|
روجيه غارودي ..أهلاً :
ـ1ـ
البحث عن الحقيقة مهمة شاقة، ومهنة خطرة في كل الأوساط والأزمان والأمكنة، ومن يتعلق بذلك النوع من المهام والمهن يكلف نفسه رهقاً، وحين يضطر لمواجهة كهنة متمرسين في تقديم أنفسهم على أنهم حراس الحقيقة الذين اختارهم " الرب " لهذه المهمة وكلفهم بها، ويقدمون رؤاهم وعقائدهم وإيديولوجياتهم ومصالحهم للناس على أنها نهائية القداسة والصحة والكمال والعصمة، ويعطون لوسائلهم مشروعية خُلُقية، مهما كانت متدنية في سلَّم الأخلاق، لأنها ـ من وجهة نظرهم ـ تشكل دفاعاً عن المقدَّس والخُلُقي والإنساني، وتكتسب مشروعيتها وسموَّها من ارتباطها بأهداف " سامية " ومن سعيها لتحقيق تلك الأهداف ؛ حين يفعل ذلك فإنه يدخل معتركاً خطراً، يشهر فيه " صنَّاع الحقيقة وسدنتها "؟! على كل من يدخل تلك الساحة، خناجرهم والمحرَّم من الأسلحة، ويقتلون دون رحمة وهم محاطون بجمهرة من الأتباع والمريدين المهووسين بهذا النمط من " الأنبياء المعاصرين "، وبأساليبهم في الأداء، يرفعون لهم آيات التقديس التي تزداد سمواً كلما ازدادت درجة الفظاعة والقسوة في الإبادة ؛ وتقديس باروخ غولد شتاين ومئير كاهانا في فلسطين المحتلة أنموذج لذلك.
روجيه غارودي الباحث عن الحقيقة، الناذر نفسه وقلمه للغوص خلف دقائقها، ومن لم يتوقف قلقه النبيل وعقله المتفتِّح عن التبصُّر والتدبُّر والصيرورة، منذ وضع الإنجيل تحت إبطه الأيمن ورأس المال لماركس تحت إبطه الأيسر إلى أن تخلى عن الشيوعية واعتنق الإسلام ـ الذي رأى ويرى فيه دين المستقبل بالنسبة للبشرية ـ روجيه غارودي وضع يده في عش الدبابير " المقدس " مرتين، مرة حين خرج على الشيوعية ولم ير في الاتحاد السوفييتي السابق بلداً اشتراكياً ولا ماركسياً لينينياً، ومرة أخرى حين أنشب مخالبه في عش دبابير أكثر تمرساً بالفتك وأكثر " قداسة"، بتعرضه للأساطير المؤسسة للصهيونية وتجرئه على اقتحام التابو بفتح ملف المحرقة، وبتسجيله اعتراضاً منطقياً علمياً على استمرار الأباطيل والانصياع لمنطق الكذبة المزورين، ودعوته إلى قراءة موضوعية متأنية، على هدي المنطق والعقل والعلم، لتاريخ ووقائع ومعطيات شكلت مواقف وقاعدة لإصدار أحكام وأرضية لتربية في كثير من بلدان العالم، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، قراءة تتم في ظل من الهدوء والمسؤولية الخُلُقية والعلمية والأمن والأمان من جوع وخوف ؛ وقد فاز بالدراسة الرصينة والحجة المنطقية وإعلان الدعوة، وخسر الأمن والأمان، ولاحقته الدبابير الصهيونية والمأخوذون بوهج همجيتها وإرهابها ؛ وروجيه غارودي، المفكر الفرنسي الكبير، بيننا اليوم في دمشق وفي اتحاد الكتاب العرب.
