|
الثقافة العربية والتحديات المستجدات السياسية والموقف الثقافي منها
نتطلع بأمل إلى أن تتعمق علاقة جدلية سليمة وصحية ومفيدة بين السياسة والثقافة في الوطن العربي، يستطيع فيها الثقافي أن يبدي رأياً مسؤولاً ويقدم اجتهاداً مقبولاً في التوجهات والقرارات والممارسات السياسية، ويكون له من بعد ذلك أمن من جوع وخوف، وحضور في ساحة القرار السياسي؛ وأن يتمكن السياسي من التعامل بموضوعية مع ما يقدمه الآخر الشريك في المواطنة والعيش والمصير والمعاناة والنتائج، الناشئة عن كل فعل سياسي يمارس وعن كل قرار سياسي يتخذ، بمعزل عن المواطن وإرادته الشرعية في حالات كثيرة.
وحين تقدم الثقافة رؤية سياسية مسؤولة من موقعها فقد تكون أقرب إلى الثوابت المبدئية والأخلاقية والتاريخية للأمة من جهة، وبعيدة عن بعض الوقائع والمعطيات وعن ممارسة فن الممكن باقتدار السياسي المحنك من جهة أخرى، ولا بد، والحالة هذه، من أن تكون رؤية الثقافة مشوبة عندئذ بكثير من التطلعات والطموحات والأحلام التي تجعل تلك الرؤية مثلومة بالمثالية، ومحكوماً عليها بالبعد عن الواقعية وعن إمكانية التحقق، ولكنها مع ذلك تشد النظر إلى الشخصية العامة للأمة بمقوماتها الرئيسة، وإلى حقوقها في الإطار التاريخي والاجتماعي العام، وتشتد في التعبير عن السمات والخصائص والتطلعات العامة للشعب، تلك التي تكرست من خلال نضال وتضحيات ودماء، ومراجعات طويلة على أرضية الواقع والوقائع، وصراعات وحوار عبر الزمن، مع الذات والآخر، وأصبحت جزءاً من الهوية والخصوصية والوجدان الشعبي والمزاج الشعبي في آنٍ معاً.
والسياسة ترى إلى ذلك من موقع مغاير هو موقع المفيد والممكن ـ النافع والمتحقق ـ في ظل توازنات القوة والمصلحة في وقت واحد، وقد تكون رؤيتها مثقلة بالشخصي والآني وتفاصيلهما ومعطياتهما، ومشوبة بما يداخل الفعل السياسي عادة من مؤثرات يصنعها المناخ العام، وتتأثر كثيراً بالتسميم الإعلامي والمخابراتي المقصود، الذي قد يخلق حالة من عدم توازن القرار المتخذ في ظلال الضغط والخوف والتشبث بالموقع أو بالرأي أو بالمصلحة الضيقة، وكل ذلك يتفاعل في النهاية، ويساهم في صنع القرار السياسي، الذي قد يأتي مثلوماً هو الآخر على نحو ما؛ وقد يستفيد السياسي من المعطى الثقافي والموقف الثقافي المتحرر نسبياً من التزامات السياسي، إذا ما أخذه من زاوية ما يقدمه ذلك المعطى للسياسة، وبالتالي للوطن، من فائدة؛ على أرضية الإخلاص، ومن موقع الحرص والشراكة في المسؤولية عن الأرض والمصير ونوع الحياة المنشودة ومستواها في الوطن. ولا يعني هذا أن الثقافي مبرأ من عيوب الهوى والمصلحة والموقع الذي ينظر منه أو الموقع الذي ينظر إليه، أو الارتباطات التي قد تحكمه، ولكنه لن يكون بلا معطيات وبلا ظلال رؤية مفيدة بشكل مطلق.
ولأن السياسة فعل حياة وفعل في الحياة، يؤثر بقوة وشمول في تكوين الناس وشؤونهم وعلاقاتهم ومصالحهم ومستقبلهم ـ وأحياناً في مصيرهم ووجودهم ذاته ـ كما يؤثر في وطن أو أمة أو منطقة من العالم، أو في العالم أجمع في بعض الحالات، فإن تأثر ذلك الفعل ـ السياسة ـ بالمتغيرات شديد وتأثيره على الناس والمتغيرات شديد أيضاً؛ ولا يمكن لسياسة ما أن تغلق على نفسها وعلى الناس في مساحة نفوذها الأبواب وتسد المنافذ التي تهب منها رياح التنوير والتأثير والتغيير، فسياسات الجدران الحديدية الكتيمة تهاوت ولا أظن أنها يمكن أن تعود أو تتجدد أو تصمد في عصر المعلوماتية المذهلة، والعالم القرية، والأقمار الصناعية، والصواريخ العابرة للقارات، وأسلحة الدمار الشامل، وإمكانيات نقل قوات مقاتلة لخوض حرب من بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية إلى مواقع النفط في الخليج العربي خلال مدة أربعة أيام، بعد أن كان ذلك يحتاج إلى أشهر قبل أربع سنوات ؟!؟
الثقافة والسياسة إذن هما في موقع التواصل والتكامل والمسؤولية والتأثر والتأثير، أكثر من أي وقت مضى في هذا العصر، وفي ظل معطياته وتقنياته وظروفه وتحدياته؛ فهل تقوم جراء ذلك وبفعله وتحت ضغط واقعيته، علاقة جدلية سليمة وصحية ومجدية بينهما، هدفها خدمة الحق والإنسان والحضارة والحياة، لا سيما في وطننا العربي وعلى أرضية المعطيات والمتغيرات الكبيرة والكثيرة فيه، والتحديات التي يواجهها في المرحلة الراهنة المقلقة والمرهقة والممتلئة بالمخاطر، والحبلى بكل أنواع التوقعات؟! إن ذلك مطلب وأمل وواقع في آن معاً، ولكن طرحه يرمي إلى إلقاء مزيد من الضوء، وتحقيق قدر أكبر من التواصل البناء بين جهات مسؤولة وفاعلة، في ظروف موضوعية، بغية الوصول إلى نتائج أفضل في كل المجالات والمستويات.
