صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

حملات انتخابية بصواريخ " كروز "

منذ إنشاء ما سمِّي " بالمناطق الآمنة " في شمال العراق بعد حرب الخليج الثانية مباشرة والسؤال قائم بقوة الأمر الواقع ويدوي في سماء المنطقة: هل وحدة أرض العراق ووحدة شعبه موضع احترام القوى الكبرى وحلفائها الصغار؟! أم أن هناك ما يُبَيَّت ضد العراق الشعب والوطن ؟!‏

المؤشرات التي كانت وما زالت تصدر عن " حكومة كل العالم " كانت تثبت التوجه نحو تقسيم العراق إلى ثلاث دول تحت ستار ثلاث مناطق: الشمال " كردستان العراق "، الوسط، وجنوب العراق؛ وكان مشروع التقسيم الجغرافي هذا يقوم أصلاً على تقسيم سكاني طائفي ذي ملمَح قومي؛ فالجنوب للشيعة والوسط للسنة والشمال " المنطقة الآمنة " منطقة معلنة للأكراد على أساس قومي تُصْنَع فيها نواة الدولة، ويتم التمهيد لانفصالها تدريجياً لتصبح مرتكز " الوطن القومي " ومنطلقه لأكراد العراق وإيران وتركيا وسورية.‏

وقد بدأت الميليشيات تحت اسم " البشمركة " تمارس هناك صلاحيات ظاهرة من خلال مؤسسات يراد لها أن تكون مستقلة وتؤسس " للاستقلال "، وأقيم " برلمان " باركته المعارضة العراقية كلها وحاولت أن تعمل من خلاله لاستعادة السيطرة على العراق؛ ولم تكن الفئات المشاركة في الزفة الديمقراطية عبر شوارع أربيل تجهل ما بين المعارضة من ألغام موقوتة وصراعات، كما أنها لم تكن تجهل ما بين الفصائل الكردية المتناحرة منذ القدم من ألغام وحسابات تحتاج إلى تصفية؛ وكل فريق كان يدرك أن الذي يرعى العرس كله هو القرصان الأميركي وحاشيته الغربية ـ الصهيونية، على ما بين أفرادها من تفاوت في القرب والبعد من الزعيم الأول الذي يوزع فُتات المنافع على أعوانه بعد أن يحتفظ لنفسه بالحصة الأعظم.‏

كان العراقيون المعارضون الحريصون على وحدة العراق أرضاً وشعباً وعلى وضوح انتمائه للأمة العربية وسلامته الوطنية، يشعرون بحرارة ماء المغطس الذي هم فيه وهي ترتفع لحظة بعد أخرى، ولكنهم يتحملون وينتظرون الفرج لإيمانهم بقدرة العراقيين على مجاوزة المحنة والنجاح في الامتحان؛ وكانوا يريدون شد الجميع في المعارضة إلى حماية مصير البلد ومستقبله، ويعملون على إنقاذه من الطغيان لينقذوا أنفسهم بذلك أيضاً.‏

أمّا السيد الأميركي الذي كان يرسم الخطط ويوزع الأدوار والوعود ويقدم الأموال فقد كان معنياً فقط بما ينفذ مخططه الذي لا يخدم إلا مصالحه وبعض مصالح حلفائه الأقربين.‏

في الجنوب لا يريد الغرب دولة حتى لا ينتشر ظل إيران عليها أو تمد هي يدها إلى إيران فتصبح يداً لها قريبة من مفاتيح النفط، وكان يكتفي بإبادة ظل الدولة الأم وتشتيت الولاء لها، وجعل الناس هناك يغرقون أكثر فأكثر في البؤس واليأس؛ ولكنهم بقوا على ولائهم للوطن رغم السكين المغروسة في حلوقهم ممن يدعي ملكية الوطن..وبقي على تلك المساحة / الجنوب / ظل طائفي وآخر قومي يملآن ساحة النفس صراعاً ولم يضعف ذلك ولاء الناس للأمة والوطن إلى الحد الذي يجعل جنوب العراق مرشحاً لدولة تقوم على حساب العراق.‏

