صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

نرفض نعم... لكن لماذا ؟؟

الرَّفْض: التَّرْك، ورفَضْت الشيء لغةً: تركته وفرَّقْته، ويأتي الرفْض أيضاً بمعنى الكسر والتحطيم، ورَفَضَ الشيء جانَبَه؛ ومن يرفض إذن يترك ويعمل على تحطيم ما يترك، لأنه يثور عليه؛ والروافض هم الذين يتركون أمر سيدهم ويَرْفَضُّون عنه، وسُمي جنود زيد بن علي، الذين تركوه يوم لم يوافقهم على طلبهم إليه التنكر للشيخين: الروافض، وقد يكون الرفض إيجابي المردود أو سلبيَّه.‏

والرفض اليوم مصطلح وفعل وموقف، في السياسة والإدارة والتنظيم والعمل والفكر والثقافة، وله في كل مناحي استخدامه وتجلياته تلك تاريخ.‏

كثيرة هي أوجه الرفض، كثيرة أسبابه وأساليب التعبير عنه، وكبيرة نتائجه أحياناً على المستويين الفردي والجماعي؛ ولكنه فعل يبني فعلاً ويفرِّع أفعالاً ويؤدي إلى ردود فعل، وبالتالي يقود إلى الصراع ويصنعه ويصعِّده؛ ويرتب الرفض التزامات على صاحبه وعلى من يعنيهم موضوعه أو ينعكس عليهم ذلك الموضوع ـ أي فعل الرفض ورفض الفعل ـ بشكل من الأشكال.‏

وأن ترفُضَ يعني أن تعي جيداً ما ترفض وما تفعل ولماذا تتخذ موقفاً وتقوم بفعل، وأن تدرك نتائج فعلك ولو بشكل تقريبي، ويعني كذلك أن تُجري حسابات دقيقة في الوقت المناسب؛ والحسابات التي يفترض أن تجريها لها وجهان أو بعدان، أحدهما شخصي والآخر عام، واللُّحمة بين الشخصي والعام في هذا المجال قائمة وقد تكون شديدة، وإذا ما انحدر بك الشخصي إلى وهدة الأنانية المَرَضِيَّة والتعصب المقيت فلا مخرج لك منها ولا سمو معها؛ ولا رفعة لموقف الرفض الذي تمارسه في هذه الحالة، لأنه يتحول بك إلى صيغة من صيغ التكسُّب أو الابتزاز أو النفاق، فيجعلك تتلفَّع ببراقع شفيفة تكشف الحال أكثر مما تغطيه وتفضحه أكثر مما تستره أو تخفيه، وتنحدر تلك الحالة بصاحبها حتى تعرِّيه تماماً، ولا ترتفع به إلى مقام ولا تدثِّره بشيء، وتتركه غير مرضي عنه إلا من نفسه حيث يعشش الغرور وتنمو فطور الوهم في دِمَن النفْس. وكلما اشتد موقف الرافض على هذه الأرضية كلما أوغل في مساحة العناد المقيت والمكابرة المكلفة وربما الصفاقة التي تذهب بالعقل والهيبة، وتجعله يدخل شرنقة تعزله وتقضي عليه رويداً رويداً ويُدْخل من هم معه فيها.‏

والرفض يكون لتحقيق غايات وأهداف كبيرة أو يمهِّد تمهيداً واعياً ومسؤولاً لذلك، وتلك إما أن تكون أنانية ضيقة أو غيريَّة عامة، تخص فئة من المجتمع أو تتصل بشرائح واسعة من الناس، تنعكس على وطن وأمة أو تشمل الإنسانية كلها؛ وفي الأحوال جميعاً فإن الرفض يبدأ من أفراد وبأفراد وينتهي بتنظيمات أو مؤسسات وبلدان؛ وناره سريعة الانتشار، وشرره متوثِّب تدفعه الريح في اتجاهات شتى، وغالباً ما يكوِّن وسطاً قابلاً لنمو طفيليات وحالات من الابتزاز والاستحواذ؛ قانونه بيده، وقد يأخذ القانون بيده، ويمارَس أحياناً باسم القانون ومن أجل سيادته وحمايته واحترامه.‏