في الوطن العربي، لا سيما بعد حرب الخليج الثانية، ومؤتمر مدريد، واتفاقيات أوسلو ووادي عربة، وطرح المشروع الشرق أوسطي، وسقوط متبنيه سياسياً وغرقه في دماء الأبرياء في " قانا " ليخلفه اتجاه أكثر غطرسة وأشد إرهاباً ودموية وعنصرية يجتاح فلسطين المحتلة، وبعد عقد قمة شرم الشيخ، ثم قمة القاهرة العربية الأخيرة، وبعد معطيات سياسية ومتغيرات دولية وعربية، اقتصادية واجتماعية وإيديولوجية وثقافية كثيرة وكبيرة، على رأسها انتعاش نظرية اقتصاد السوق وانتشارها، وانهيار نظريات اقتصادية وسياسية شمولية أخرى كانت تزاحم بقوة وتتحدى بشراسة وتدعى احتكار العلم الكلي والصوابية المطلقة؛ أقول: في الوطن العربي، وفي ظل كل ذلك، تتعاظم معطيات ومستجدات سياسية تطرح نفسها على الثقافة، وتطرح عليها أسئلة، وتنتظر منها أجوبة وآراء ومواقف.
فما هي أهم المستجدات السياسية التي تطرح نفسها على المنطقة وتشهر تحدياتها بوجه الثقافة العربية وأهلها بشكل خاص، وتتطلب من أهلها رأياً واضحاً وموقفاً مبدئياً صلباً ؟!
أهم المستجدات وأبرزها ـ بتقديري ـ تلك المتصلة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني المنبثق منها والمستمر بسببها، وهذا الموضوع يكاد يكون منبع الموضوعات الأخرى والمستجدات الكثيرة الضاغطة، لأنه الموضوع الأساس الذي تدور حوله السياسات في هذه المنطقة من العالم منذ عدة عقود، وما زال يستقطب الجهد السياسي ويوجهه ويحكمه ويحكم عليه وعلى أهله، ويستحوذ على الاهتمام الثقافي ويضع الإنتاج والأشخاص والتوجهات في الميزان الذي يمسكه بيد تمتلك حساسية الجماهير العربية وحسها القومي والأخلاقي، لأنه الموضوع الذي يؤرق وجدان الأمة، ويكثف التحديات المطروحة عليها، ولأنه المؤثر بقوة في وجودها ومستقبلها في هذا العصر. وعلى جذع هذا الموضوع تنبت الأسئلة حول المستجدات التالية التي يمكن وضعها في محاور عامة، والوقوف عند كل منها وقفة عامة أيضاً، حسبما يسمح به الوقت والمقام :
1 ـ عملية السلام: مدلولها ـ مفاوضاتها الثنائية والمتعددة ـ مصيرها ـ وما يترتب عليها، والموقف الثقافي منها مرحلياً ومبدئياً، ومن الموقف السياسي العربي فيها .
لم يكن لمؤتمر مدريد، الذي بدأت منه عملية السلام، أن ينعقد، ولعملية السلام ذاتها أن تبدأ بين العدو الصهيوني والأطراف العربية، لولا حرب الخليج الثانية والانهيار الذي حدث في العلاقات العربية ـ العربية؛ ومن المعروف أن ذلك تم على أرضية المتغيرات الدولية التي أدت إلى انهيار حلف وارسو، وتمزق الاتحاد السوفييتي، وتراجع النظرية الماركسية ـ اللينينية، أو سقوطها عند من يحبذون استعمال هذا المصطلح في التعبير عما حصل.
وانتقلت السياسة العربية بشكل عام، على أرضية قمة الدار البيضاء، التي قالت بالحل السلمي للصراع العربي الصهيوني وتبنت النقاط الثمانية ـ إطار مشروع فهد، ولي العهد السعودي آنذاك ـ انتقلت إلى تجسيد مقررات تلك القمة والسير على نهج موافق إلى حد كبير لنهج كامب ديفيد بعد مؤتمر مدريد؛ واضعة في الاعتبار حلاً للقضية الفلسطينية وإنهاء للصراع العربي ـ الصهيوني الذي نشأ بسببها، يقوم على أساس قرارات مجلس الأمن الدولي 242، 338، ومبدأ الأرض مقابل السلام؛ ثم أضافت إلى ذلك، نتيجة المفاوضات الثنائية والمتعددة، والصراع الدامي الذي ما زال مستمراً في جنوب لبنان جراء احتلال الكيان الصهيوني لذلك الجنوب، أضافت إلى مرجعياتها القرار 425. وهذه الثوابت السياسية العربية، التي كثيراً ما ينتهكها العدو، ويتجاوزها بتواطؤ كيدي مع بعض الأقطار العربية ضد أقطار عربية أخرى أحياناً، تؤدي في إطار تطبيقها النهائي ـ على أرضية الاحترام التام لها ـ إلى:
* اعتراف بحق تاريخي " لإسرائيل " في الوجود، وإقامة دولة عبرية على حساب فلسطين العربية والحق التاريخي الذي للعرب فيها؛ والنظر إلى اليهود المجلوبين إلى فلسطين المحتلة على أنهم شعب أقامته الصهيونية من الموت على أرضية التلمود والقومية، وأعادته إلى " أرضه التاريخية، أرض الميعاد؟! " ليقيم فيها وطناً على حساب عرب كان لهم فيها وطن؛ وليصبحوا، باعتراف دول المنطقة والأمة العربية وأقطارها وأنظمتها، وفي المقدمة من أولئك يأتي الفلسطينيون، بما يمثلون من خصوصية حق، وخصوصية نضال، وخصوصية انتماء إلى فلسطين؛ دولة كاملة الحقوق والصلات الطبيعية في المنطقة؛ وقد حققت اتفاقيات أوسلو خطوات على تلك الطريق اعتبرها العالم نهائية. وبهذا تعطي السياسة العربية، المحكومة بالضعف والفرقة والمتغيرات السياسية الدولية، وبولاء الكثير من أنظمتها وحكامها للدولة الأعظم ـ الولايات المتحدة الأميركية ـ تعطي " لإسرائيل " حقاً لا تملك أن تمنحها إياه، لأنه ملك الأمة التاريخي وملك أجيالها القادمة؛ والسياسة العربية تمنح ذلك خوفاً وخضوعاً ومراعاة للسائد من قوة البطش الأميركية، التي غدت تسيطر على سياسة هذه المنطقة من العالم، وتسيرها بالقوة عند اللزوم، لما فيه خدمة المصلحة الصهيونية " وإسرائيل"، تلك التي بلغ نفوذها في الولايات المتحدة الأميركية حداً جعل أحد أعضاء الكونغرس الأميركي يقول: " إن الكونغرس أرض محتلة من قبل "إسرائيل"، ويمكن أن نضيف إلى ذلك: و العالم كله يدرك معنا بالضرورة حقيقة أخرى، تكرست في إطار المستجدات السياسية الدولية وسيادة الدولة الوحيدة القطب، وهي حقيقة " أن مجلس الأمن الدولي أرض محتلة من قبل الولايات المتحدة الأميركية. " .
