|
الصراع في المستقبل القريب
الانقلاب العسكري الذي حققه رجال الحرب الصهاينة بأسلوب سلمي ـ ديمقراطي، قدَّم اليمين الصهيوني مدعماً بشراسة الأحزاب الدينية وخرافاتها وتعصبها الأعمى إلى الواجهة، ووضع في مقدمته صِلاً رضع من ثدي الإرهاب في مدرسة بيغن ـ شامير ـ شارون، وتدرب في الـ C.I.A ـ ربما عندما كان أميركياً يحمل اسم بنيامين سوليفان ـ ليكون رجل الأمن الذي يريد ـ وإرادته واجهة للإرادة العسكرية التوسعية التي ترغب في الاحتفاظ بالأرض العربية المحتلة كلها، وفي فرض " السلام النووي الصهيوني " على العرب بقوة السلاح والاستيطان والأمر الوقع والدعم غير المحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة " لإسرائيل "، أياَ كان قرارها وتطلُّعها وطمعها وممارساتها. وسوف يحصل الحكم الليكودي الجديد على كل ما يريده من إدارة كلنتون، التي تنافس الآن زعامة المرشح بوب دول على الرئاسة الأميركية القادمة، وفي مقدمة مستلزمات ذلك التنافس التسابق على تقديم كل ما يرضي الصهاينة ويعزز الاستيطان والهيمنة والأحلاف والمصالح التي تقيمها " إسرائيل " في المنطقة العربية.
لقد خلق هذا الانقلاب وضعاً جديداً في المنطقة بالنسبة لبعض العرب الذين تفاوضوا من وراء ظهر الأمة واستقووا بالعدو على أبناء أمتهم وأقطارها ـ ويلمحون بخبث لمن يحتمي بأمته، وكأن في ذلك عيباً، ولا يرون في احتمائهم بالعدو التاريخي لأمتهم وتحالفهم معه ضد أمتهم العيب كل العيب ـ وقدموا مصالحهم القطرية وغير القطرية على المصلحة العربية العليا، فبعض أولئك يقدمه العهد الصهيوني الجديد والبعض يهدده بالاستبعاد إلا إذا لهث أكثر وراء سراب الجزَرَة المرفوع في فضاء صحراء العرب، والهدف زعزعة صف الموالين أكثر فأكثر سعياً وراء مزيد من الهرولة والموالين في كل الجبهات، مما يبقي المكاسب الصهيونية في حالة نمو والانهيارات العربية في حالة نمو أيضاً.
وجاءت القمة العربية الأخيرة لتقدم مشروع موقف عربي في مواجهة محتملة مع الموقف الصهيوني المعلن في برنامج حكومة نتنياهو، الذي يأخذ طريقه إلى التنفيذ بين تحذيرات العرب وتوقعات الأمل في الانتظار المعول عليه غربياً.
نتنياهو قدم لاءاته الثلاث، والقمة العربية أكدت مرجعية مدريد ورغبتها في السلام، الذي أصبح خياراً استراتيجياً لها؛ ولا يهم الآن على الإطلاق استعادة مخزون الذاكرة للوقوف على النقلة الضخمة بين لاءات قمة الخرطوم ومنظور الحد الأدنى والأقصى الذي يغلف قمة القاهرة، كما لا يهم عقد مقارنة بين رصيد لاءات حكومة نتنياهو ورصيد لاءات قمة الخرطوم، وما آلت إليه الأمور سابقاً وما يمكن أن تؤول إليه مستقبلاً بعد قمة القاهرة مع وجود ما نعرف من رصيد؛ المهم الآن هو معطيات المرحلة التي وصل إليها ما يطيب لي أن أسميه: الصراع العربي الصهيوني، ولو كره الذين ينفون كلياً وجود هذا الصراع اليوم، ويقولون بدرجة القرب والبعد " بيننا " وبين " إسرائيل " والمدى الذي بلغه انهيار الحاجز النفسي الذي كان يروق للمرحوم السادات الحديث عنه مع كامب ديفيد، فأنا من القائلين بكون ما بيننا وبين العدو الصهيوني هو صراع وجود، وسوف يستمر إلى أن يصل مرحلة الحسم النهائي التي ستكون لصلح العرب مهما طال الزمن ودالت الدول.
ومن المعطيات التي تقدم مؤشرات على مستقبل الصراع في المرحلة الحالية التي وصل إليها، وهي مؤشرات ذات طبيعة آنية محكومة بالمتغيرات السريعة التي يمكن أن تحدث، أذكر:
ـ موقف مصر العربية قبل قمة القاهرة وفي أثنائها وبعدها، وعودة الوعي فيها إلى حقيقة أنه لا يوجد حلول لمشاكل مصر خارج أمتها العربية، ولا يوجد حلول للعرب في صراعهم مع عدوهم لا تكون فيها مصر طرفاً رئيساً، وتأسيساً على:
* الموقف القومي العربي لمصر الآن.