وأنني أرحب بهذا الباحث عن الحقيقة، الناذر نفسه لنورها ونارها، وهو ابن الثمانين الذي لم يعرف عوده اليباس ولا أصاب عقله ومنطقه التحجر، ولم يمنعه الإرهاب الصهيوني من التعلق بالحقيقة والبحث عنها، أرحب به في بلد يعرف هو جيداً عراقته ودوره الحضاري وفضله مثلما نعرف ويعرف انتماءه ومواقفه الثابتة في الدفاع عن الحق والمبدأ والأرض والسلام الحق ؛ ويتعرض جراء تلك المبادئ والمواقف لأشكال من تشويه الصورة وتحريف الغرض وإلقاء التهم، ومنها تهمة الإرهاب ،لا سيما من قبل أولئك الذين عانت البشرية من إرهابهم، ولفظتهم أوربا أكثر من مرة لممارساتهم العنصرية، وغدوا أصحاب الاختصاص الأعلى في التزوير والتزييف والإرهاب وقلب الحقائق وتشويه الوقائع، أولئك الذين يقومون بتصنيع الأكاذيب الكبيرة وحراستها، وبنشر الأساطير القتالة للحقائق وتنميتها، ويستمرون في تغذية الحقد والاستعمار والتوسُّع والنهب، ويغلفون حقدهم العنصري على الشعوب بتعال متغطرس يردُّون مصدره " لربٍ " ,, تعاقد معهم ,, ؟؟ على كره بقية الخلق واحتقارهم واستعبادهم وإباحتهم وما يملكون لهم؟! لقد عانى ويعاني منهم المفكر غارودي معاناة مرة طويلة ومستمرة، ويعرف قدرتهم على التزييف والتحريف والابتزاز، أعني بهم الصهاينة والوحش الفظيع الذي يساندهم ويروُّج لأكاذيبهم، ويصنِّع حقائق العصر ويصدّرها ويجبر الآخرين على تصديقها والعمل بموجبها : الولايات المتحدة الأميركية، أكبر ممارس لإرهاب الدولة، وأول من مارس الإبادة بأسلحة الدمار الشامل في هيروشيما وناغازاكي .
لقد بذل السيد غارودي جهداً علمياً يستحق التقدير لكشف أساطير تعيش عليها الصهيونية، وتبتز باسمها، وتعمل على غرسها بوصفها حقائق في وجدان البشر وذاكرتهم، وتكرِّسها وتنمي تأثيرها من خلال كتب التاريخ وفنون الأدب والإنتاج السينمائي والإعلامي؛ ويبدو أن هذا يشكل فعلاً أكبر سلاح للفتك في الشعوب والدول والأفراد، وأكبر استثمار توظَّف فيه رؤوس الأموال ووسائل المعرفة والاتصال، وأدوات التوصيل والتواصل الإنسانية في العصر الحديث توظيفاً شريراً، كما يشكل أقوى وسائل الإرهاب التي تُمارس على الفكر والسياسة والفن ومجالات الثقافة وميادينها الأخرى، على أرضية مزيَّفة من المعطيات والقيم الحضارية والإنسانية.
وإليكم الصهيونية : الأنموذج الذي يجسِّد هذا النوع من أنواع الاستثمار وينمِّيه ويستغله أبشع استغلال، إنه استثمار يقوم على صنع الأكاذيب الكبيرة وإحاطتها بكتلة من التعاطف الإنساني على أرضية أخلاقية زائفة، ثم تقديمها، بكل الأساليب والوسائل، كحقائق مذهلة لا يرقى إليها الشك، والدخول على أجنحتها إلى كل مجال ممكن من المجالات الحيوية. فبأساطير التوراة والتلمود والمحرقة وإبادة الجنس والملايين الستة من ضحايا النازية المزعومين؛ استطاعت الصهيونية أن تكوِّن تعاطفاً وقوة تسرق بهما وطننا فلسطين، وأن تروِّج في العالم كذْبَة تقول : إن السمسار العقاري الموجود في السماء ـ تعالى الله وجل شأنه عن ذلك ـ قد تعاقد معها وباع لها أرض العرب، وأن تقدِّم للعالم الغربي كذبة " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " وتقنعه بها، وتتواطؤ معه على تنفيذها ؛ كما استطاعت أن تأخذ من ألمانيا ـ باسم الضحايا الذين لا يبدو أن في تاريخ الحرب العالمية الثانية الممتلئ بالبؤس ضحايا سواهم؟! ـ استطاعت أن تبتز منها ما يزيد على أحد عشر مليار دولار أميركي، كانت بالنسبة لها مشروع مارشال في الخمسينات، مكَّنها من إقامة القاعدة الصناعية الأساسية والتأسيس للصناعات النووية ؛ بينما لم يقدم مشروع مارشال لأوربا كلها، المدمرة بفعل الحرب العالمية الثانية، سوى عشرين ملياراً من الدولارات؛ واستطاعت " إسرائيل " أن تأخذ أيضاً خلال النصف الثاني من هذا القرن ما يزيد على سبعة وستين مليار دولار على شكل مساعدات من الولايات المتحدة الأميركية، عدا أشكال الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي الأخرى، وذلك لتحقيق منافع متبادلة، ولابتزاز العرب وإرهابهم ونهب نفطهم وبقية ثرواتهم، وتعطيل نهضتهم؛ وتمكَّنت قبل ذلك كله وفوق ذلك كله من تشويه الحقائق والوقائع، وتخويف الناس، بل إرهاب كل من يحاول تصحيح تلك الحقائق والوقائع وإلقاء الضوء عليها، إرهابه وترويعه وملاحقته وإبادته، روحياً أو روحياً وجسدياً.