وعلى هذا فإن العملية السلمية، عند نجاحها النهائي، وبالشكل الذي تتطلع إليه الأنظمة العربية وترتضيه، وما أكدته القمة العربية الأخيرة في القاهرة، ستؤدي العملية أيضاً إلى تكريس الوقائع الآتية المقبولة من السياسة العربية، والمعترف بها رسمياً من قبلها:
* استمرار نزوع دولة عبرية ذات مشروع توسعي صهيوني، تسيطر على معظم أرض فلسطين التاريخية، استمرار نزوعها إلى التوسع على أرضية انتمائها، في جغرافيتها السياسية، إلى المنطقة، وتكليفها بتحقيق وعد " الرب " لها؛ وتمتعها باعتراف عربي يؤكد حقها في الوجود والبقاء، وفي أنها جزء من النسيج الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي والأمني للمنطقة، وينبغي التعامل معها على هذا الأساس، وتمتعها فوق ذلك كله وقبل ذلك وبعده، بالتفوق العسكري على العرب والمسلمين مجتمعين، وهو تفوق لا تسمح الدولة الأعظم والدول المتعاونة معها بأن يختل لصالح العرب والمسلمين أبداً، لأن مصالحها في هذه المنطقة تقتضي خلق ودعم دولة تقوم على أساس امتلاكها مشروعاً توسعياً " مباركاً من الرب " وموعودة هي به من دون الخلق، وملزم به وبتأييد كل ما يقوم به من ممارسات، كل من " يؤمن " بالمسيح وبوعد الرب، على الطريقة الأسطورية ـ الخرافية ـ التلمودية ـ العنصرية المشوهة، التي تقدمها الصهيونية وتروجها، وتبتز العالم باسمها وباسم آلام اليهود، وإلا فالتهم كثيرة، وعلى رأسها معاداة الساميَّة !؟!
* بقاء ملايين من الشعب العربي الفلسطيني خارج وطنه، محرومة من حق العودة إلى ذلك الوطن؛ وهو الحق المعترف به دولياً، والمنصوص عليه حرفياً في قرارات الأمم المتحدة، والموقوف التنفيذ منذ عقود من الزمن ـ لأن قرارات الأمم المتحدة غير ملزمة لمن لا يلتزم بها ـ لصالح يهود يهجَّرون من أوطانهم بدوافع عنصرية واستعمارية واعتقادية ـ خرافية ـ أسطورية، ليتخذوا من وطن الفلسطينيين وطناً لهم، بحجة أن أحد أجدادهم(؟؟!) مر بهذه الأرض أو حلم بها قبل ثلاثة آلاف سنة، بينما الذي يعيش فيها منذ نيِّف وستة آلاف سنة واستمر بالعيش فيها إلى أن طرد منها بالقوة القهَّارة، قبل خمسين أو ثلاثين من السنين، وما زال يتطلع إلى العودة إليها، ويقدم ضريبة الدم، ويعيش من دون وطن؛ ينبغي أن يحرم من حقوقه البشرية والتاريخية والقومية والإنسانية والخُلُقية؟!
* قيام حالة من التهديد وعدم الاستقرار والهيمنة والنهب والقمع، تقوم بها القوة التي يُراد لها أن تكون القوة الوحيدة المتفوقة والمهيمنة والمتوسعة على حساب حياة الآخرين وأرضهم ومستقبل أجيالهم وسعادتهم ومكانتهم بين الأمم والشعوب.
