|
معادلاتنا الصعبة
لم يصنع الإعلام العالمي، والعربي ضمناً، صورة أكبر، ولا شهرة أوسع، ولا انتشاراً أعظم للأفكار والأخبار، مما صنعه للصهيوني بنيامين نتنياهو، في فترة زمنية قياسية، فخلال الخمسين يوماً الماضية غطت أخبار هذا المهووس العنصري وسائل الإعلام، وتصدرت نشرات الأخبار والصحف ومجالات الاهتمام، وكأن المقصود رفع هذا النوع من الأداء والآراء والمعطيات السياسية إلى مستوى يصبح التعامل معها فيه مصحوباً بهالة لها قوة "القدر" وصلابة الأمر الواقع، وتأثير أكبر أكاذيب العصر المؤثرة في السياسة أكثر من كل حقائقه وأشدّها نصوعاً.
وإذا كان احتمال أن تنفجر هذه الفقاعة من كثرة النفخ فيها وارداً، فإن احتمال أن تغدو مدهشة ومثيرة وخطيرة وارد أيضاً.
ولا أظن أن من يقفون وراء ذلك التلميع والتوزيع العالميين يجهلون شيئاً مما يفعلون، بل على العكس من ذلك، أرى أنهم يعملون بجدٍ واجتهاد لخلق مناخ دولي لأفكار وآراء ومخططات ترمي في النهاية إلى إعادة طرح التفسيرات والتوجهات الصهيونية للقرارات الدولية التي تشكل مرجعية "مدريد" وتحكم تلك المرجعية إذا ما تعذر اعتبارها شروطاً مسبقة لا يجوز التفاوض مع فرضها من طرف على طرف، وهو ما كان بداية للتحرك الليكودي في هذا المسار.
وتبدو الحالة التي فرضها اليمين الصهيوني في فلسطين المحتلة، وفي دوائر القرار الأميركية، لا سيما في مجلس الكونغرس حالة متحركة ومتنامية تفرض نفسها بوصفها معطى التداول، وموضوع اللقاءات والمحادثات الثنائية بين السياسيين المعنيين بعملية السلام، وسوف يجد كل من يفلح من أولئك، بإقناع رأس الأفعى الصهيونية بالتراجع قليلاً عن المفاهيم والشروط والتفسيرات والمطالب الجديدة المطروحة، وعن الممارسات التي تتم على الأرض في فلسطين المحتلة، والأخذ بشيء رئيس مما جاء في اتفاقيات "أوسلو" و"وادي عربة" ـ وهي التنازلات الخاسرة من بعض العرب ـ أنه حقق إنجازاً يسجله له تاريخ العمل السياسي في عصر الغلو الصهيوني ولن يكون قاسياً على بعض العرب، في ظل هذا المناخ، والتشدد اليهودي ـ الأميركي الذي يحكمه، أن يتراجعوا عما سبق وقرروا أنه الحدّ الأدنى المقبول الذي لا يمكن التراجع عنه، أو القبول بأدنى منه، فقد تعودت رؤوس على أن تتطاحن، واعتادت خدود على أن تُصْفَع، حتى أصبحت تفتقد ذلك إذا غاب... وتحن إليه !!.
والسؤال ينصب، في مثل هذه الأوضاع على قدرة قرارات القمم، والمحاور العربية على الصمود، وقدرة الأقطار التي تتعرض للضغط على المقاومة!! الأمر الذي يطرح بجدية، أو يعيد طرح أسئلة قديمة جديدة، تتعلق بحرية القرار السياسي العربي وقدرة أهله على اتخاذه، هو رهن بقدرة الاقتصاد العربي، حامل هذا القرار، وبحريته، وبتوافر القوة التي تحمي ذلك القرار، وتدفع الأذى عنه عند الضرورة، وتقيم قوامه بفعل قادر صادر عن الأمة أو عن أقطار روافع لشأنها وقرارها، يمكنها من أن تتحرك بثقة ودون خوف من نتائج التحرك وارتكاساته وانعكاساته.
إن الوضع العربي الآن يستعيد بعض العافية بعد قمة القاهرة ومؤتمر وزراء خارجية إعلان دمشق، وبعد الإشارات المتبادلة بين العواصم والقيادات السياسية، والوضع اليهودي في فلسطين المحتلة، بالمقابل، يدخل دائرة واضحة من المعرض نتيجة الصراع على السلطة، والصراع بين اتجاهات دينية متشددة وغير متشددة.
وأرى أن استثمار ذلك لصالح قضيتنا واستنهاضنا من وضعنا الذي نحن فيه مطلوب، ويمكن أن يتم ذلك في بعض المحاور منها:
ـ تقوية التضامن العربي، والتأكيد على الالتزام بقرارات قمة الحد الأدنى، وإيجاد مرتسمات عملية لبعض القرارات العربية، وتبادل المنافع والمصالح بين عواصم العرب وفئات الشعب في الوطن العربي، وتسهيل قيام ذلك بمسؤولية وطنية وقومية، وبإحساس عصري بمدى تواصل العالم من حولنا وسقوط القيود والمعوقات فيه.