أمّا في الوسط فمرارة المعاناة ونار الحصار وآلام الجسد المقطَّع، وتفتيش لجنة إيكيوس، وصدام حسين الذي يقول: أنا الدولة وما بعدي الطوفان وكل ما يقدمه العراقيون وما يخسره العراق يدعمني ويعزز مركزي فالعراق أنا وأنا العراق، ويكفي أن أبقى وفي هذا النصر المؤزر له ولي !؟!‏

في الشمال بدأت " البشمركة " تتنافس على جباية الأموال من عائدات " الترانزيت: تركيا ـ إيران " ومن السكان ومن مصادر أخرى مستورة ومعلنة؛ وبدأت حرب تعزيز الحضور الحزبي والنفوذ العشائري، كما بدأ التعلق بالمال والسلطة يريق الدماء ويفتح شهية الحلفاء؛ لقد بدأت حرب الميليشيات التي استند كل منها إلى حائط، والسيد الذي يرسم الخطوات ويدفعها ويقدم البنادق ويوجهها ويسدد الرمي، السيد الأميركي يتحفز منذ زمن لتطبيق سياسة الاحتواء المشترك لكل من العراق وإيران، وكانت تعييه الوسائل، فلم يجد أنسب من تحييدهما ورمي كل منهما بالآخر منفذاً لذلك، ففيه قضاء عليهما وجني لثمار اقتتالهما، وقد سنحت فرصة ملائمة له :‏

فالطالباني دخل كل البوابات وآخرها البوابة الإيرانية وهاهو يقاتل خصمه البرزاني ويعد نفسه للدولة مستنداً إلى الجدار الإيراني ـ ومن عجب أنه حليف أميركا وإيران فكيف نعرب ذلك؟ ـ الذي تؤذيه سهام " مجاهدي خلق " ويحسب حساب العداء القائم مع صدام حسين، وتريد إيران أن تضع لوجود معارضيها في العراق حداً وأن تتخذ من بعض الأكراد حلفاء في إطار حسابات مستقبلية، فاستطابت أن يتكئ على كتفها الطالباني.‏

والبرزاني وجد نفسه وحزبه خارج أربيل وفي وضع حرج أمام الطالباني فاعتضد بصدام حسين الذي كان مهدداً بعملية سرية ينظمها عملاء الـ C.I.A للإطاحة به انطلاقاً من أربيل فبادر إلى دعم البرزاني وتلبية النداء المنبعث منه على مشارف تلك المدينة، وصدام لا يريد أن يرى كل هؤلاء الأعداء يتقاتلون على جسده وجسد العراق، ويشكلون معارضة شرسة له تستعين بمدد دولي قوي؛ وقد واتته فرصة ليضع قدمه في أربيل التي شكَّلت " عاصمة دولة الشمال " المرتقبة وعاصمة المعارضة؛ فنفذ " فزعةً " مدروسة على طريقته للبرزاني الذي حقق نصراً على خصمه ودخل أربيل ثم السليمانية بدعم مباشر من بغداد، التي استعادت عملياً سيطرتها شبه التامة العراق على منافذ الشمال من جهة إيران، وأحبطت العملية التي كانت تدبر ضدها من أربيل.‏