ولما كانت السياسة العربية تتعامل مع موازين قوى ومتغيرات سياسية تضع الحق بيد القوة، وهي لا تملك الآن قوة تقيم بها الحق، وحقها من دون صوت وربما من دون لسان فكيف يُسمع أو يُصان، فإن من حق الثقافة العربية ومن واجبها، وهي التي تنتمي إلى الحق والعدل والثوابت التاريخية والخُلُقية والإنسانية، وتعبر عن شخصية الأمة وحقوقها، من حقها بل من واجبها أن ترفض ما يُجبر السياسي على قبوله، فما يلزم السياسي لا يلزم الثقافي بالضرورة، وأن تحافظ على الحق التاريخي للأمة حياً ومؤثراً في الذاكرة والوجدان على المستويين الفردي والجماعي، وأن تصنع الوعي وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة، وأن تغذي إرادة الشعب بما يقوي إيمانه بنفسه وبحقه ومستقبله، وأن تلتزم بالدعوة إلى تربية ومعرفة وقيم ورؤية تكون قادرة على المساهمة الفعالة في تكوين الإنسان تكويناً علمياً وروحياً وعملياً عالياً يجعله قادراً على الوقوف إلى جانب الحرية والعدالة الإنسانية وحقوق الشعب، وقادراً على انتزاع تلك الحقوق وفرض احترامها، مهما طال الزمن واشتد الضغط، واختلت الموازين، وتشامخ ظلام الوقت وظلم الطغاة. وعلى هذا فالثقافة العربية مطالبة برفض الخيار السياسي العربي الذي لا يحقق العدل ولا يعيد الحق؛ وهنا نتحدث عن الجانب الذي يهم الثقافة العربية بالذات وعن موقفها من قرار غير عادل ـ قرار الاعتراف بدولة " إسرائيل " ـ وهو قرار يؤدي في نهاية المطاف إلى زوال فلسطين لصالح قيام " إسرائيل "، واستمرار تشرد الشعب الفلسطيني ومعاناته، لصالح راحة العنصريين الصهاينة المجلوبين إلى فلسطين المحتلة وسعادتهم وأمنهم، ولصالح الاستعمار الغربي الذي يهتم أولاً بتحقيق مصالحه على حساب نهب الآخرين وتعاستهم.
من هنا، واستناداً إلى كل ذلك الرصيد من المعطيات والحقائق والثوابت المبدئية والتاريخية والخُلُقية، وتشبثاً بالدور المنقذ الذي للثقافة العربية في هذه الظروف، وأداء للرسالة والمسؤولية المناطتين بها وبأهلها، فإن من واجبها أن ترفض كل شكل من أشكال الاعتراف " بإسرائيل " وكل شكل من أشكال تطبيع العلاقات معها، وهو ما ستسفر عنه عملية السلام، والجهود السياسية العربية الراهنة؛ وعلى الثقافة أن تتجه بأمل وثقة إلى المستقبل وإلى الأجيال القادمة، وأن تراجع نفسها وأساليبها وأدواتها وخطابها لتكون قادرة على إكساب " لا " التي تقولها معنى ومصداقية، ولتصل من بعد إلى تحقيق أهدافها ولو بعد قرن من الزمان.
الثقافة العربية في هذه الحالة حامل وعي معرفي وتاريخي، وحامل حقيقة ورسالة عادلة، تريد أن تنقلها من زمن غطرسة القوة وضعف الحق بضعف أهله، إلى زمن تعمل على أن يقوى فيه الحق بقوة الوعي الذي يرفع شأن أهله، ويقيم تقدمهم وتضامنهم، زمن تتراجع فيه الغطرسة أمام قوة المنطق والوعي والعدل والحق والشعب. وقد تصطدم الثقافة مع السياسة في توجهها هذا، لأن السياسة العربية لم تعتد على سماع من يرفع " لا " في وجهها؛ ولكن شرف موقف الثقافة وصحة ذلك الموقف، وقدرته على الاستشراف والمستقبلية وتحمل المسؤولية التاريخية وتغيير المستقر في الواقع والراكد في الذهن، كل ذلك يستدعي أن تعلن موقفها وتدافع عنه، وأن تتحمل تبعات ذلك، وأن تكوِّن جبهتها القوية العريضة وتخوض معاركها العادلة والحاسمة، وعليها من أجل ذلك أن تتخلص من كل أشكال التلوث والتردد والتبعية والخوف والوهن، وأن تمتلك نور الوعي والمعرفة وقدرتهما بثقة واقتدار، وأن تستخدم كل ذلك بشرف وحكمة وحنكة واقتدار أيضاً.
2 ـ قومية القضية الفلسطينية، والبعد القومي للمسؤولية في كل من الحل واستمرار الصراع، والموقف الثقافي من المواقف السياسية في الاتجاهات المختلفة والاجتهادات المختلفة حول هذا الموضوع؛ لا سيما ما يتصل من ذلك بالحل القطري ـ الفلسطيني تحديداً ـ والموقف القطري المواكب له والمعزز له في أقطار عربية أخرى، وكذلك السياسات القائمة على أساس القضاء على البعد القومي لهذه القضية ولكل قضية قومية، للتَّخلُّص من الالتزامات القومية وما ترتبه من مواقف وتبعات، والاحتماء بالقوى الدولية والقوى المعادية للأمة العربية، وبالقانون الدولي والمؤسسات الدولية عندما ترى في ذلك مصلحة قطرية أو مصلحة أنانية للنظام القطري القائم، يتحقق فيها استقراره واستمراره، وإحكام قبضته على الناس والأمور، ولو على حساب الأمة ومصالحها العليا وقضاياها المصيرية.
والثقافة العربية مطالبة، في هذا المجال بالذات، بتعزيز البعد القومي للقضية الفلسطينية، وبالرد على كل من يحاول إضعافه وإلغاءه؛ فالقضية الفلسطينية كان لها البعد القومي الشامل في كل مراحلها التاريخية، وهكذا ينبغي أن تبقى، وهي قضية كلفت الأمة الكثير من التضحيات فلولاها لما كان احتلال سيناء وقناة السويس والجولان وجنوب لبنان، ولما سقطت عشرات الآلاف من الشهداء، ولما كانت كل هذه الآلام والمعاناة، لقد حدث كل ذلك على طريقها ومن أجلها، بوصفها قضية شاملة لمجمل أوجه الصراع مع الاستعمار والصهيونية، اللذين يتحالفان دائماً لتحقيق أهدافهما التي لا تتوقف عند احتلال الأرض، بل تشمل كل ما يتصل بشخصية الأمة العربية وثقافتها وعقيدتها ومصالحها وخيراتها ومستقبل أبنائها.