وهاهو ملاحقٌ فذٌ أمامنا، يعاني في بلد الحرية والنور، الذي تملك فيه الصهيونية، أو تتحكَّم بما نسبته 80% من الصحافة، يعاني من قانون جائر ـ هو قانون غايسوـ فابيوس الصادر في باريس 13 حزيران 1990، وهو قانون أدخل على قانون الصحافة مادة تحرِّم تصحيح الوقائع وتقديم الحقائق فيما يتعلق بمذابح اليهود ـ جرائم ضد الإنسانية ـ ها هو يلاحَق هو وكتابه وتفكيره وضميره : إنه روجيه غارودي الذي نعتز بمواقفه، ونناصره في كل ما يتعرض له من ظلم وأذى على أيدي الصهاينة ومؤيديهم ووسائل إعلامهم وإرهابهم.
سيد غارودي إننا نعلن وقوفنا إلى جانب موقفك المشرِّف، ونكبر فيك تضحيتك ودأبك وجرأتك في البحث والتصدي، ونعتز بك عقلاً نيِّراً، وموقفاً أخلاقياً مبدئياً، وقدرة على الأداء، وتحيُّزاً للحقيقة المكلفة.
أيها المفكر الذي يرسِّخ شرف الفكر الحر وتقاليده، وروح حرية التعبير وآفاقها وحقيقة كون بحرها بلا ضفاف، ويعيش حالة توق متجدد لحقيقة بلا أقنعة، وحرية بلا ضفاف، وعدالة تنصف الإنسان وترضي الله، وديمقراطية سليمة فيها روح المساواة واحترام الحرية، لا يشوهها الاستعباد، ولا يحكم سدَّتها ويسد أفقها أمام الفقراء والضعفاء قانون الملكية وحجمها، وحد السيف وسلطة القمع، مرحباً بك في سورية مهد الأبجدية، مرحباً بك في اتحاد الكتاب العرب، وتحية لك من كتِّابنا ومثقفينا ومن شعبنا الذي يعرف وجه الصهيونية العنصرية البغيض، ويعاني من ممارسات أولئك النازيين الجدد، الذين يقومون بالمذابح البشعة لترسيخ حضور العدوان والشر والأساطير السوداء في هذه الربوع، ويشوِّهون الرسالات وأرضها، ويتعرضون بالإساءة إلى مقدسات المؤمنين ومشاعرهم، ولا يشعرون برضا " يهوة " عنهم إلا إذا ولغوا في دماء الأمم " الغوييم "، وآخر دماء " غوييم " ولَغوا فيها بكفاءة إجرامية عالية، ووعي كامل لفعل الإجرام وإصرار على فعله، بل باعتزاز بذلك، كانت دماء أهل " قانا ـ لبنان ".
