|
قراءة في قمة العرب
أهم ما في القمة العربية أنها عقدت، وأهم ما في انعقادها أنها أذابت بعض الجليد الذي سكن مناطق من حدود الأقطار العربية، وأحاط قلوباً وآمالاً بصقيعه المميت؛ ولا يذهبن بنا التفاؤل إلى حدود القول بأن الاجتماعات الثنائية التي تمَّت بين بعض القادة العرب أزالت ما في القلوب والنفوس من شكوك وضغائن وما نمًّاه وزرعه الأعداء من تلك الشكوك والضغائن، فليس الأمر كذلك فيما أقدر، إذ هناك ما يبقى في النفوس لأنه من طبع تلك النفوس، ولأن ما وصل إليه بعض الحكام العرب من التنسيق والتعاون مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية أكبر بكثير من كل القمم والقيم العربية ومن الجسور التي تقيمها ـ وهو أكبر عند قلة قليلة جداً منهم من انتمائهم العربي ذاته ـ ولأن ما حمله بعض من حضروا القمة كان رسائل صريحة تمثل رأي كلنتون ونتنياهو أكثر مما تمثل موقفاً عربياً أو مصلحة عربية؛ وكانوا في أدائهم استفزازيين إلى الحد الذي تستشعر معه أنهم يستهدفون القمة ذاتها، فهم يتهمون بعض القادة والأقطار بالعمل على تخريب " السلام في المنطقة "، " وهو سلام " إسرائيل " النووي " المفروض على المنطقة؛ ويحملونهم ـ أو يحملونها ـ مسؤولية انهيار الأمن فيها، ومسؤولية ما يسميه العدو الصهيوني وحماته " الإرهاب " وهم يعنون المقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال، تلك التي يقوم بها استشهاديون نوعيُّون ضد العدو في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان، وعقدت من أجل القضاء عليها قمة شرم الشيخ التي جاء العاهل الأردني ليطلب ـ كما أوصاه وكلفه كلنتون ـ الالتزام بها أو الالتحاق بها بالنسبة لمن لم يحضرها ولم يوافق عليها، وهي القمة التي أعطت المتردي بإثمه، شمعون بيريس، ضوءاً اخضر للقيام بتفجير عناقيد حقده العنصري في جنوب لبنان، وليخوض هو وعنصريوه في دم أطفال " قانا ".
أهم ما في القمة العربية أنها عُقدت، وكان في عقدها جرأة وتحد لقوى لم تشأ لها أن تنعقد، لأن تلك القوى لا تريد للعرب أن يلتقوا، ولا تريد لهم إطلالة جديدة من أي نوع على أي شكل من أشكال التضامن أو حتى الحوار العربيين؛ لقد كانت قمة القاهرة قمة عربية خالصة في قرار الدعوة إلى عقدها، وقمة عربية خالصة في التوجه الذي رمى إلى تحقيقه الذين بادروا إلى الدعوة إليها؛ ومن الإنصاف هنا توجيه التحية لمصر وسورية والسعودية، لأنها الأقطار التي استشعرت الحاجة الملحة للقمة، والأقطار التي اتخذت قراراً في قمة دمشق الثلاثية بالدعوة إليها، ولأنها تصدت للصعوبات والضغط الذي نتج عن تلك الدعوة ـ المبادرة حتى تمكنت من عقدها وإنجاحها.
صحيح أن التدخل الخارجي والضغط والتصريحات المحبذة لاتخاذ توجه سياسي عربي عام مرن ومتساهل قد أثرت نسبياً في مسار القمة وأدت إلى تخفيف من الحدود التي كانت أدنى المطالب القومية منها، ولكن ما أسفرت عنه القمة، التي أتت بعد ست سنوات عجاف من الأداء السياسي العربي المعتل، على المستوى القومي، كان مقبولاً، إذا ما أخذ في ظرفه والمناخ العربي والدولي الذي تحقق فيه؛ ولمن يود معرفة الفارق بين تطلع أهل المبادرة ونتائج أهل القمة أن يقارن بين صيغة بيان قمة دمشق وبيان القمة الموسعة في القاهرة؛ وبذلك يقف على النتائج التي أسفر عنها الضغط الأميركي والدور الذي لعبه " اللوبي العربي" الذي يعمل متعاوناً مع الكيان الصهيوني ومحققاً لأغراضه ولمصالح أصبحت مشتركة بينه وبين العدو.