ويعتمد الرفض على معطيات معرفية أو خُلُقية أو قيمية أو اعتقادية أكثر من اعتماده على منطق مستقر وعقلانية مسترخية ومستسلمة لقانونها، وقد يتوثب باسم الحق والمنطق والعقل والحرية فيلهب الوجدان الجمعي والوطني والقومي، لا سيما حين يتصل أمره بمقاومة الاستبداد والاستعمار والطغيان وأشكال الفساد، وينهض دعوة إيجابية باسم الحق التاريخي لأمة من الأمم أو باسم الحرية وقيم العدل لمقاومة الاحتلال والقوانين العنصرية والاستلاب والنهب المنظمين لأوطان وطبقات وشعوب، من قبَل قوى بطش غاشمة تتحالف وتتعاون لكي تسحق أمماً وأوطاناً وشعوباً، مثلما هو حال العرب مع الصهيونية والإمبريالية الأميركية اليوم.‏

الرفض عدلاً يكون، وقد يكون تمرداً مجَّانيَّاً ومجانباً للعدل، قد ينشد تحرراً أو تأسيساً للعدل، وقد يكون قبراً للعدل والحرية معاً؛ سمة الخارجين على النظام يكون في حالات وترسيخاً للنظام العادل أو سعياً لذلك في أخرى، فأين نحن من هذا، ومن نكون في ميدانه حين نرفض؟!‏

ماذا نرفض؟! ولماذا نرفض؟! وكيف نرفض وباسم من، وتحقيقاً لأية أغراض أو أهداف؟! وبأية أدوات وأساليب ومواصفات نمارس ذلك الرفض ونعِّبر عنه؟؟ وهل رفضنا خاص أو عام، من أجل الخاص أم من أجل العام؟؟ تلك أسئلة أرى أن يتوقف عندها المتأمل قليلاً، قبل أن ينساق مع أنساق الكلام المنداح في سطور ومساحات، انسياحاً عشوائياً من دون ضوابط ودون حدود.‏

ـ نحن نرفض ما تَوافَق عليه بعض ساسة العرب من إضعاف مقصود للروابط القومية، وإنعاش مقصود أيضاً للانعزالية القطرية وللتفرد القطري في القرار الذي بلغ حد التقديس من جهة ونفي الآخر الشريك نفياً تاماً من جهة أخرى؛ كما نرفض إلغاءهم للمسؤولية الجماعية عن القضايا العربية، ونزع كل صفة " مصيرية " عن أية قضية قومية، وتَوافقهم على ترك كل بلد عربي يلعق جراحه وينتزع أشواكه ويعالج قضاياه بالطريقة الخاصة التي يراها ملائمة له، حتى لو جاء ذلك العلاج على حساب القطر العربي الآخر أو على حساب القيم والمصالح العليا للأمة العربية.‏

ونرفض التصفية المدروسة للبعد القومي للقضية الفلسطينية بشكل خاص، تمهيداً لتصفية تلك القضية بالتحلل من التزاماتها وتبعاتها، وتوجهاً منهم لإنهاء الصراع الذي نشأ بسببها، أي الصراع العربي الصهيوني، على حساب العرب ولصالح العدو؛ فلماذا نرفض ذلك؟؟‏

نرفضه لأنه يجافي الحقيقة، فالعرب أمة واحدة وجسم واحد ومصلحة عليا واحدة تتكامل بتكامل الوعي وتوسيع أفق الرؤية؛ ولأن فلسطين وطن العرب التاريخي وهمهم القومي وقضيتهم المركزية في هذا القرن، مثلما الجزيرة العربية أو مصر أو ليبيا أو العراق وطنهم، فهي جزء من سورية دار أجدادنا العرب الآموريين، ودار الكنعانيين أعداء الصهاينة التاريخيين؛ وهي مستقر عيسى ومسرى محمَّد " ص "، مفتاح أرض الشام؛ وغمد سيف ابن الجراح، وعهدة ابن الخطاب، وبيت فقه ابن إدريس الشافعي؛ مصطاف بني أمية ومشتاهم، وساحة فخر صلاح الدين وجهاده، وضريح القسَّام، والميدان الذي سالت في ربوعه كلها ومن حول ربوعه كلها وباسم ربوعه كلها دماء العرب المصريين والسوريين واللبنانيين والأردنيين والمغاربة والجزائريين والعراقيين في العقود الخمس الأخيرة المنصرمة من هذا القرن العشرين، في الحروب التي دارت من أجل تحرير فلسطين؛ حسب مسميات الجغرافية السياسية الحديثة، جغرافية سايكس / بيكو، التي رسمها الاستعمار الغربي للوطن العربي، وورثها الساسة العرب وكرَّسوها واحتموا بها واستماتوا في دفاعهم عنها؛ ففلسطين لم تكن مسؤولية الساكنين فيها من العرب وحدهم إلا في الوقت الذي بدأت فيه خطوات التصفية المدروسة لما نشأ بسبب احتلالها من قضية كانت قضية قومية مركزية بالنسبة للعرب، وقد تم ذلك بتواطؤ غربي مع بعض العرب، وبتنطُّع فردي من بعض قادة السياسة الفلسطينية، تنفيذاً لخطط مدروسة ومتفق عليها مع جهات من خارج الوطن.‏