روجيه غارودي.. أيها المفكر الذي يعزز مكانة المنطق في الفكر، ومكانة الفكر في الحياة، وموقع الثقافة في التربية والسياسة، ويُعمِل العقل والنقد فيما استقر وران عليه الماء من وقائع ومسلمات، أهلاً بك في دمشق العريقة، ويسرنا أنك عضو في اتحاد الكتاب العرب تساهم، منذ اليوم، في صلابة موقفة وفي تصديه للعنصرية والتضليل والأساطير المؤسسة لدولة عدوان واستيطان عنصري بغيض، دولة هي حربٌ على السلام وقيم الإسلام، في أرض المقدسات العربية والإسلامية، أرض الديانات السماوية التي بدأت بالموحِّد الأول إبراهيم الخليل، ونشرت رسالة أبنائه ورسل ربه موسى وعيسى ومحمَّد ـ صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً ـ روجيه غارودي : المنبر الحر لك مع التحية وكل التقدير والاحترام.
دمشق في 28 / 7 /1996
ـ 2 ـ
روجيه غارودي نحن معك :
يتسلل السؤال عبر محطات الوعي بخشونة بالغة، رافعاً أشواكه لتملأ الحلق، وتجعل الصوت مشوباً بالاختناق: "هل فرنسا هي التي حاكمت روجيه غارودي، ابن الخامسة والثمانين عاماً، على تفكيره وتعبيره، على إعماله العقل وفق منهج علمي وموضوعية بحث في معطيات ووقائع تاريخية وتوظيفها سياسياً لخدمة عنصرية طغيانيَّة تحترف تزييف التاريخ!؟ أم أن فرنسا وتاريخها في مجال حرية التعبير ومفكريها ممثلين بروجيه غارودي اليوم هي التي تُحاكمَ من قبل الحركة الصهيونية التي فرضت قانون: غايسور- فابيوس في 13/تموز/1990 على الفرنسيين، وهو قانون "يعيد إلى الحياة جريمة الرأي"، ويشيع مناخاً من الإرهاب الفكري في الساحة الفرنسية، و"يعزز عمليات القمع ضد حرية التعبير، جاعلاً من محكمة نورنبرغ معياراً للحقيقة التاريخية " ؛ وهي محكمة عسكرية عقدها المنتصرون لمحاكمة المهزومين!؟!
السؤال المطروح تثيره القضية التي رُفعت على روجيه غارودي أمام القضاء الفرنسي وحُكم عليه من أجلها بغرامة مقدارها عشرون ألف دولار أميركي، وذلك بسبب ما جاء في كتابه: " الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية " من تعرية " لإسرائيل " وتجارتها بالأكاذيب والأساطير.
و" جريمة " غارودي التي أثارت الحركة الصهيونية وأقامت قيامتها ولما تهدأ بعد تتلخص بتشكيكه في الرقم التجاري لضحايا " المحرقة " التي تدرُّ ذهباً على "إسرائيل" وتُستخدم سلاحاً رادعاً ضد كل من يفكر بمعارضة سياستها وإدانة إرهابها والإشارة إلى عدوانها واحتلالها وممارساتها العنصرية ضد الفلسطينيين خاصة والعرب عامة، لا سيما في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان والجولان.
لقد ناقش الرجل بمنطق علمي موضوع غرف الغاز وعدد " الملايين الستة" من اليهود الذين تزعم الصهيونية أنهم قد أبيدوا على يد النازيين، ودعا إلى تصحيح الرقم وتنزيله إلى مليون أو يزيد قليلاً حسب قراءة الوثائق وإعمال المنطق والعلم في المعطيات المادية، وحسب المراجعات التي أخذ بها المسؤولون عن معسكر " أوشفيتز " ذاته وغيروا بناء عليها اللوحة التي تشير إلى عدد الضحايا ؛ ويسلط الضوء على الاستغلال السياسي " للمحرقة " من قِبَل الصهيونية ليصبح ضحايا الحرب العالمية من اليهود هم كل ضحاياها في المحصلة الإعلامية لدى الرأي العام، وليبقى أولئك وحدهم في الذاكرة وفي وسائل الإعلام ويمحى كل من عداهم، ولتتكون من ذلك بالإلحاح والتضخيم أسطورة مرعبة تبتز "إسرائيل" بواسطتها دعماً مالياً وعسكرياً وسياسياً غير محدود، وتستخدمها مع تهمة " معاداة السامية " ضد كل من لا يفكر ويتصرف بما يرضي الصهيونية، وتضفي على احتلالها وممارساتها النازية في فلسطين المحتلة مشروعية تحت مظلة " الكارثة ".