عند هذه النقطة تحرك كلنتون تحركه المدفوع القيمة بوصفه ممثل النظام الدولي المرتزق بجدارة، فوجه ضربة لبغداد وللقوات الموجودة جنوبها، باسم صد " العدوان " العراقي على كردستان!؟ وكانت تلك عملية مدروسة ذات أغراض متعددة في مقدمتها شن حملة انتخابية بصواريخ كروز وتعزيز مكانته الداخلية بضربة توجه للعراق، فالدم العربي يلعب دوراً في الحملات الانتخابية الأميركية و" الإسرائيلية " على حد سواء. فالصواريخ الأربعة والأربعين من نوع كروز وتوما هوك التي سقطت بغتة على المواقع العراقية جنوب بغداد بحجة معاقبة صدام حسين على " عدوانه" أدت عملياً إلى: رفع أسهم كلنتون الانتخابية؛ وتأمين جزء من نفقات تلك الحملة، إذ أنها عملية مدفوعة القيمة طوعاً أو كرهاً، ومسوَّقة على الطريقة الأميركية / مالياً / لمن يدفع نفقات الحرب في المنطقة بحجة حمايته / وإنسانياً / لمن يتلقى الدعم ويعمل عميلاً للأميركيين. وقد سبقت العملية زيارة تسويق رسمية قام بها مسؤولون أميركيون لكل من الرياض وعمَّان والقاهرة. وأسفرت العملية عن تمديد خط الحظر باتجاه الجنوب، أي بعكس " الخطر الصدامي المتجه نحو الشمال "؟! وهذا أمر لافت للنظر من جهة ويشير إلى الجهة التي بيعت إليها العملية من قبل مسؤولي الإدارة الأميركية. فقد صرحت تلك الإدارة بعد العملية وفي أثنائها بأنها إنما تحمي مصالحها ومصالح حلفائها وتقضي على قوة صدام حسين التي تهدد جيرانه؟! وقد أشاد نتنياهو بالعدوان الأميركي على العراق.‏

ولم يوقف ذلك العدوان الاقتتال في الشمال، ولم يمنع من دخول البرزاني المدعوم من صدام إلى أربيل ثم السليمانية، وكان جهد الإدارة الأميركية منصباً على إجلاء رعاياها والعملاء الذين قالت إنهم يخدمون مصالحها؟! وفي هذا درس طازج لمن يريدون أن يقرؤوا الوقائع والمعطيات الأميركية بشكل جيد. لقد أطلق الرئيس كلنتون رشقات كروز تحت شعار " حقاني و إنساني "؟؟ وقبض ثمنها بأشكال مختلفة، ولم تكن تعني له الدماء والكوارث التي يعاني منها مئات ألوف الناس من العراقيين شيئاً ولن تعني له شيئاً ؟!‏

وسواء أفاحت من ذلك كله رائحة الاستدراج الأميركي لصدام حسين، كما تم على يدي إبريل غلاسبي، أم تم بتقديرات " خاصة " من قبله للموقف الأميركي في زحمة الانتخابات، فإن تلك الفزْعة وخلفياتها أدت إلى أحداث ونتائج ومضاعفات واستنتاجات يحسن بنا التوقف عند بعضها قليلاً:‏

أولاً ـ على الصعيد العراقي:‏

* مدت بغداد قدمها إلى أربيل، ومن حقها أن تتجول في كل شبر من أرض العراق وأن تبسط سلطتها على الوطن، فالعراق دولة ذات سيادة ولا يجوز المس بوحدة أراضيه ووحدة شعبه، ومن حقه أن يدافع عن تلك الوحدة وعن سيادته بكل الوسائل المتاحة والممكنة؛ وسواء قام بذلك صدام حسين أو سواه من حكام العراق المحتملين فإنه تصرف مشروع يبقى في حدود الحق والسيادة اللذين يحفظهما القانون الدولي وتحترمهما دول العالم ومواثيقه وشعوبه. ووصول بغداد إلى أربيل بعد الحظر والضغط والقهر معناه: بداية النهاية لمشروع التقسيم الغربي القائم في العراق والمفروض عليه بقوة الأمر الواقع؛ وبداية توقف التدخل الأميركي غير المشروع في الشؤون الداخلية للعراق الشعب والوطن والتاريخ والانتماء؛ وهو تدخل ما كان ليقف عند العراق وما أظنه انتهى لا بالنسبة للعراق ولا بالنسبة لسواه من الأقطار العربية، فمشروع التقسيم الغربي ـ الصهيوني الذي يستهدف إلى جعل الوطن العربي فسيفساء من الطويلات الهزيلة المتناحرة ما زال مستمراً في إطاره الاستراتيجي.‏