وتأسيساً على هذا وانطلاقاً منه، فإن كل تفرد في حل القضية الفلسطينية هو إضعاف لها، وهو تجزيء لوحدة قضية يؤدي إلى الإخلال بها وبالتوازنات التي ينبغي أن تتوافر لها، تلك التوازنات التي لا يستطيع قطر عربي بمفرده أن يحققها. والقضية الفلسطينية ليست ذات بعد سياسي محض، وليست قضية قطر أو فئة، وليست مسؤولية قطاع من مقاولي الأعمال السياسية بروح تجارية، إنها قضية تتصل بشرف أمة وتاريخها ومستقبلها ومكانتها بين الأمم؛ وعلى ذلك فإن الثقافة العربية مطالبة بموقف واضح وجاد من كل الحلول الجزئية، أو تلك التي تأخذ بمبدأ الاستفراد بمجموعة عربية لتجعل العرب في نهاية المطاف مجموعات متقابلة في حالة تنازع وتهرؤ.
إن الثقافة العربية أرض مشتركة، وما زالت هي الأرض الأكثر صلابة بالنسبة للعرب جميعاً عبر التاريخ وامتداد الجغرافية،على الرغم من إرادة بعض الحكام والأنظمة العربية الرامية إلى تجزئة هذه الأرض واقتسامها على أساس الجغرافية السياسية القائمة، الأمر الذي يسهل فرض كل أشكال التبعية عليها، وهذا يضعف دورها القومي كثيراً إن لم ينهه نهائياً؛ وينبغي أن تأخذ الثقافة دوراً فعالاً في موضوع إعادة البعد القومي الذي للقضية الفلسطينية، بكل المقاييس وعلى المستويات المختلفة؛ وهذا يستدعي أولاً إنضاج رؤية مشتركة جديدة لأهل الثقافة العربية حول هذا الموضوع وتمسكهم بها وتماسكهم حولها، وسبيلهم إلى ذلك الحوار بمسؤولية ووعي واحترام، ثم مواجهة الموقف أو المواقف السياسية التي لا تحترم هذه الحقيقة العربية الناصعة، وتحاول أن تعطي ظهرها لدروس التاريخ العربي المعاصر وعبره، وهو الذي يصرخ، في كل مفارق الوطن والزمن، بحقيقة أن الفُرْقة كانت وبالاً على الأمة في صراعاتها مع أعدائها، وبأنه ما حقق فلسطيني أو عربي قط مكسباً من تفرّده بخطوة أو خطوات على طريق الحلول المنفردة لهذه القضية، بل ازداد ضعفاً وخسراناً وألحق الخسران والضعف بالأمة كلها؛ وهاهو السادات مثل، وهاهي أوسلو تضع عرفات ومن معه في سلة نتنياهو، ولا تجعله أكثر من رئيس مخفر ـ كما كان مرسوماً له أصلاً ـ يلاحق الفلسطينيين الذين يرفضون صفقته الشائنة، ويدافعون عن أنفسهم ضد طغيان العدو وعنصريته وبرامج الإبادة البطيئة التي ينفذها ضد الشخصية الفلسطينية والأرض والقضية؛ وها هو الملك حسين يقود الأردن بعد وادي عربة وبفضلها، إلى تحالف مع العدو الصهيوني ضد أمته وضد أقطار عربية منها بشكل خاص، قاصداً إلى الاحتماء بالعدو ليحفظ عرشاً ويضيع أمة وتاريخاً؟! فأية صفقة وأي تاريخ؟! إن الثقافة العربية مطالبة بأن تتخذ موقفاً وتقول رأياً صريحاً في هذه المواقف والممارسات والقضايا، وأن تدافع عن رأيها ورؤيتها بقوة واقتدار.
3 ـ دخول معطى جديد على مكونات الرؤية السياسية العربية، ينعش تاريخاً ثقافياً وسياسياً مشتركاً مع أمم أخرى، ويوحي برسم سياسة تأخذ بالاعتبار المنظور العربي ـ الإسلامي، وما يقدمه ذلك من صيغ عمل وإمكانات تعامل، ومشاريع ورؤى، وما يفتحه من آفاق جديدة من جهة، وما يرتبه من صراعات وتحالفات وممارسات للقوى المناهضة للأمتين العربية والإسلامية وللثقافة التي تحملانها وتمثلانها من جهة أخرى، إذا ما قامت صلات وعلاقات تحيي هذا المشترك وتصونه وتستلهمه وتبني عليه؛ وما يثيره ذلك من توقعات واحتمالات، وما يستدعيه من تقليب للرأي وتبادل لوجهات النظر، وفحص للمعطيات جميعاً في أثناء النظر إليه من زوايا مختلفة، مبدئية ومصلحية، مرحلية واستراتيجية .
وقد كان هذا المعطى موجوداً، على الصعيد السياسي منذ تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي وقيام مؤسساتها قبل سنين، ولكنه يدخل الآن بقوة أشد، ويشكل حضوراً محتملاً في السياسة العربية، بعد المتغيرات العاصفة التي حصلت، وسعي العدو الصهيوني إلى تشكيل أحلاف مع دول عربية وإسلامية لضرب دول عربية ودول إسلامية أخرى بعضها ببعض ـ أقصد التحالف الإسرائيلي التركي الأردني برعاية أميركية، حلف بغداد بلا بغداد، الذي يهدد دولاً في مقدمتها سورية ولبنان والعراق وإيران، ويخلق أوضاعاً غريبة ومريبة في المنطقة ـ ولا أظن أن هذه القضية لا تعني الثقافة بالقدر الذي تعني به السياسة، ولكن المنظور الثقافي لها ما زال غائباً. وربما وجدت الثقافة العربية بعداً استراتيجياً ومناخاً حيوياً لتفاعلها وتواصلها مع ثقافات وشعوب تربطها بها وبالأمة العربية صلات تاريخية ومعطيات ثقافية، أكبر وأصلب من أن تعبث بها القوى الأخرى وعوامل التغيير؛ وقد طال انصراف الثقافة العربية عن الثقافات الشرقية بشكل عام، وعن ثقافات الشعوب الإسلامية بشكل خاص، وليس منطقياً ولا صحياً ولا موضوعياً أن يتجه نظرنا دوماً إلى الغرب، وأن نكون في شبه تبعية ثقافية وغير ثقافية له ونحن نتطلع إلى التخلص من هيمنته ونشكو مر الشكوى من تشويهه المقصود لثقافتنا وقيمنا وعقيدتنا، ومحاولاته الدائبة لممارسة كل أشكال الطعن والتثريب والتخريب ضد ثقافتنا، والاستلاب الشامل ضدنا ؟!