لقد بلغ عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية ما يقرب من خمسين مليوناً ينتمون إلى قوميات وبلدان مختلفة، معظمهم من الروس ؛ وتعرَّض ملايين البشر للاضطهاد النازي من قوميات وبلدان مختلفة أيضاً، كما تعرَّض ألمانً للاضطهاد وحتى للإبادة ـ قصف هامبورغ ودريسدن وتسميم الآلاف من خلال تسميم الخبز وهو فعل قام به اليهود ضد الألمان ـ ولكن ذلك كله ضاع في زحمة استغلال الإعلام الصهيوني لموضوع المحرقة وتركيزه على ما يهمه منه، وتجييره كل ذلك لمصلحته ولخدمة مشروعه الاستيطاني، وقيامه بتصنيع "الأسطورة- الكذبة" وتضخيمها إلى درجة أضحى معها كل ما تم من جرائم نازية وغير نازية بحق الآخرين منسياً والحاضر فقط هو "المحرقة اليهودية" والرقم التجاري : أي " الملايين الستة " من ضحايا اليهود!؟
واستطاعت الصهيونية أن تفرض، منذ ذلك الوقت، حالة من الإرهاب الفكري الفظيع على كل من يحاول إعادة قراءة التاريخ وتصحيح وقائعه ونبش الوثائق السابقة وإعادة قراءتها ثم إعادة كتابة التاريخ استناداً إليها، لاسيما تلك الوثائق والوقائع التي تمت في ظل محاكمة عسكرية قام بها منتصرون : الحلفاء ضد مهزومين : الألمان، وشُكِّلت من عسكريين بعد يومين من انتهاء الحرب، وقامت بعملها ذاك في ظل أجواء مشحونة بأجواء الحرب وبالحقد والانفعال، وتحت تأثير خمرة النصر ونشوته، واستناداً إلى معطيات ومعلومات غير مدققة تماماً، وبناء على اعترافات انتزعت تحت التعذيب، وفي غياب معلومات مؤكدة وحقائق وشهود.
إن غارودي، الذي عانى من النازية، لم ينف ما تعرض له يهود من تعذيب وإبادة، ولا ما قامت به النازية من ممارسات وحشية ضد الآخرين، ولكنه أراد أن يساوي بين عذاب البشر، وأن يفحص المصير الإنساني في ظل الشرط الإنساني الذي ينبغي أن يحكم البشر كافة ويطبق عليهم في إطار من المساواة ؛ وقد دقق في حجم الخسائر البشرية من اليهود، وفحص شهادات وملفات واستفاد من جهد من قام بفحصها على أسس علمية، وراجع أرقاماً ووقائع وتوصل إلى استنتاجات في ضوء العقل والمنطق والعلم، وقام بمقاربة أو مقارنة بين ما جرى لليهود وما قام به النازيون من ممارسات وحشية ضد الآخرين من جهة، وبين ما يقوم به الوحش الصهيوني اليوم من ممارسات عنصرية وعدوان أسود ضد الفلسطينيين جهة أخرى، وما ارتكبه ويرتكبه الصهاينة من مذابح وجرائم ضد الإنسانية ـ دير ياسين، كفر قاسم، قبية، اللد، القدس والمسجد الأقصى، صبرا وشاتيلا، الحرم الإبراهيمي في الخليل، قانا ... إلخ ـ وما تقوم به إسرائيل والحركة الصهيونية، اللتان تجسدان ذلك الوحش العنصري، من إرهاب للآخرين يرعاه الولايات المتحدة الأميركية وتموله وتسكت عليه وتدافع عنه باسم عذاب اليهود!؟
ولأنه فعل ذلك، ومسَّ أسطورة من الأساطير المؤسسة لسياسة الاستعمار والابتزاز والاضطهاد، توجب عليه أن يدفع الثمن تحت اسم معاداة السامية، والتشكيك بالمحرقة!؟
إن هذا الوضع يستدعي وقفة مسؤولة مع ما يجري في المجتمعات الغربية سواء في أوربا أو في الولايات المتحدة الأميركية، تلك التي تصهينت أو سيطرت على مفاتيح الرأي العام فيها الحركة الصهيونية ورؤوس الأموال التي تملكها، ووسائل الإعلام التي تحركها. وأصبحت تهمة "معاداة السامية" أفظع أداة إرهاب في عالم اليوم في المجتمعات الغربية، ووصلت الصهيونية إلى سن قوانين تلزم المجتمعات الغربية بتشويه صورة الحرية والعقل والفكر وحقوق الإنسان حين يتعلق الأمر باليهود وبأساطيرهم الممتدة من "الوعد الإلهي"
إلى "المحرقة " ومن يشوع بن نون إلى باروخ غولد شتاين.