* وعلى اختيار مصر الحر الذي نشأ على أرضية من المعطيات، امتدت من الاتفاقية العالمية للأسلحة النووية،التي بقيت " إسرائيل " خارجها، إلى التحالف الأردني ـ الإسرائيلي ـ التركي، بإشراف أميركي، ومحاولة الأردن التطاول على دور مصر العربي، وعلى دورها في المنطقة من منظور أميركي ـ إسرائيلي لها، لا سيما بعد أوسلو ووادي عربة وقمة شرم الشيخ.
* وعلى الحملة الوقحة التي يشنها الصهاينة على مصر من مواقع متعددة منها الكونغرس الأميركي، والتي تتذرع بذرائع مختلفة منها شراء مصر صواريخ سكود، وكأنه لا يجوز لمصر أن تدافع عن نفسها عند الضرورة، بينما يحق " لإسرائيل أن تتسلح بكل أنواع الأسلحة المحظورة دولياً وغير المحظورة في كل وقت، وتهدد الآخرين في كل وقت، وأهل الحملة يهددون مصر الآن بقطع المعونة الأميركية السنوية عنها.
ـ موقف سورية ومصر الآن، وفي ظل التهديد الصهيوني الشرس لسورية، والخطوات التي تتخذ بتنسيق بينهما لاستعادة التضامن العربي والقرار العربي والمبادرة العربية، والعمل العربي المشترك.
ـ التغيرات السياسية في تركيا، ودخول حزب الرفاه، بزعامة نجم الدين أربكان، الحلبة السياسية التركية، ووعوده السابقة التي قطعها بتعامل أفضل مع الجوار، وموقفه وموقف حزبه من الاتفاقية المعقودة مع " إسرائيل "، وهي التي لا يعرف البرلمان التركي عنها شيئاً لأنها لم تعرض عليه أصلاً ـ وهذا من مفارقات الديمقراطية تحت الرعاية الأميركية ـ وما يمكن أن تقدمه تلك المتغيرات من معطيات جديدة مؤثرة في المناخ السياسي العام في المنطقة كلها.
ـ الوضع داخل المجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة، حيث يبدو بوضوح تنازع خفي له أبعاده التي يمكن أن تغدو مؤثرة سلبياً على البنية السياسية والاجتماعية هناك، وعلى المستقبل البعيد كله.
ـ حملة الانتخابات الأميركية وما يمكن أن تقدمه من معطيات، وتأثيرها الذي يشل بدرجة أو بأخرى الحركة الجدية على محاور التفاوض بين أطراف مؤتمر مدريد.
ـ ما ستخلقه حكومة الليكود من واقع جديد على الأرض في الأشهر القادمة، بالاستيطان، والاستيلاء على الأرض، والإجراءات السياسية، وغير ذلك من برامج معتمدة أو ملمح إليها في خطة تلك الحكومة، أو مستنتجة منطقياً من احتمالات تنفيذ برامجها ومستلزمات تنفيذها.
ـ ما يمكن أن تقوم به المقاومة الوطنية العربية والإسلامية في أماكن عملها ضد الاحتلال، وما يسفر عنه ذلك الفعل من ردَّات فعل؛ وكذلك ما يتوقع أن يؤدي إليه الوضع العام في مدينة الخليل على وجه التحديد، التي سينفذ فيها العدو سلسلة من الإجراءات الأمنية والاستيطانية، لربط " كريات أربع " بوسط الخليل مروراً بالحرم الإبراهيمي؛ وردة فعل أهلها، الذين يفقدون أرضهم وأمنهم ووحدة مدينتهم جراء تنفيذ ذلك البرنامج.
إن هذه المعطيات جميعاً بتفاعلاتها من جهة، وموقف أهل القمة منها، وأسلوب تعاملهم معها من منطلق قومي وموقف عربي مبدئي موحد ـ إذا حصل ـ كل ذلك يؤثر في رسم صورة المستقبل الذي سيكون لمرحلة دخلناها من مراحل الصراع العربي الصهيوني على أرضية من الوعي أو عودة الوعي، بأهمية أن نكون معاً، وأن نكون أمة ذات موقف مبدئي، وقرار قومي يعرف طريقه إلى التنفيذ، لنأخذ طريقنا إلى الحضور باحترام بين أمم الأرض.
الأسبوع الأدبي/ع519//4/تموز/1996.
|