إن انفتاحنا على الآخر، وحوارنا مع الثقافات، وتطلعنا إلى قوى تتفهم قضايانا العادلة وتناصر حقوقنا ونضالنا العادل والمشروع لاستعادة تلك الحقوق؛ كل ذلك يستدعي منا أن نبحث في كل الاتجاهات عن الغنى المعرفي والأصدقاء وعن القوى التي تناصرنا ولو قليلاً، ونحن نتصدى لأشرس عدوان وأكبر تواطؤ غربي صهيوني ضدنا. ربما ترتفع أصوات لتقول في تلك الصلة، لقد انطبق علينا المثل: " وقع المعثر على خايب الرجا " ولكن المثل يقول أيضاً: " ضعيفان قد يغلبان قوياً "؛ ونحن أصلاً لا نبحث عن تحالفات بقصد ممارسة الظلم والعدوان والاستقواء والاستعلاء واستعراض العضلات، إنما نبحث عما يساعدنا في دفع العدوان والظلم عنا. والثقافة العربية الإسلامية، هي مستند الشخصية العربية الرئيس ومكونها الأقوى، وليس في مصلحة العرب أن يكونوا ضد المسلمين أو ألا يستعينوا بهم ويتعاونوا معهم، وليس في مصلحة المسلمين أن يكونوا ضد العرب أو ألا يستعينوا بهم ويتعاونوا معهم. والثقافة التي تقيم جسور التعاون مع الشعوب، وتهمِّش خلافاتها وتذيب عداواتها بالمعرفة وبالتغلب على الجهل ـ والإنسان عدو ما يجهل ـ هي الأقدر والأجدر بأن تقيم هذا التواصل والتفاعل في إطار بناء من الاحترام والثقة المتبادلة.
4 ـ منظور الخيارات والوسائل والأدوات والأساليب المطلوبة لمواجهة التحديات القائمة للوطن العربي وفيه، وعلى رأسها تحقيق التقدم العلمي والتقني كشرط لمواجهة تحديات القوة والتقدم والعصرنة المطروحة بقوة، وتحدي الاحتلال وقدراته العسكرية وغير العسكرية، وتحالفاته؛ والتحالفات الأخرى المطروحة على الوطن والأمة من قبل الغرب بشكل عام؛ ذلك كله يستدعي مواجهة أسئلة وخيارات منها:
* خيار المقاومة المسلحة للاحتلال الصهيوني، وما يرتبه على السياسة والثقافة من تبعات ومسؤوليات ومواجهات، مادية ومعنوية، وما قد يخلقه ذلك الخيار من خلافات بينهما أصلاً في وجهات النظر؛ والاحتمالات التي يطرحها والقضايا التي يثيرها؛ ولا نرى أن الثقافة العربية يمكن أن تتنكر للمقاومة أو تنكر عليها حقها في ممارسة فعل التحرير بكل الوسائل والأدوات والأساليب المجدية؛ والثقافة هي المسؤولة عن مواجهة أشكال الخلط المتعمَّد والمدروس بين المقاومة المشروعة ضد الاحتلال وبين الإرهاب، وهي التي من حقها ومن واجبها في وقت واحد أن تستلهم فعل المقاومة وترفع راية أبطالها ومنزلتهم، وأن تذكي نارها وتعلي شأنها ومكانتها في حياتنا اليومية عالياً، فالمقاومة هي الشهادة بأنبل صورها، والتضحية بأجلى مظاهرها. وإذا كانت بعض السياسات العربية قد استساغت ذلك الخلط بين المقاومة والإرهاب وسوغته لأغراض قطرية ضيقة، فليس من مصلحة الثقافة ولا من مصلحة الأمة أن يتم وأن يستمر هذا النوع من الخلط، حرصاً على الحقيقة وعلى روح التضحية ومفاهيم الوطنية والمفاهيم الثقافية والإنسانية السليمة، وعلى الثقافة في هذا المجال أن تكون المقاومة وتشق طريق في شعاب الوعي لها، وأن تدافع عن هذا الحق المشروع وتأخذ بممارسته.
فموقف الثقافة في هذا المجال ينبغي أن يكون واضحاً، واختيارها معلناً، ودفاعها مشرفاً فهي ثقافة المقاومة والمقاومة انطلاقاً من حصون الثقافة العربية، وعندما تفعل ذلك تنسجم مع طروحاتها واختياراتها ومواقفها، وتعبر عن شرف الكلمة التي تنتمي إليها وتحمل رايتها.
* خيار الحوار مع الغرب من مداخل مختلفة: الإسلام والغرب ـ الحوار الإسلامي المسيحي ـ المشروع المتوسطي: ثقافياً واقتصادياً وسياسياً .. الخ؛ وخيار مواجهة استفزازات الغرب وأحكامه الجاهزة المسبقة، وكيله بمكيالين، ومصالحه القائمة على نفي مصالحنا وبعض مقومات وجودنا، وإضعاف قدرتنا على حماية تلك المصالح وعلى اتخاذ قرار أصلاً بامتلاك قوة العلم والعمل والتضامن للدفاع عنها. وتكاد تكون الثقافة هي خط المواجهة الأوسع في كثير من هذه الجبهات، وهذا ما ينبغي أن تراعيه كل من الثقافة والسياسة العربيتين، لأنه يحتاج إلى تعاونهما وتكاملهما، فحروب القرن القادم ومواجهاته ثقافية بالدرجة الأولى، ولا مناص من أن تتحقق للثقافة العربية الإمكانات والأدوات والوسائل التي تمكنها من خوض مواجهة ناجحة، وفي المقدمة مما ينبغي أن يتحقق لها مناخ العمل بحرية والإبداع بالتزام، والثقة والقدرة على ممارسة دورها بشمول داخل الوطن وخارجه؛ لأننا قد نجد، في مجالات كثيرة، أن مواجهاتنا مع الغير لا يمكن أن تحسم قبل حسم مواجهات داخلية تعوق الأداء الوطني والقومي والفردي بأشكال مختلفة، وتشكل بذلك ظهيراً للعدو يعمل ـ عن وعي منه أو من دون وعي ـ خلف خطوطنا الداخلية.