لقد نجحت قمة القاهرة في تركيز الانتباه على مرجعية مدريد، وعلى رغبة العرب في السلام، وعلى اختيارهم له بثبات مبدئي، وأكدت بوضوح على الأهداف النهائية التي يرمي إليها السعي العربي للسلام، تلك التي من دونها لا يكون سلام ولا يكون ثبات على ما تحقق حتى الآن من خطوات عملية تحت " مظلة السلام "؛ ولا يهم أبداً موقف حكومة الليكود من ذلك، بل المهم ثبات العرب على ما اتخذوه من قرارات، وما أعلنوه في بيانهم.
ويهمني أن أتوقف عند الفقرة التالية من بيان القمة، لما لصياغتها الدقيقة من مدلول، إذا دعمه الفعل السياسي العربي بجدية فسيشكل ذلك موقفاً ومؤشراً في آن معاً: موقفاً عربياً موحداً بعد أن افتقدنا المواقف طويلاً، ومؤشراً على مدى جدية العرب في إعطاء ما يقولون طعم الواقع والفعل.
جاء في بيان القمة: " يؤكد القادة العرب أن أي إخلال من جانب " إسرائيل" بهذه المبادئ والأسس التي قامت عليها عملية السلام أو تراجع عن الالتزامات والتعهدات والاتفاقات التي تم التوصل إليها في إطار هذه المسيرة، أو المماطلة في تنفيذها، من شأنه أن يؤدي إلى انتكاسة عملية السلام بكل ما يحمله ذلك من مخاطر وتداعيات تعود بالمنطقة إلى دوامة التوتر يضطر الدول العربية كافة إلى إعادة النظر في الخطوات المتخذة تجاه " إسرائيل " في إطار عملية السلام، الأمر الذي تتحمل الحكومة الإسرائيلية وحدها المسؤولية الكاملة عنه. " وجاء في البيان تأكيد على الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967 في كل الجبهات، وهو ما تتضمنه وتعنيه عملياً الإشارة إلى القرارات 242، 338، 425 بما في ذلك القدس، كما جاء تأكيد على حق العودة، وعلى أن الصراع العربي " الإسرائيلي " هو جوهر القضية.
هذا الوضوح لا يترك الثغرات التي شكلتها اتفاقيات أوسلو ووادي عربة من دون موقف ورأي ـ وإن كان للأسف قد باركها مباشرة أو مداورة ـ كما أنه لا يترك العرب " كافة " من دون مسؤولية عند عدم التزام العدو بتنفيذ ما طالبوا بتنفيذه، لا بوصفه شروطاً سابقة كما يحب العنصري المستجد نتنياهو أن يقول، بل بوصفه المرجعية والمبادئ التي انعقد على أساسها مؤتمر مدريد وقامت عل أرضيتها مفاوضات، وقد استهلكت جهداً مضنياً حتى استقر الرأي عليها عربياً وصهيونياً ودولياً؛ هذا إذا استبعدنا صيغ التملص والذرائع التي قد يلجأ إليها من يودون التملص من التزاماتهم تلك لسبب أو لآخر، سواء كانوا صهاينة أم عرباً، وقد عودتنا سياسات أنظمة عربية على فعل ذلك، وبأسلوب لا يخلو من البراعة في بعض الحالات؛ أمّا العدو الصهيوني فلا نعرف له وجهاً سوى ذلك الذي يزيف الحقائق والوقائع ويتنكر لكل اتفاق ويتملص من كل التزام لا يخدم مشروعه الصهيوني الاستيطاني التوسعي الذي يحلق باستمرار في أفق الأسطورة والوعد التوراتي الذي يكمن فيه رصيد العنصرية المكللة بالعقيدة " الربانية " ؟!.