وهذا هو قانون "غايسور- فابيوس"، الذي أوحت به واقترحته أصلاً " إيباك " ـ منظمة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية في الولايات المتحدة الأميركية ـ وهو القانون اليوم في فرنسا، خير دليل على ذلك، حيث يحاكم كل من يقوم، ولو على أرضية العلم والمنطق، بمراجعة للتاريخ والوقائع والحقائق والاستنتاجات المتصلة باليهود والحركة الصهيونية، وكل من يفكر بمس ممارساتها وإعلان موقف من تلك إنساني الممارسات.
لقد دفع الألمان لإسرائيل أكثر من أحد عشر مليار دولار أميركي تعويضاً عما أصاب اليهود، وتم ذلك في الخمسينيات من هذا القرن، وهو المبلغ الذي بنى مؤسسات "إسرائيل" الضخمة وترسانتها النووية وصناعاتها العسكرية، التي تجني اليوم ثمرات إقامتها: قوة ومالاً وتفوقاً تقنياً، وكان هذا المبلغ قريباً من المبلغ الذي خصصته الولايات المتحدة لمشروع (مارشال) بعد الحرب العالمية الأولى لإعادة بناء أوربا المدمرة جراء الحرب ـ عشرون مليون دولارً أميركي ـ ولم يكن ما حصلت عليه إسرائيل من ألمانيا الغربية آنذاك هو المبلغ الأخير والابتزاز الأخير.. فسلاح "المحرقة" وسلاح "الملايين الستة" والترحيل، ومعاداة السامية، والجرائم "ضد الإنسانية" ما زالت هي المسلطة على رقاب الألمان والشعوب الأوربية في ظل غياب الوعي أو تغييبه، وفي ظل السيطرة الصهيونية على تكوين الذاكرة والوجدان في تلك المجتمعات بأشكال مختلفة. وما علينا إلا أن نتذكر ابتزاز الصهيونية للبنوك السويسرية وللحكومة الإيطالية اليوم التي ستدفع أكثر من مليار دولار لإسرائيل تعويضات عن تأمينات " كانت " لليهود، والدور قادم على مؤسسات التأمين الأوربية.
لقد هز غارودي عدوانُ "إسرائيل" على لبنان عام 1982 وأصدر مع آخرين بيان إدانة له، ومنذ ذلك الوقت وحتى يوم الناس هذا وهو ملاحق من الصهيونية بأشكال مختلفة، ومطلوبة حياته وكرامته وحريته اليوم فهل يصمد وحده، أو هل يصمد من يقفون وحدهم ضد الصهيونية وأدواتها والتنظيمات الرديفة التي كانت وما زالت في خدمتها، وهي اليوم ازدياد واتساع نفوذ؟!
إن هذا الوضع يستدعي موقفاً جماعياً من قبل مثقفين ومؤسسات مسؤولة عن حقوق الإنسان وحرية التعبير في العالم أجمع، لتضع حداً لتزييف الحقائق والوقائع، ولتشويه الحقوق والقوانين والحريات العامة، ولتضع حداً لملاحقة من يصدعون برأي حر في مجتمعات مسلوبة الحرية أو مشوهة الأداء في أجواء حرية شكلية يصنعها المرابون والإرهابيون، الذين يحسنون تغطية أنفسهم وتمويه مخالبهم المغروسة في قلب الحقيقة وقلب الحرية وقلب الإنسان.
لقد تعرضنا نحن العرب للكثير الكثير من العنت والتقريع والاضطهاد والملاحقة والابتزاز على يد الصهاينة والمتصهينين من الغربيين وأتباع أولئك وأدواتهم أو مخالبهم من أبناء أمتنا، المتغربين أو المتصهينين!!