ـ دراسة الأوضاع المستجدة في الكيان الصهيوني بعمق هادف على أسس علمية، والتفكير باستثمار ذلك في حقول الصراع القائمة التي ستبقى قائمة مهما امتد الزمن وتلونت الرؤى، وكتبت على الورق اتفاقيات ومعاهدات إلى أن يتم الحسم النهائي لهذا الصراع المرير الطويل لصالح العرب وحقهم الناصع.
ـ تحريك دائرة الحوار واللقاء والاتصال الراكدة من حولنا مع الدول الإسلامية ودول آسيا وأفريقيا، ومع أوروبا التي ينتعش فيها كلام وتنتعش مواقف تراعي استقلال أوروبا وتخلصها من التبعية للقرار الأميركي، والتركيز على المصالح المتبادلة مع الفرنسيين أمر محبذ في هذا الوقت لما تبديه فرنسا من رغبة في سلوك طريق مغايرة نسبياً للسائد في الغرب.
ـ دفع الجامعة العربية في مسارات العمل العربي، واستثمار اندفاعها في هذه المسارات وتشجيعها، وصولاً إلى حدٍ أدنى من تماسك الإطار الذي ما زال يجمع العرب، على ما فيه من ضعف وتآكل.
وإذا كان للعرب أن يستيقظوا بعد طوال نوم على حقيقة أن القوة على المدى البعيد لا يمكن أن تملك ولا أن تعزز الثقة بالنفس وتحمي الحق ما لم تكن مقوماتها وأدواتها ذاتية كلياً أو في معظم الأجزاء والمراحل والمعطيات، وأن القوة في هذا العصر أساسها امتلاك العلم والتقانة، وتحويل ذلك إلى إنتاج متقدم في المجالين العسكري والمدني. ولن يحقق ذلك إلا الإنسان الواعي لذاته وواجباته ومسؤولياته ولما يحيط به من أخطار، ولا يصنع الإنسان القادر في هذا الزمن إلاّ تنمية تقوم على التربية، وعلى وعي ثقافي دقيق عميق مسؤول، يمارس الحرية باحترام لها وللآخر الذي يستحقها، ويدرك معنى أن تكون للفرد والمجتمع قي أخلاقية واجتماعية ووطنية وقومية مرعية الاحترام، وأن يكون للوطن قوانين فوق الجميع، لا يعلو رأس مهما على فوق سقفها ويتساوى أمامها الناس جميعاً كأسنان المشط.
وأن يكون مجال التواصل والتنمية والتربية والفعل الثقافي في هذا الوطن شاملاً لأخطاره، متنامياً في تلك الأقطار، يأخذ المشترك التاريخي والاعتقادي بالاعتبار، ويأخذ المسؤوليات والتبعات التي ترتبها تلك المسؤوليات على العربي الذي ينشد التقدم والتحرر والتحرير ستكون قومية لأنه لا وجود ولا تأثير ولا تقدم ولا تحرر ولا مصالح للتجمعات الصغيرة الضعيفة المتخلفة في عالم الغد، كما في عالم اليوم.
إننا مدعوون في كل مجالات المواجهة والعمل إلى إدراك حقائق ومعطيات جديدة والتعامل معها والانطلاق منها نحو بناء الذات والمجتمعات والمستقبل، في الوقت الذي نستشعر فيه العجز عن مواجهة أمور بسيطة، وتلك أولى معادلاتنا الصعبة التي ينبغي أن نصوغها ونوجد الحلول لها، ومدعوون في الوقت ذاته إلى امتلاك العلم بالتنمية، واستخدام التنمية بعلم ونحن بأمس الحاجة إلى أبسط مقومات ذلك ونعاني من تراجع مستويات التربية والتعليم والبحث العلمي، وتلك هي المعادلة الصعبة الثانية التي علينا أيضاً أن نصوغها، وأن نوجد الحلول الملائمة لها.
أما المعادلة التي تحكم المعادلتين السابقتين، وكل ما يمكن التفكير به وصوغه وتركيبه من معادلات، فهي تلك التي تضعنا على طريق الشعور بالزمن واستثماره واستشعار الخطر الناجم عن كونه يمر بسرعة قصوى من دون أن نستشعر ذلك، ودون أن يهزنا من الأعماق ونحن على مشارف الخطر المهلك جراء الجمود والعجز عن اللحاق بعرباته المتسارعة.
فهل يتاح لنا أن نصوغ تلك المعادلة وأن نضعها في مركز التحرك النظري والعملي من معادلاتنا وحياتنا؟؟!
أرجو ذلك وآمل أن نبادر جميعاً، كل من موقعه وحسب استطاعته وإمكاناته، للقيام بذلك، ولكن قبل فوات الأوان.
الأسبوع الأدبي/ع521//18/تموز/1996.
|