* خيار الحوار مع العالم الإسلامي واللقاء معه من خلال تعزيز المؤسسات القائمة والتفاعل في إطارها بوعي لأغراض الحوار وأهدافه، ومردود ذلك على مجمل الحياة العامة من جهة، ورد الفعل الذي يمكن أن ينشأ عنه من جهة أخرى. وهذا أفق مفتوح بأشكال مختلفة، ومسدود بأشكال مختلفة أيضاً؛ فلا يوجد توجه سياسي استراتيجي عربي في هذا المجال على الرغم من وجود مؤسسة الدول الإسلامية ومنظمة الأسيسكو، ولا تمارس الثقافة العربية دوراً مبادراً ذا حضور ملحوظ في هذا المجال لأسباب عدة منها: الخوف، وعدم الاعتياد، وإرث السنوات الثقافية العجاف في ظل القوى المسيطرة إبان سنوات الحرب الباردة، والاتهامات التي كانت تُتَبادل عبر الحدود، ونهي الغرب عن ذلك النوع من التواصل في ظلال مآسي الحرب، ذلك النهي الذي كان موعزاً به من قبل الكبار الذين حسموا الحرب لصالحهم، وكان في طيات ذلك كله عداء ظاهر للإسلام ينعكس في فرض علاقات معينة على المسلمين، ورغبة واضحة في عزل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض، وقطع صلاتها أو إضعاف تلك الصلات بكل الأساليب والوسائل.
* حوار الثقافات والحضارات: الشرق والغرب، الشمال والجنوب، مع ما يقدمه ذلك من غنى وتنوع وسعة أفق من جهة، وما يثيره من مشكلات بين الأديان والقوميات والثقافات والسياسات قد لا تنتهي، من جهة أخرى. وهذا يحتاج إلى وقت وجهد طويلين، وقد لا يساهم في حل الراهن والضاغط من المشكلات والأزمات والتوترات القائمة مما هو ملح. وتستطيع الثقافة العربية أن تلعب دوراً فضفاضاً في هذا المجال، ولكن ينبغي أن تضع خططها وتأخذ استعداداتها لذلك كله. وهذا النوع من التحدي في ظل التطور السريع لوسائل الاتصال وأدواته، يستدعي تهيئة الإمكانات والظروف والقدرات اللازمة لخوض هذا المعترك.
5 ـ التحالفات السياسية التي تمهد لمحاصرة دول وسياسات ومحاور ومصالح عربية، وترتب، انطلاقاً من منطقتنا ووطننا العربي، لمواجهة احتمالات الصراع فيما بينها، واحتمالات التحرك الشعبي ـ قطرياً ـ أو القومي عربياً لوضع حد لتدخلها واحتلالها ونهبها المستمر لخيرات الوطن العربي، ولتعطيل تقدمه وإرادة أبنائه، حكاماً ومحكومين. وهذه القوى المتضاربة المصلح والأهداف، والمتربعة على عرش القوة العسكرية والاقتصادية والتقنية في هذا العصر قد تجد نفسها في عراك الديوك فجأة حول نفوذ ومصدر طاقة أو مكسب في موقع استراتيجي وحيوي في هذه المنطقة من العالم؛ فما هو الموقف من ذلك، وهل نبقى الكرة التي يتقاذفها اللاعبون إلى أن تتهرأ فيستبدلونها بأخرى، أم ترانا نتطلع إلى دور اللاعبين، أم أننا لا نحلم بأكثر من دور المتفرج الذي لا يتاح لنا أن نحصل عليه؟!
إن مثل هذا العبء الكبير يقع على كل من الثقافة والسياسة ويحزمهما معاً حزم السَّلَمَة ويضعهما على المحك في امتحان هو المحنة إذا ما تأزمت الأمور واشتدت. وهل يمكن فصل الأداء الثقافي المتميز في هذا المجال عن الأداء السياسي المتميز، إذا أردنا أن نصل إلى فعل عربي متكامل، وعمل عربي مشترك تؤدي فيه كل القطاعات المستهدفة دوراً بمسؤولية وفعالية؟!
إن ذلك سؤال ملقى بثقل واتساع على أهل السياسة والثقافة في آن معاً؛والثقافة تتحمل مسؤولية إثارة الموضوع والتنبيه إلى مخاطره، ووضعه أمام صانعي القرار السياسي، ولا يتوقف دورها عند ذلك، بل عليها أن تتابع وأن تضغط لتوافر كل سبل المواجهة الناجحة ومقوماتها وأدواتها؛ وعليها في الوقت ذاته أن تقوم بما يمكن أن تقوم به من فعل وجهد باجتهاد، من دون انتظار توافر الشروط المثلى لانطلاقة العمل في هذا المجال.