وحين نعيد القول بقومية القضية الفلسطينية ومركزيتها الآن فإنما نقول عملياً بضرورة عودة الوعي القومي والمسؤولية القومية والبعد القومي لكل قضية عربية، وبرفض الانطوائية القطرية التي تؤسس لأشدِّ حالات الضعف والمرض والهزيمة عربياً، في هذا الزمان وفي كل زمان.‏

إن المطالبة بالتمسك بالبعد القومي للقضية الفلسطينية، وبالبعد القومي والمسؤولية القومية للصراع الناشئ عنها وبسببها، تعني بالنسبة لنا عودة إلى حقائق التاريخ وأصالة الانتماء وشمولية المسؤولية ومنطق الواقعية ـ نعم الواقعية ـ من جهة، ورفض لكل ما عشش في الرؤوس ونما في الوجدان من " حسنات القطرية ومنطقها وأوهامها "، ولما أسسه الاستعمار وكرَّسه الساسة المرتبطون به، أو الذين أُلزموا بالمحافظة على تركته بشكل أو بآخر؛ وهي دعوة صريحة لعودة الوعي القومي والالتزام القومي والعمل القومي، عودة ذلك إلى الوجدان والفكر والسياسة والشارع في الوطن العربي في هذا الوقت بالذات، حيث تبدو فيه مثل هذه الدعوة نوعاً من الطوباوية والتحليق خارج السرب والتكلم بلغة ليست لغة العصر؛ فأنا أرفض صراحة أن أتكلم لغة ترسمها لنا وسائل الإعلام الصهيونية والأميركية والغربية، ومنطقاً تفرضه القوة الغاشمة وتمليه علينا وتروِّج له سياسات عربية متخاذلة ونظرة يراد لها أن تكون محدودة وقاصرة ومحكومة بالمصلحة القطرية، مصلحة حاكم أو نظام، نظرة لا ترى وجودها النوعي وحضورها الحضاري في وجود نوعي وحضاري للأمة بكاملها؛ إنها دعوة لذلك كله في هذا الوقت بالذات، الوقت الذي يتمخض عن مراجعة منطقية واقعية، أو يستدعيها بشدة ويستشعر أهله ضرورتها بقوة، لعلاقة بناءة بين العروبة والإسلام، القومية والدين، العرب والعالم، الإسلام والغرب؛ عودة واعية لأهدافها ولكل ما يستدعيها ويوجبها، عودة تقوم على الإدراك الجلي لما يجري في العالم من تغيرات تقتضي، بل تفرض، أن تقوم كتلة عربية ـ إسلامية تحمي نفسها وثقافتها ومصالحها، وتقدم فهماً سليماً وصورة صحيحة لعقيدتها وهويتها وتوجهاتها وأهدافها، وتؤسس لتعاون فيما بينها يحقق تقدماً لها، ويتيح تعاوناً موضوعياً بينها وبين القوى والثقافات والتكتلات الاقتصادية والسياسية التي تتكون من حولها وتنمو وتسعى لاستخدام بعض قوتها ضدها ليتم إفناء لقوتها من الداخل، كما تسعى تلك القوى والتكتلات لابتلاع الآخرين ونفيهم ولاكتساح السوق العالمية بشكل عام.‏