* تصعيد المواجهة ضد العراق في أوقات لا يستطيع فيها هذا لبلد أن يتجاوز محنته التي تنعكس على الشعب ويعاني منها الكبار والصغار.. الشيوخ والنساء، وتحصد آلاف الأطفال سنوياً، وتؤسس لحالات مأساوية صحية واجتماعية سوف تظهر نتائجها الرهيبة على الأفراد والمجتمع بعد سنوات قليلة أكثر مما هي ظاهرة الآن.‏

وقد جاء ذلك التصعيد في وقت تفاءل فيه العالم نسبياً بانفراج ذي طبيعة " إنسانية " يشمل الشعب العربي في العراق الذي طالت معاناته واشتدت، انفراج تحققه معادلة مجلس الأمن الدولي: النفط مقابل الغذاء. وقد تبدى التصعيد بـ: العدوان الأميركي المباشر على العراق، وبإعلان بطرس غالي إرجاء تنفيذ اتفاق النفط مقابل الغذاء حالياً، وإعادة موضوع القضاء على قوة العراق العسكرية ووضع حد لعدوانية صدام حسين إلى ما يقرب من نقطة الانطلاق السابقة بعد انسحاب العراق من الكويت، مع ما يعنيه ذلك من استمرار العقوبات والحصار والتفتيش والتضييق على الشعب الذي يدفع وحده الثمن القاسي جراء ذلك كله ولا يدفع سواه من الذين تستهدفهم تلك الإجراءات.‏

* وضع العراق على مشارف مواجهة محتملة مع إيران على أرضية مناصرة بغداد للبرزاني وإيران للطالباني، وهذا بتقديري أقرب ما يكون إلى الفخ الذي يراد منه أن يضع البلدين في مصيدة الحرب الدامية من جديد، وهو منطلق نوع من " الاحتواء " لم تستطع الولايات المتحدة أن تحقق صيغة أفضل منه، فضرب القوتين المكروهتين أمريكياً وإسرائيلياً ببعضهما بعضاً هو أفضل صور القضاء عليهما وعلى ما يشكلانه من " مخاطر " على المصالح الأميركية ـ " الإسرائيلية" وعلى مصالح حلفائهما؛ وإذا ما نجح ذلك النوع من الاحتواء الدموي فإنه يمهد للقضاء على كثير من المشاريع والتوجهات والأنشطة التي لا تطيق الدولة الأعظم رؤيتها في المنطقة، وعلى رأسها التعاون العربي الإيراني و التركي الإيراني في ظل الاستقرار والتفاهم والتواصل البناء.‏

* انتعاش جماهيري آني يُشْعِر الشعب بالأمل، ولا يلبث إن يلقيه في ساحة من ساحات التردي جديدة، فيفاقم من انهياراته النفسية والروحية والاجتماعية.‏

ثانياً ـ على الصعيد العربي:‏

* تم إعلان رسمي شامل تقريباً، لموقف عربي يعبر عن شجب للعدوان الأميركي على العراق، ووصف لذلك العدوان بأنه خرق للقوانين والمواثيق الدولية. وتأكيد تام في ظل ذلك على وحدة أرض العراق وشعبه واحترام سيادته، وأن من حقه أن يحرك قواته داخل حدوده ليحافظ على الأمن في ربوع الوطن، ومن حقه أن يمارس مسؤوليته الشرعية الرسمية عن مواطنيه وحدوده وسيادته؛ ولا يعتبر تصرفه ذاك عدواناً على أحد، فكيف يعتدي العراق على العراق، وهل الأكراد في أربيل والسليمانية ليسوا عراقيين؟! أم أن رجال الـ C.I.A هم أولى بالعراق من أهله ومن أمته، وهم المشرعون حدود الوطن لأبناء الوطن، وهم الذين أصبح من حقهم أن يمنحوا سيادة وطنية واستقلالاً لمناطق من أرض العرب يريدون لها أن تكون أوطاناً فئوية على حساب الوطن والأمة، تنفيذاً للمخطط الذي تتطلع " إسرائيل " إلى تنفيذه في أرض العرب لتكون السيد المهيمن، والدولة الآمنة بضعف كل العرب وخوفهم وقلقهم وتمزقهم ‍‍‍‍‍‍‍؟؟‏