إن الإرهاصات والمؤشرات التي تَوِجُّ في سماء السياسة الدولية بين الأقوياء، وتشير إلى تحالفات محتملة، وصراعات على مناطق نفوذ ومصالح، وما قد ينشأ بين الكبار من خصام فعراك فحروب، للسيطرة على مواقع، والحصول على منافع ونفوذ في منطقتنا، وفرض هيمنة عليها، ومحاولة الاستعداد لمواجهة ذلك، والاستفادة من حصوله ـ إذا ما وقع ـ لجعله يخدم المصلحة القومية والقطرية العربيتين، إن أمكن، حسب الحالات والإمكانات والاستعدادات، كل ذلك يقع بجدية تامة في حدود الاحتمالات والتحديات التي لابد من التعامل معها ثقافياً وسياسياً. والثقافة العربية هنا تؤدي دوراً مواكباً للفعل السياسي العربي ومتمماً له، ويتوقف ذلك على تواصل السياسي والثقافي، ولا يجوز للثقافة أن تسكت، ولا يمكنها أن تسكت على مخططات ونوايا واحتمالات وتحالفات ضارة بمصالح الأمة أو مصالح بعض أقطارها، ولا ينبغي لها أن تفعل ذلك، أياً كان الموقع والموقف والارتباط الذي لها مع سياسة قطرية في الساحة العربية التي يجري فيها مثل ذلك، وأياً كانت التبعات التي يرتبها موقفها ذاك؛ على أن تكون الجبهة الثقافية العربية متماسكة ومتعاونة وقادرة على حماية أجنحتها؛ فكل فعل من أجل الأمة والمصلحة العربية العليا يتطلب مواجهة على أرضية المبادرة ومبادرة على أرضية المواجهة.
6 ـ المشكلات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية، عربياً، على مستوى الأقطار والأنظمة من جهة، وعلى مستوى المؤسسات القومية العاملة في حقول ومجالات مختلفة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية... الخ من جهة أخرى، وكل ذلك ينعكس بدرجات متفاوتة على قدرتنا على مواجهة التحديات الخارجية وعلى أسلوبنا في تلك المواجهة، ويطرح في الوقت ذاته تحديات داخلية على كل من السياسة والثقافة في آن معاً .
ومن تلك المشكلات والتحديات، على سبيل المثال لا الحصر: الممارسة الديمقراطية النظيفة، واعتماد الديمقراطية السليمة كأسلوب محترم ومحمي بالقانون المحترم هو الآخر، أسلوباً لانتقال السلطة في الدولة القطرية، بعد الاتفاق على مفهوم وأسلوب ملائمين ومتفقين مع خصوصيات ومرحليَّات يمكن النظر في أمر مراعاتها، وهما مفهوم وأسلوب لا يفرطان بالجوهر وهو الحرية والمساواة واحترام الحقوق والحريات العامة والخاصة، وكيفية ممارستها في حدود القانون باحترام لكل من الفرد والمجتمع والقانون والمصلحة العليا للوطن والشعب والإنسان .
ـ رفع المستوى المعيشي للمواطن العربي، والتقليل من حجم الفوارق الاقتصادية بين الناس، لا سيما تلك التي تخلقها حالات الكسب غير المشروع، وحالات انتشار الفساد الإداري والاجتماعي، وعدم مساواة المواطنين أمام القانون.
ـ تأمين مستقبل الأجيال، وتحقيق فرص العمل لها، وفتح آفاق الأمل أمامها، والقضاء على البطالة بنوعيها: الظاهرة والمقنَّعَة ـ وهذه الأخيرة كثيرة وناتجة عن وجود كثرة من فئات العاملين لا تعمل بربع طاقتها ولا تنتج بجدية وجودة، وتؤثر سلبياً على الإنتاج وفعالية الفرد في المجتمع بشكل عام ـ وإنشاء المرافق التي تؤمن تحقيق نقلة نوعية في التقدم العلمي والتقني على الخصوص، لفئات القادرين على التفوق والعطاء من أبناء الأمة في المجتمع العربي، ومواجهة ما يرتبه ذلك من مسؤوليات على كل من الثقافة والسياسة، وما قد تخلقه المواجهة المحتملة بينهما، على أرضية ذلك وبسببه، من مواجهات وتحديات متبادلة وأوضاع ضارة، ما زال الثقافي يدفع الثمن الأعظم فيها، ويخاف من دفعه أكثر من السياسي، الذي لا ينظر إلى الشراكة في المسؤولية والمواطنة والمصير نظرة تليق بالمساواة، وبكون المسؤولية أمانة لا يجرح صاحبَها السؤال عن أدائه لها بحرص واقتدار .
إن للثقافة ولأهلها الدور الذي يسعى إلى القيام به الحريصُ القادرُ المسؤولٌ الفطن، الذي لا ينتظر حثاً ولا أمراً ليقوم بواجبه، ولا يضيره بأي حال أمر يصدر باسم الوطن والأمة لأداء واجب يساهم في النهضة والتقدم والدفاع عن الحق والنفس والحرية والعدل، في وطن يحمي إنسانية الإنسان ويحترم حقوقه في العيش والعمل والحرية والكرامة، في حدود المواطنة الكاملة وشروطها.
وبعد فقد توقفت بإيجاز عند كل موضوع من الموضوعات التي ذكرتها سابقاً، متجاوزاً موضوعات وحالات وتحديات قد تنشأ، ثنائياً بين بعض الأقطار العربية، أو بين أقطار عربية وبلدان أخرى مجاورة أو غير مجاورة، كما قد تنشأ جماعياً بين عدد من الأقطار العربية وعدد آخر منها، أو بين مجموعة عربية وبلد أو مجموعة بلدان أخرى، أو بين الأمة العربية ـ إن اجتمع أمرها يوماً ـ وقوى وتحالفات أجنبية، تجاوزت ذلك ليس لعدم أهميته ولكن لأن المجال قد لا يتسع له، وربما تسنح فرصة قادمة بالتوسع فيما يمكن التوسع فيه من تلك الموضوعات وسواها مما يقع في هذا المجال .
والله ولي التوفيق .
دمشق في 5 / 7 / 1996
الأسبوع الأدبي/ع527//7/9/1996.
|