ليست القضية الفلسطينية، من منظورنا القومي التاريخي،إلا قضية عربية عامة؛ وهي ليست ملكاً لأهل أوسلو إلا بالقدر الذي تريده لهم الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية ـ راعية الاستعمار الحديث ومنفذة الأساطير الصهيونية في هذا الزمن العربي الرديء ـ ولو لم ينفذ عرفات دوراً يخدم " إسرائيل " ويرضي الولايات المتحدة الأميركية ويحقق مصالحهما، دوراً يحقق إلغاء تاماً للبعد القومي للقضية الفلسطينية، وحصراً للمسؤولية عنها في شريحة فلسطينية محددة لا تملك إلا شغفها بالسلطة ورغبتها في دور ما وأشياء أخرى، ويؤدي وظيفة حيوية في حماية أمن " إسرائيل " وملاحقة المقاومة الوطنية الفلسطينية وعملياتها النوعية ضد العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة وقمع الانتفاضة ومنعها، لو لم يؤد ذلك لما اعتُرف به مفاوضاً ولا ممثلاً للشعب الفلسطيني من قبل الولايات المتحدة الأميركية وممثلي الاحتلال العنصري ـ الاستيطاني ـ اليهودي لفلسطين العربية.‏

ونحن ندرك جيداً كما يدرك عرفات ومن معه جيداً، أنه إذا تلكأ لحظة واحدة في ملاحقة الفلسطينيين الرافضين لنهجه، نهج التصفية والاعتراف بحق تاريخي وشرعي " لإسرائيل " في الوجود والبقاء والتفوق والهيمنة والسيادة والقيادة في هذه المنطقة، لما بقي " رئيساً " ولما وصف إلا بالإرهابي، ولما وطئت قدمه أرضاً أميركية، بَلْهَ البيت الأبيض ومقابلة رئيس الولايات المتحدة فيه؛ وأنه حين يظهر عجزه عن القيام بهذا الدور، أو حين يأتي من يقوم به بأفضل مما يقوم هو به، فسوف يستبدل غير مأسوف عليه.‏

نحن لا نرفض أن يكون للفلسطينيين رئيس كما لكل قطر من أقطار التجزئة العربية ودول " فقس " الاستعمار وتفريخه رئيس، ولكننا نرفض أن يكون لأي رئيس دولة عربية ـ وفي مقدمة أولئك أي رئيس لدولة فلسطين ـ حق إلغاء البعد القومي لأية قضية مصيرية تمس حقاً قومياً يتصل بالأرض والمصير والحقوق التاريخية للأمة العربية، باسم سيادته القطرية، تلك التي لا تترسخ إلا بتدمير الروابط والمسؤوليات والمصالح القومية؛ ونرفض أن يكون لأي رئيس عربي حق تصفية قضايا قومية دفعت أجيال عربية عبر التاريخ دماء وتضحيات جساماً على طريقها، بوصفها قضية قومية عامة.‏

إن داء القطرية الذي يستفحل في هذا الزمن العربي الرديء، ويبيح ـ بحكم الأمر الواقع والوضع الراهن ـ لأي حاكم عربي أن يتحالف مع الشيطان ليحمي نفسه وظلمه ونظامه وأوهامه ومصالحه، ولو دمر بذلك الأمة والوطن والمصالح العليا لأجيال عربية بكاملها، إن ذلك الداء سيفتك بكل المقومات القليلة الباقية للوجود والانتماء العربيين، وسيؤدي إلى تحالفات ذات نتائج كارثية على الأمة العربية ومصالحها وهويتها وثقافتها ومستقبل أبنائها.‏

وحتى لا يستمر التردي والانهيار، اللذين يسارعان خطا السائرين في هذه التوجهات والدروب ويقدمان للسائرين فيها الذرائع والحوافز والمغريات ليَغِذُّوا السير فيها، يتوجب علينا أن نرفع الصوت عالياً برفض التصرف القطري والشخصي بقضايا الأمة المصيرية، تلك التي اكتسبت بالنضال والدم والتضحيات، وبمعطاها التاريخي المستمر، بعداً قومياً وصفة مصيرية.‏

دمشق في 25 / 7 / 1996‏

الأسبوع الأدبي/ع522//25/تموز/1996.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244