صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

معادلات العقل الصهيوني

معادلات العقل الصهيوني تقوم على تركيب المغالطات وإكسابها قوة الانتشار، ثم تصديق تلك المغالطات وتثبيتها وإكسابها قوة الحق، وإلزام المنطق بها كبدهيات، بعد إلزام العالم بها بوصفها وقائع.‏

ولأن هذا العقل يستند إلى معطى عنصري ـ تلمودي من جهة وإلى تاريخ في ممارسة التحريف أدى إلى وجود تاريخ مزيف يستند إليه مؤرخون وساسة، ويقوم عليه تاريخ، فإنه يسوغ دائماً معادلاته وتطلعاته ويصوغها كما يريد، غير آبه بالعقل والمنطق والحقائق والوقائع، ويقدم ذلك للآخرين من دون تهيّب ودون احترام، وبوثوقية مثيرة للعجب من شدة الاجتراء على الحق والعقل والناس.‏

على هذا الرصيد الضخم يقيم مسؤولو الليكود في الكيان الصهيوني المحتل هذه الأيام سياستهم، ويقدمون على توجيه حملتهم على سورية متهمين إياها بممارسة الإرهاب ودعمه ويذهبون إلى حدود القول الوقح بأنها وراء التفجير الذي حدث في مدينة "الخُبَر'" في المملكة العربية السعودية، بهدف واضح يرمي إلى تسميم العلاقات العربية ـ العربية.‏

وفي الوقت الذي يسندون فيه مهام أكبر وزارة مستحدثة للإرهابي العريق أرئيل شارون المسؤول عن تنفيذ اجتياح لبنان وحصار بيروت ومذبحة صبرا وشاتيلا 1982 ويكلفونه بامتياز بعمليات استيطانية واسعة وبالإمساك بورقة التفاوض على المياه، وبتكثيف الوجود الصهيوني في الجولان في هذا الوقت يقولون برغبتهم في "السلام" ويذهبون في شخص نتنياهو إلى الولايات الأميركية، ليقدموا من هناك، وفي ظل أجواء الانتخابات الأميركية الضاغطة التي تجعل كل مرشح للرئاسة يتسابق مع الآخر لتقديم الدعم غير المحدود "لإسرائيل" من أجل كسب أصوات اليهود، ليقدموا معادلات:‏

ـ "السلام مقابل السلام".‏

ـ الأمن مقابل السلام".‏

وليحرضوا الكونغرس على فرض حصار اقتصادي على سورية بوصفها "دولة إرهابية وخارجة على القانون" شأنها في ذلك شأن الدول التي تتهمها الولايات المتحدة بدعم الإرهاب، وبتقويض الأمن القومي الأميركي، وبتهديد عملية السلام.‏

ينبغي ألا نفاجأ إذا ما حصل نتنياهو، في هذه الظروف خاصة، على دعم مادي ومعنوي جديدين غير محدودين من إدارة كلنتون ومن مجلس الكونغرس في آن معاً، لتثبت المعادلات التي صاغتها وتقدمها سياسة "إسرائيلية" استيطانية ـ إرهابية، ترفض السلام وتعطله وتريد أن تحمل مسؤولية ذلك لسورية، انطلاقاً من دائرة القرار شبه العالمي، ومن مدار الإعلام الذي صفق لتلك السياسة ومهَّد لاتهاماتها ومعادلاتها، وينبغي ألا نفاجأ إذا ما استيقظنا على عشرات المستوطنات تُبنى في الجولان، وعشرات أخرى في الضفة الغربية، وعلى توسيع غير منتظر، ولم يتوقف أصلاً لأحياء في القدس ولمستوطنات أخرى قائمة في فلسطين المحتلة، فهذا هو نهج الوزير الأكثر صلاحية، والممثل الأبرز لسياسة اليمين/أرئيل شارون/.‏

وينبغي ألا نفاجأ إذا وجدنا نيرون الصهيوني ذا الوجهين /العسكري والمدني/ يشعل النار في المنطقة، ويتهم غيره بإشعال النار، وإذا ما اندلعت ألسنة اللهب فيما يسمونه "عملية السلام" التي أشارت سورية إلى أنها ستموت حتماً إذا وافق الأميركيون (إدارة وكونغرس) على فهم نتنياهو لها.‏

لكن علينا أن نشعر بصدمة المفاجأة وبالحسرة والبؤس الناتجين عنها إذا ما وجدنا الأنظمة العربية، أو معظمها ـ تلك التي خرجت لتوها من قمة القاهرة بموقف واضح معلن تضمنه بيان القمة، تجعل تنفيذ هذا البيان متوقفاً على موقف الحكومة "الإسرائيلية" الجديدة من "عملية السلام" ويحمِّلها مسؤولية اتخاذه ما ينتج عنه ـ علينا أن نشعر بصدمة المفاجأة وعظيمها إذا ما وجدنا تلك الأنظمة أو معظمها، تلتمس المسوغات للمعادلات السياسية ـ الاستيطانية ـ الإرهابية الجديدة التي صاغتها حكومة نتنياهو وقدمتها عبر المنبر والمباركة الأميركيين، وتأخذ بتقديم الاجتهادات لاستساغة ذلك وتسويقه والقبول به والإقبال عليه، ومتابعة الهرولة نحو العتبات "الإسرائيلية" على أرضيته.‏

وسبب المفاجأة هنا ليس عدم وجود السابقة، فلذلك تاريخ في التاريخ العربي، وليس عدم وجود ذوي الاستعداد لممارسة النكث بالوعد، فهناك من لهم تاريخ أبي لهب وأهدافه وأساليبه في التسويغ والاستساغة. ولكن سببها هو إدراك معظم الحكام والأنظمة في الوطن العربي، قبيل قمة القاهرة وفي أثنائها وبعد تلاوة بيانها ونشره، أن الخطر الناجم عن توجهات حكومة اليمين "الإسرائيلي" الجديدة على اتفاقيات أوسلو ووادي عربة التي روجوا لها واعتبروها "سلاماً عادلاً"?!! سيهدد صورتهم ومعادلاتهم ومصالحهم وتجارتهم ولو بشكل نسبي، إذا ما أشعل نيرون الصهيوني النار في هشيم المنطقة وادعى أن عرب القمة هم الذين أشعلوها باتباعهم "لإرهابيي" العرب الذين ينادون بالمقاومة، التي لا يمكن أن ترى فيها الصهيونية والمتصهينون في الوسط السياسي والإعلامي والاقتصادي العالمي، إلا إرهاباً يهدد "استعادتهم لأرض الرب"، ذلك الذي يرون فيه وكيلاً عقارياً في السماء يتعهد لهم وحدهم من بين الخلق، بتمليكهم الأرض التي يريدون ويشاركهم في ممارسة "النصب " ـ جل شأن الله الحق عن ذلك وعلا ـ على الأمم من أجل إبلاغ موكليه المختارين غاياتهم وأهدافهم المريضة.‏

الأسبوع الأدبي/ع520//11/تموز/1996.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244