وقد كان الغرب وما زال يتهمنا بالإرهاب حين نقوم بحقنا المشروع في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وحين نقف في وجه أطماع الاستعمار ومخططاته ؛ وتنفتح في وجوهنا براكين جهنم حين نعمل على حماية قيم مجتمعنا وهويتنا القومية وثقافتنا وأصالة عقيدتنا وأصولها ؛ ولا يسمح لنا أبداً بأن ندافع عن أنفسنا في وجه الوحش الصهيوني الذي يجلله الغرب بمسوح البراءة الملائكية ويسبغ عليه عطفاً مستقى من "المحرقة" والترحيل والتربية التلمودية ؛ وهو لا يكتفي بإجهاض دفاعنا أو منعه وإنما يذهب إلى اتهامنا وتشويه صورتنا وانتزاع حقوقنا، تحقيقاً لأهداف مشتركة يلتقي فيها مع الصهيونية وخوفاً من أن تتهمه الصهيونية بالتقصير في دعمها، أو تواطؤاً معها، أو تنفيذاً لخطة استعمارية مشتركة ترمي إلى القضاء على وجودنا الحي واستلاب إرادتنا وقرارنا ونهب أوطاننا.
ومعظم معاركه ضدنا تخاض على اسم " الديمقراطية " والتقدم وحقوق الإنسان واحترام الحقوق والحريات..الخ ولنا أن نسأل اليوم أين هي في العمق: الديمقراطية الغربية التي أقرت قانون: غايسور- فابيوس، الفرنسي أو قانون (داماتو) الأميركي؛ وأين هي حرية التعبير التي لا تسمح لمفكر بحجم غارودي بمراجعة علمية لوقائع تاريخية وخرافات صهيونية، وتمنعه من ذلك بإرهاب مقونَن تحت عنوان "معاداة السامية- والجرائم ضد الإنسانية"، بينما تسمح لسلمان رشدي ومن هم على شاكلته بتشويه صورة عقيدة ونبي ومجتمعات يعد أفرادها بمئات الملايين؟! أين هو المنطق والعقل العلمي والموضوعية واحترام الحقوق، والديموقراطية، في موضوع مثل موضوع روجيه غارودي مثلاً وفي فيض من المواضيع التي أقام الغرب المتصهين الدنيا علينا ولم يقعدها بحجة الدفاع عن حرية من يريدون تخريب قيمنا ومجتمعاتنا وتزوير تاريخنا واتهام ذلك التاريخ كله، وإظهار حضارتنا بمظهر زائف ومشوه؟!
إن الغرب في قفص الاتهام على نحو ما، وكل تلك الشكليات التي تطفو في الإعلام من آن لآخر لا تعبر عن حقيقة ما يحكم الغرب من صهينة وخرافات وأساطير ومواقف مسبقة وحقد تاريخي ضدنا الأمة العربية والإسلام بشكل خاص، وضد كل يقظة من أي نوع في هذا الاتجاه.
إن البيت الحضاري الذي تبنيه الصهيونية أو تشرف على إدارته سواء كان: أبيض أو أحمر أو ما بينهما سيبقى يحمل لون الصهيونية بالدرجة الأولى ـ كان رئيس وزراء روسيا الاتحادية الأخير كيرينكو يهودياً يحمل جواز سفر إسرائيلي ويمارس ازدواجية الانتماء وهذا هو شأن مسؤولي الإدارات الأميركية المتعاقبة تقريباً وشأن رجال الكونغرس ـ وهو لون الحقد العنصري والدم الذي يروي "يهوه" رب الجنود ولا يرويه سواه، ذاك الذي يتشمم دم الغوييم في أرجاء الأرض، ولا تريحه إلا المذابح التي يجسدها أتباعه العصريون: بن غوريون- وبيغن- وشامير- وشارون ـ وباروخ غولد شتاين الذي يسمونه "باروخ البطل" في نصب على مدخل "كريات أربع" قرب الخليل- وكاهانا حي- وصاحب "قانا" شمعون بيريس- والعنصري التاريخي نتنياهو.
