|
وقائع على الأرض
بعيداً عن التصريحات السياسية وما يروَّج في وسائل الإعلام، تقوم على الأرض في فلسطين المحتلة حقائق يستعصي معها فهم أي معنى للكلام على " السلام " والحديث عن اتفاقيات سابقة أو محتملة على طريقه مع العدو الصهيوني.
فهناك على الأرض الاستيطان المكثَّف في المدن والمستعمرات القديمة وفي ما يُستحدث من مستعمرات وما ينشأ من طرق تجعل الوجود العربي الفلسطيني في الضفة الغربية على الخصوص مجرد جزر محاصرة باليهود وقواتهم المسلحة وهي بحكم الساقطة عسكرياً بأيدي " الإسرائيليين " في أية مواجهة محتملة مهما كان حجمها أو مستواها، كما أنها خاضعة تماماً للهيمنة الأمنية وتابعة للاقتصاد " الإسرائيلي "، ولا تتمتع أعظم صيغ الاتفاق بأي نوع من الاحترام والاستقرار.
وهناك على الأرض مشروع تهويد القدس وتكثيف الاستيطان في القسم الشرقي منها وفي حي سلوان واستكمال الحزام الاستيطاني حولها من كل الجهات، والاستيلاء على بيوت العرب بالقوة، وإطلاق يد الجمعيات الاستيطانية اليهودية المتطرفة بالتصرف على أن يكون الجيش في خدمتها؛ وفي القدس أيضاً ينفذ مخطط تدمير الأماكن الإسلامية المقدسة أو تهديدها بالتدمير وعلى رأسها المسجد الأقصى الذي تعرض لأكثر من محاولة، وهاهو اليوم محمول على نفق يهودي يقدم كل الفرص لنسفه من الداخل وجعله أثراً بعد عين في يوم من أيام التعصب الصهيوني القادمة؛ وفي مدينة السلام اليوم رصاص وقمع ودماء تسيل وضحايا كان آخرها سبعة شهداء و/ 300/ جريحاً سقطوا يوم الأربعاء الماضي في مواجهة مع جيش الاحتلال بسبب فتح النفق تحت جدران الأقصى وساحته، وكل ذلك يجعل المدينة المقدسة فعلياً، مادياً ومعنوياً، مباحة لليهود وواقعة تحت سيطرتهم بحكم الأمر الواقع.
وهناك على الأرض الاستيطان الوقح المستمر بغطرسة في الخليل، والإيعاز ببناء ثمانية آلاف شقة سكنية للمستوطنين الصهاينة في المرحلة الأولى من مشاريع شارون والليكود، في ظل عدوان شرس على الناس في كل موقع أو ظرف تراه الفئات المتطرفة الصهيونية ممكناً.
وعلى صعيد آخر وفي جبهة مواجهة أخرى هي جنوب لبنان، وعلى الأرض أيضاً، يستمر القصف الوحشي " الإسرائيلي " للمدنيين ولرجال المقاومة الوطنية اللبنانية بالطائرات والمدفعية، وتُفرض حالة من الإرهاب المستمر على الجنوبيين الذين يعانون الأمرَّين هناك منذ سنوات عديدة بسبب العدوان الصهيوني.
وعلى الأرض يعزّز العدو قواته ويحسِّن وضعه القتالي ويهدد بتوجيه ضربات " ساحقة " للقوات السورية في لبنان وللمقاومة الوطنية اللبنانية وعلى رأسها حزب الله، ويلمِّح إلى احتمال توسيع نطاق ضرباته لتشمل مواقع حساسة في سورية.
وفي الجولان يعزز العدو الصهيوني وجوده العسكري ويجري المناورات العسكرية، وتتخذ قواته وضعاً هجومياً في بعض المواقع، ويهدد بتوسيع نطاق عملياته في الأراضي السورية، ويذكِّر بأن دمشق في مرمى مدافعه؛ ويتخذ هذا التهديد منحى سياسياً ـ عسكرياً وقحاً بهدف " جلب دمشق " بشروط نتنياهو إلى طاولة المفاوضات من أجل الوصول إلى " سلام مقابل سلام " باستخفاف تام بمرجعية مدريد تعززه مراوغة أميركية تعوِّم هذه المرجعية بوضوح؛ ويغذي العدو الإعلام بتصريحات استفزازية، ويشن حملات كلامية من خلال تصريحات المسؤولين العسكريين والمدنيين، وعلى رأسهم المهووس بيبي نتنياهو رئيس " الحكومة الإسرائيلية ".
والتصعيد السياسي الصهيوني يشمل مصر أيضاً إذ يرى القادة الصهاينة في قيامها بتدريبات ومناورات عسكرية مثل " بدر 96" نوعاً من التهديد لهم، ولا يرون في حشدهم لأنواع السلاح وقيامهم بالتدريب والمناورات العسكرية تهديداً للآخرين وخرقاً للاتفاقيات المعقودة معهم، وكأن مصر والدول العربية الأخرى ممنوعة تماماً حتى0 من الحركة في أثناء حز عنقها بالسكين اليهودي " المقدس "؛ وترتفع حدة التصريحات بين المسؤولين المصريين والصهاينة هذه الأيام إلى درجة لافتة للنظر، وتأخذ منحى سلبياً هابطاً لم تصل إليه منذ اتفاقية كامب ديفيد.
