح هو محور العمل العربي المستقبلي، وليصبح الشريك في تحالفات ومستقبل ومصير لبعض الأنظمة والحكام في وطن الأمة الذي يختطفه الحكام، وليضع حداً عملياً للمقاطعة العربية التي ما زالت تتلطَّى في المكاتب والعواصم وكأنما هي خجولة من نفسها وتاريخها وماضيها، يطالب البعض بدفنها وتتأبى هي على الدفن بانتظار حضور أكبر قدر ممكن من المشيعين في موكب رسمي لائق ؟!؟
لقد دمر حزب العمل وإدارة كلنتون معاً، في تعاونهما وتحالفهما الإستراتيجي في المنطقة، كل فرص العرب في الرؤية القومية السليمة للمستقبل والمصلحة والوجود، بَلْهَ فرصهم في النهوض ومواجهة الأخطار والتحديات المحدقة بهم؛ وأصبح مسرح تنقل بيريس من الرباط إلى عمان ومضيق هرمز، وقنصلياته المنظورة في نواكشوط وتونس والدوحة ومسقط والرباط، عدا سفاراته المعلنة في القاهرة وعمَّان، وقنصلياته غير المنظورة في أقطار عربية أخرى، وأخذ يتمدد نحو الجامعة العربية بسم قتال ونحو المواقع الإستراتيجية للأمة بأحلاف حاقدة؛ وبعد أن وضع الفلسطيني في مواجهة الفلسطيني، أخذ يعد العدة ليضرب العربي بالعربي، وبلع الطعم كثيرون، ممن ما زالوا تحت وقع النشيج على راعي نعمتهم وأمنهم المقتول إسحاق رابين، ومن تأخذهم الدهشة غير مصدقين سقوط بيريس الذي أراده كلنتون أن يكون رئيساً صهيونياً فلم يكن! فكيف يحدث ذلك وكل ما يريده كلنتون عندهم يكون؟! وإلى أين تذهب بهم مصائرهم بعد أن قدم بعضهم ملايين الدولارات ليدعم " الأخ " شمعون في حملته الانتخابية؟!
ويبدو أن هذه المرحلة من المشروع الصهيوني ينبغي أن تتوقف، حسب المرجعيات الغربية والصهيونية، ليستكمل صهيوني بلا أقنعة المرحلة التالية التي بدأها الصهيوني الأول؛ تلك التي تتمسك بالأرض، وتحول الصهيونية إلى ترجمة مادية صارخة في صرامتها، وهي التي يلخصها رأي الحاخام الأميركي إسحاق برنستاين القائد الروحي في الحي اليهودي في مانهاتن: " طالما أن الحرب التي تم بمقتضاها الاستيلاء على الأراضي كانت مخططاً لها من قبل الحكومة الإسرائيلية والتي طبقاً للشريعة اليهودية لها قوة " الملك في الإنجيل " فإن كل الأراضي التي احتلت نتيجة لهذه الأرض هي ملك خاص لإسرائيل " / ـ عن تشومسكي ـ / وعلى ذلك فإن نتنياهو يتمسك بالأرض ليعزز الصهيونية، ويعزز الصهيونية ليتمسك بالأرض، عائداً إلى مبدئية تلمودية أو عائذاً بها، وهي مبدئية ملزمة لمن يشاطرونه اعتقاده من الغربيين وعلى رأسهم مسؤولي الإدارات الأميركية بمن فيهم الرئيس كلنتون ومن قد يأتي بعده، مبدئية تقول: " سوف أعطيكم ميراثاً إلى الأبد، ربما تحاجون بقولكم: ليس لدي ما أعطيكم سوى ما يخص الغير، ومن المؤكد أنها ليست ملككم، بل هي من نصيب سام بن نوح، وأنتم أبناء سام بينما هم ـ يعني الكنعانيين الذين سميت الأرض باسمهم ـ من نسل حام. ولو سألتم: ماذا يفعلون هناك إذن؟! أجيب: إنهم يحرسون المكان إلى حين مجيئكم "، ولأنها " وعد الرب " وهم يحتلونها " فاحتلالهم لها يساوي استيلاء الرب عليها " ومن يملك أن يجلي الرب عن أرض احتلها؟! لكي يجمع " شعبه المختار " فيها وتصبح أرض " إسرائيل "!؟ ومن يملك أن يعترض ويرفض، لا سيما عندما يتداخل الرب واليهودي ويصبحان عاشقاً ومعشوقاً؟! و " من يتجاسر على رمي ردائه بين أسد ولبوة عند جماعهما " كما يقول الرابي يوحنان في سفر سنهدرين عن ذلك الرب وشعبه؟! وحسب الحاخام ليرمان: " لا يجوز لغير اليهودي أن يستحصل على أملاك في أرض إسرائيل. "