إن محنة غارودي اليوم هي محنة فرنسا الأنموذج والفرنسي الحر، وهي محنة الألمان الذين يحتاجون إلى معالجة نفسية شاملة من عقدة الذنب، التي عقدت ألسنتهم وشلت عقولهم حيال كل ما يتصل "بإسرائيل" والصهيونية وجعلتهم يقدمون الهدايا المتصلة من الغواصات النووية إلى ملايين الدولارات على مدى عقود من الزمن، من دون أن يُغفر لهم!؟ إنها محنة عصر تسيطر فيه الصهيونية على مفاتيح إعلام وسياسات واقتصاد ومصارف، وتمارس فيه أساليب النازية المكروهة ذاتها مع فارق أساس في النظرة والحكم والنتيجة، فالأولى يُحكم عليها والثانية يُحكم لها. والتماثل قائم إلى درجة المطابقة المذهلة بين النازية والصهيونية مع فارق رئيس هو: تاريخية العنصرية في الصهيونية، وحقدها المستمد من عقدة تلمودية ثابتة أصبحت عقيدة مقدسة، حيث لا يبدو ما تمارسه معبراً عن مرحلة أو حالة استثنائية أو قرابة مرَضيَّة، وإنما عن اعتقاد وثقافة وتاريخ ممتد من مذبحة أريحا إلى مذبحة قانا، مع استمرار مستقبلي يرتبط باستشعار التفوق العرقي- العنصري، والأهلية الممنوحة لهم "إلهياً" باحتقار الآخرين واستباحة دمهم وحقوقهم وأراضيهم وأعراضهم.
يقول مؤرخ يهودي هو زيمرمان" ثمة قطاع كامل من السكان اليهود لا أتردد في تعريفه على أنه نسخة من النازيين الألمان.. انظروا إلى أولاد المستوطنين اليهود في الخليل.." وإذا كان زيمرمان لم ير إلا هذه العينة الشاذة ليعبر من خلالها عن "موضوعية" مستحبَّة فإن عليه أن ينظر إلى نسبة 56 % من الناخبين الذين قدموا للعالم نتنياهو، وإلى رحبعام زئيفي الذي يقول بطرد جميع الفلسطينيين وترحليهم متيمناً بأساتذته النازيين الذين رتب معهم الصهاينة موضوع "ترحيل اليهود" ليصلوا إلى فلسطين العربية مستعمرين، وكان من بين الصهاينة الذين نسقوا مع النازية وتعاونوا معها في كل شيء : رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق الإرهابي اسحق شامير، وهو الإرهابي المحكوم دولياً بممارسة الإرهاب مع مناحيم بيغن، وكل منهما أصبح رئيساً لوزراء الكيان الصهيوني، وكل منهما زار الولايات المتحدة الأميركية التي تزعم أنها تكافح الإرهاب، ولقي هناك ترحيباً ودعما لإرهابه وممارساته الإرهابية بلا حدود!؟!.
إن قضية غارودي تطرح موضوع العنصرية الصهيونية وسيطرتها، وموضوع التصهين الغربي ومخاطره؛ إنها قضية سلامة مجتمعات وقوانين وقيم وتوجهات تسعى الصهيونية لتخريبها وتلغيمها خدمة لمصالحها، وعلى من تعنيهم سلامة المجتمعات وسلامة القيم الإنسانية والقوانين أن يعالجوا هذا الموضوع بشكل جذري من خلال موقف مشرِّف مسؤول مع غارودي الفرنسي، أو فرنسا الغارودية.
إننا حين نناصر هذا الرجل روجيه غارودي وقضيته ومواقفه، فإنما نفعل ذلك لنعبر عن تقديرنا له ولفكره وشجاعته الأدبية ومنزلته الثقافية العالمية، ولنعلن وقوفنا إلى جانبه وشجبنا للعدوان الذي يتم على حرية التفكير والتعبير من خلاله ؛ ولنعلن إدانتنا للصهيونية وعنصريتها ،ولقانون فابيوس ـ غايسور الفرنسي الذي كانت الصهيونية وراء إصداره وتطبيقه.
الأسبوع الأدبي/ع523//1/اب/1996.
|