ورأت الدول العربية أن فعل العراق في أربيل لا يشكل خروجاً على قرارات مجلس الأمن أو الشرعية الدولية، ولا على القرار 688 لأن ذلك القرار لم يمس سيادة العراق ولم ينص على تقسيم أراضيه، ولم يعط الولايات المتحدة أو سواها حق استخدام القوة ضده حينما تشاء وكيف ما تشاء، باسم اجتهادها في تفسير القوانين، الذي يخفي مصالحها وذرائعيتها لممارسة العدوان، وبيع قوتها في سوق الارتزاق الدولي، وتصدير أسلحتها، وقطع الطريق الآمنة على الدول.‏

وإذا كان أصحاب مشروع تقسيم العراق من الأميركيين وبعض الغربيين والصهاينة والمتعاملين معهم قد تستروا على مشروعهم حتى يتقوى ويُفْرَض بشكل نهائي في غفلة من الناس، فإن رفض العرب والدول المجاورة للعراق ـ لا سيما سورية وتركيا وإيران التي تنبهت للأمر ورفضته وأدانته وبينت خطورته منذ البداية ـ يكفي ليجعل المشروع بحكم الميت، والدول العربية ترفض هذا النوع من العبث بمصير دولة عضو في الجامعة العربية وفي هيئة الأمم المتحدة، كما ترفض العبث بمصير شعب يعاني مر المعاناة منذ سنين تحت سمع العالم وبصره، من غير رحمة أو عدل.‏

وقد رفضت الدول العربية أن تُسْتَخدم أراضيها منطلقاً للعدوان الأميركي على العراق، كما رفضت أن تشارك قواتها في ضرب العراق وشن عدوان عليه، وهي ترى في الفعل الأميركي المتغطرس عدواناً على الأمة العربية وعلى القانون الدولي والشرعية الدولية.‏

ثالثاً ـ على الصعيد الدولي:‏

* وقفت ثلاث من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي هي: فرنسا والصين وروسيا، ضد العملية الأميركية، ورفضت الأسلوب الأميركي الذي جعل مجلس الأمن الدولي ـ منذ حرب الخليج الثانية ـ مؤسسة أميركية أو أرضاً محتلة من قبل الولايات المتحدة الأميركية، تسخره لخدمة مصالحها وسياساتها.‏

* ظهر تباين واضح في مواقف الدول الأوربية من هذه العملية ومن التصرف الأميركي الذي لا يخدم إلا مصالحه الخاصة؛ وهذه بداية مؤشرات قد تؤدي إلى انفراط عقد التحالفات التي تشكلها الولايات المتحدة الأميركية ضد شعوب ودول تحاول أن تقودها بقوتها العسكرية والاقتصادية وبممارسة أساليب الضغط والترهيب والترغيب عليها.‏

* تقارب الموقفين العربي والأوربي بشكل عام، في هذه القضية وفي مواقف سابقة، منها الموقف الفرنسي من العدوان الصهيوني المبارك أميركياً على جنوب لبنان / حملة عناقيد الغضب / وموقف الترويكا من لاءات حكومة نتنياهو الثلاث من مسرة " السلام ". وفي هذا تحسس أوربي خاص بالمصالح الأوربية المتعارضة مع المصالح الأميركية، ومحاولة تبين طريق سياسية أقرب إلى الاستقلال.‏

ولم يأت ذلك خدمة للعرب أو إيماناً بعدالة القضايا، وإنما نتيجة الجشع الأميركي ومحاولة راعي البقر أن يأخذ كل القطعان بالقوة إلى مزرعته، بعد أن سكر بغطرسته، الأمر الذي جعل الآخرين يشعرون بالظلم والخطر، ويفتشون عن وسائل يحافظون بواسطتها على الحد الأدنى من مقومات وجودهم الحيوي.‏