فهذه المبدئيات المرجعية الملزمة سياسياً ودينياً لكل المتصهينين في الغرب، ولمن رعوا المشروع الصهيوني الاستيطاني وتناوبوا على دعمه ورعايته، هي التي تشجع نتنياهو على القول بأنه لن ينسحب من الجولان لأن الأرض عامل إستراتيجي لا تعادله في الأهمية الصواريخ ولان هذه المواقع لا تقدر بالذهب، وأنه لن ينسحب من الخليل ولا من أي شبر من القدس، وسوف يستأنف بناء المستوطنات ـ وبناؤها لم يتوقف أصلاً ـ وأنه سيمُنُّ على العرب بالسلام مقابل السلام، فهو أحرص منهم على السلام، وعلى مصالح الرب ـ الأميركي الوجه ـ في المنطقة، وعلى أرض الرب التي أعطاه إياها بقوة السلاح وقوة الخرافة وقوة الوعد!؟ وخلف نتنياهو يموء الحقد بوجه أصفر: إسحاق شامير، ثم أريل شارون، ثم رافائيل ايتان، ثم.. وثم.. وثم.. وآخر الركب عرفات يسوط الفلسطينيين ليصلُح راعياً أميناً لغنم صهيون، والملك حسين بكوفية جدنا يرفع لصهيون راية إخاء رابيني على أكوام الجثث ومناقع الدم، في هذا الوطن العربي المنكوب.
الصهاينة يريدون " تعزيز الصهيونية " أي تعزيز القبضة على الأرض وممارسة مزيد من الإبادة والحقد، وهم يقرؤون صفحة الواقع العربي جيداً، بما فيه من تخاذل وفرقة وضعف، فهل يكون لهم ما يشاؤون؟! إنه سؤال ملقى علينا نحن العرب جميعاً، وعلينا أن نواجهه جميعاً؛ولا أشك لحظة واحدة في إمكانية مجاوزتنا لما نحن فيه من ضعف وعجز إذا نحن قررنا مواجهة التحدي بصدق بوصفنا أمة واحدة مصيرها مشترك، ووجودها القومي فوق قطرياتها القتالة في ضيق أفقها وأنانية أنظمتها، واعتمادها حتى على العدو فيما يخص أمنها وتقدمها وأسس عيشها، " ذلك لأنه: أن تريد " إسرائيل " وأن تحقق ما تريد، يعني بالقدر نفسه أن نريد نحن أو لا نريد "، وأن نحسن التعبير عن إرادتنا بلغة العصر وأسلحة العصر ومنطق العصر. إن تعزيز الصهيونية المستمر والمتجدد على يد الليكود اليوم وعلى يدي العمل أمس، يطرح على أمتنا العربية أن تجدد حقها وتضامنها وموقفها القومي وأن ترى إلى نفسها وخطابها من منظور جديد، حتى " لا نغفل أو نستغفل " كما قال الرئيس الأسد، وأن تقوم بذلك في إطار رؤية تأخذ التجارب والممارسات السابقة في الاعتبار، ليكون وئام ووفاق وتكامل بين " الروح والجسد " العروبة والإسلام، بين الوطن والمواطن، بين القول والعمل، بين الأمن والأمان والحرية ورغيف الخبز والعيش الرضي بمداه الواسع، الذي يمكن المواطن من أن يستشعر الوطن والتاريخ والحرية ومعنى الحياة والكرامة في كيانه وهو يعمل، ويسير في الشارع، ويقف على خط المواجهة مع العدو. فهل نحن فاعلون؟!
الأسبوع الأدبي/ع515//6/حزيران/1996
|