لقد انعقدت قمة عربية أخيراً، وفي هذا انتصار لمن يعلقون على التضامن العربي أهمية استراتيجية، ولمن يريدون أن يعطوا للعمل العربي المشترك انطلاقة حقيقية، ولا يرون خلاصاً للأمة من دون ذلك؛ فهل يتمكن هذا التيار في السياسة العربية من الاستمرار في نهجه، ومن الإمساك بأولئك الذين يتفلَّتون من كل التزام عربي، ويلقون خلف ظهورهم بكل مسؤولية قومية، ويهرولون باتجاه العدو، ويقيمون معه الأحلاف العسكرية والسياسية ضد مصالح أمتهم وضد السياسيين العرب الآخرين والأقطار العربية الأخرى؟؟ إن هذا هو الامتحان الصعب الذي يخوضه هذا الفريق من السياسيين العرب، وهذا هو موضوع تبصر وأمل كثيرين من العرب في الوقت ذاته.
إن العدو الصهيوني وحليفه الأميركي سيحاولان إسقاط كل إيجابيات القمة العربية واحتواء ما قد تفضي إليه من تنسيق وتعاون عربيين؛ وهذا أمر طبيعي فمن ينتظر من أعداء الأمة العربية غير ذلك يكن غارقاً في الوهم، ولكن ليس المهم ما سيقوم به العدو في هذا المجال بل المهم هو ما سنقوم به نحن العرب، وما سنتمسك به وندافع عنه بصلابة وشجاعة، وما نعتبره حدوداً حيوية لمصالحنا القومية لا يجوز تخطيها.
إن الأشهر القادمة ستكون حاسمة، وربما توجًّب على العرب أن ينتظروا إلى ما بعد تشرين الأول القادم وهو شهر الانتخابات الأميركية، التي لا أقدر أن شيئاً عملياً مهماً سيحدث قبل ظهور نتائجها، ولكن من هذا التاريخ إلى ما بعدها فإن المناورات ستكون كثيرة وخطيرة وقاسية، وما ستسعى " إسرائيل " إلى الحصول عليه من رئيس أميركي منتظر سيكون كبيراً، وما سيمارس على العرب من ضغوط سيكون ضخماً؛ فهل تثبت قمة العرب أنها قمة الوعي والاحتمال والمواجهة، وهل تراها تقوى على تحمل تبعات إعادة ترتيب البيت العربي الذي يحتاج إلى كثير من الترتيب؟ وهل يتمكن القادة العرب من ضبط انسياب المياه السياسية العربية في الأرض الشديدة الانحدار باتجاه الحاخام وحليفه العم سام؟! إن تلك مراهنات صعبة ولكن النجاح فيها ليس مستحيلاً، وما نود أن نتطلع إليه هو الإيجابي والصحيح والواضح والمبدئي والخُلُقي في العمل العربي ـ العربي وفي الحياة العربية بكل أبعادها ومستوياتها؛ فهل يتاح يا ترى لظلال ابتسامة تتراقص على شفاه العرب أن تتحول إلى ابتسامة، ولو لبرهة عابرة من هذا الزمن الصعب؟! فلقد طال كثيراً استغراق وجوهنا في كآبة العبوس وبؤس الحزن المخيم على النفوس، في وطن يهَراق فيه دمنا وكرامتنا في آن معاً، ويتفرج منا على ذلك من يتفرج، ويشمت بسببه من يشمت، ويبكي من يبكي، من دون أن تنفتح جنبات القلب العربي الواحد على أمل مشرق في صبح فعل عربي واحد منقذ ومؤسس لمرحلة جديدة كلياً في الحياة العربية؛ وإننا لفي أمس الحاجة إلى بداية تلك المرحلة والإحساس بها بعمق وجدية وجرأة، فهل يستعصي علينا تحقيق هذا الأمل، آمل من كل قلبي ألا تخيب آمالنا من جديد .
دمشق في 25 / 6 / 1996
الأسبوع الأدبي/ع518//27/حزيران/1996.
|