* تفكير فرنسا بمصالحها الحيوية مع العراق، ولا سيما النفط. وتفكير روسيا بديونها المستحقة على العراق، تلك التي لا يمكن أن تعود مادامت الأنشوطة على عنق الشعب والوطن في ذلك البلد المحاصر ؟‍‍؟‏

* تفكير تركيا بالخسائر التي تتكبدها جراء الحصار، وبالمنافع التي يمكن أن تجنيها من اتفاقية النفط مقابل الغذاء، تلك التي أرجئ تنفيذها بعد عملية أربيل والعدوان الأميركي على العراق، وبعد تصاعد التوتر في المنطقة؛ وكذلك تفكير ذاك البلد / تركيا / بتنفيذ اتفاقيته الأخيرة مع إيران، وتحسين علاقاته مع الجوار والتخلص من الأوضاع المقلقة في جنوب شرق البلاد.‏

إن هذه المعطيات والمتغيرات تقود إلى التفكير بما سينتج عنها من أوضاع جديدة في المنطقة، وبما يمكن أن يتمخض عنه الوضع الجديد الذي حدث في شمال العراق الآن؛ إذ البرزاني المؤيَّد من بغداد أصبح هو المسيطر على أربيل والسليمانية، والطالباني تفرقت " على يديه البشمركة " ولجأت إلى أماكن في الجبال وفي إيران، ويبدو أنه أضاع " البرلمان " ولكنه لا يكف عن دعوة الولايات المتحدة إلى ضرب شعب العراق المحاصر بالمزيد من صواريخ كروز معتبراً ذلك عدلاً. وعملاء المخابرات الأميركية أصيبوا بضربة قوية في أربيل، ومئات الآلاف من العراقيين الأكراد يعانون الآن من كارثة إنسانية، بعد كل ما عانوه من ويلات وكوارث في عهود كثيرة ؟؟‍‏

إن المشكلات القومية والوطنية ينبغي إلا يغيب وجهها الإنساني عن أحد؛ والصراع السياسي يجب أن يحترم حياة الأبرياء وحقوقهم الأولية، والقوى العظمى عليها أن تراعي مكانتها " العظمى " وألا تتحول إلى قوى قرصنة ومرتزقة تقطع الطرق على الشعوب والدول، وتزري بالعدالة والحرية والسيادة والقوانين الدولية، والعرب عليهم أن يكونوا أكثر وضوحاً وصلابة ومبدئية في الدفاع عن ثوابتهم الخُلُقية والقومية والأخوية وإلا أكلتهم وأكلت حقوقهم وأوطانهم القوى المتوحشة، وعلى الذين يرون أنفسهم أوطاناً كاملة، من الحكام العرب، أن يعرفوا جيداً أنهم ليسوا أكثر من مواطنين في أوطانهم كبَّرتهم تلك الأوطان التي هي في نهاية المطاف جموع المواطنين، وأنه يتوجب عليهم أخلاقياً وقانونياً ووطنياً وقومياً أن يقدموا الحساب عن أعمالهم وممارساتهم أمام مواطنيهم لتبقى لهم ولأوطانهم ولمواطنيهم هيبة ومكانة وقوة. فلا يصنع كرامة الوطن وعزته وتقدمه إلا احترام الإنسان والحق والحرية وحقوق المواطنة والقوانين فيه.‏

فهل ترانا نحسن قراءة التاريخ ودروس الحياة، ونحسن استخلاص النتائج والعبر منها؟؟‏

لا نعلق كبير أهمية على أن يصبح العنصري الصهيوني أو الأميركي أخلاقياً وإنسانياً وقادراً على رؤية حقه وحق الغير ومصلحته ومصلحة الغير في مناخ من الاحترام؛ ولكن نتطلع بكل الأمل إلى أن يصبح ورثة الحضارة الحقة والشرائع السماوية والثقافات العالية القيمة ذات المكانة التاريخية هم القادرون على تحقيق ذلك، وبالتالي على تحقيق التغيير الكبير في حياتنا من خلال ذلك.‏

دمشق في 9 / 9 / 1996‏

الأسبوع الأدبي/ع528//24/9/1996.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244