وهناك عربياً الكثير من القضايا المثيرة والخطيرة المطروحة في برامج الصهاينة وحلفائهم الأميركيين وفي مقدمتها مشروع تقسيم العراق ومنح المناطق " الآمنة " في شماله صفة الدولة المستقلة.
على الأرض لا يوجد " سلام " مع العدو الصهيوني ولا اتفاقيات محترمة ولا مناخ ثقة ولا أمل بقيام أي شيء من ذلك، وإذا ما أخذنا الطبيعة الصهيونية العنصرية والتكوين التلمودي لليهودي، والتعلق بالمشروع التوراتي الأسطوري وحشد القوة لتحقيقه، إذا ما أخذنا ذلك كله بالاعتبار، وجدنا أن الصراع بأشكال مختلفة هو الحقيقة الوحيدة القائمة.
على الأرض توجد إذن وقائع هي الأجدر بعرضها ومناقشاتها والتوقف عندها، بعيداً عن الأوهام والأحلام والاتفاقيات والنوايا الطيبة والوساطات والرعايات المدججة بالأقنعة وأحمال النفاق.
على الأرض يعمل نتنياهو وفريقه في المجالات السياسية والعسكرية والعمرانية أعمالاً لا يمكن أن يُستشف منها أي احترام لاتفاقيات أسلافه مع العرب، ولا تنم عن أية رغبة حقيقية في إقامة " سلام " بالمعنى المتداول سياسياً على أساس من أسس مدريد، ولا تشير إلى تقلص النزوع العنصري الصهيوني في ظل الهرولة العربية باتجاه "إسرائيل"؛ ويكاد كل ذلك يصرخ بما سئمنا من الصراخ به عن حقيقة العدو، وحقيقة كون صراعنا معه صراع وجود وليس نزاعاً على حدود، وأنه لا مجال للتعايش معه تحت كل الظروف، لأنه غريب عن المنطقة، معتدٍ عليها، دخيل فيها والغ في دم أبنائها من جهة، ولأن له مشروعاً استعمارياً استيطانياً توراتياً ـ إمبريالياً، يتعارض ويتناقض كلياً مع وجودنا العربي ومع مشروعنا القومي النهضوي الشامل ومع طموحاتنا القومية وتطلعاتنا.
على الأرض وفي مواجهة الوقائع التي يقدمها الانتشار الإرهابي الصهيوني على أرضنا، يوجد تحرك سياسي وتحريك دفاعي عسكري في القطر العربي السوري يزعج العدو، وتوجد مقاومة في جنوب لبنان تستنزفه وتعلي صوت التحرير وتعلن أن العدو لا يواجه إلا باللغة الوحيدة التي يفهمها ويرتدع بها وهي لغة القوة، وأنه لا تحرير للأرض إلا بالقوة التي تعيد الحق والكرامة والمكانة معاً.
في المجال العربي المحيط يوجد كلام معظمه لا يوقد شمعة في الظلام ولا يساعد شمعة ترفرف في العاصفة على استمرار الاشتعال، ويوجد تواطؤ خطر وقذر مع العدو يرفع رأسه من آن لآخر وفي أخطر الظروف من بعض رؤوس الحكم، ومنها الأردن للأسف الشديد، وقد عودتنا تلك الأشداق على أن تنهشنا في الشدائد، ومن ينسى منا كلام الكباريتي مثلاً في قمة شرم الشيخ حين وصفنا في سورية بالإرهابيين ليرضي بيريس وكلنتون بإيعاز من سيده؟! ومن تراه ينسى كلامه الأخير للصحفيين الأردنيين الذي يفيض حقداً وممالأة للعدو الصهيوني حتى في هذه الظروف، ويرمي إلى التشكيك بمواقف سورية في الوقت الذي يعرف فيه القاصي والداني أنه لم يبق إلا الموقف المشرف لسورية في وجه المشروع الصهيوني الممتد في أقطار وسياسات عربية وفي ظل الانهيارات العربية المتلاحقة، وأنه إذا سقط موقف دمشق ـ لا سمح الله ـ فإن الموقف العربي كله يسقط بسقوط موقفها ؟!؟
الوقائع على الأرض تشير إلى أن سورية المحاصرة بأشكال من المخاطر والعداوات والاستفزازات تستنفر قواتها وتنظر بحذر ويقظة إلى المصدر الأول للخطر: " " إسرائيل " "، وتستمر في أدائها السياسي المتميز متمسكة بمواقفها وثوابتها المبدئية والقومية، وهذا موقف يستحق التقدير ويحتاج إلى تعزيز مقومات بقائه وما ينطوي عليه من صمود ويطرح ضرورة امتلاك أدوات المواجهة وقدراتها ومستلزماتها، فالتقدير والاحترام.. وكل الصفات الأخرى على أهميتها وقيمتها لا تُصْرَف في أرض المعركة ولا تعني شيئاً كثيراً في عالم يحكم بمنطق القوة والمصلحة ولا يقيم وزناً للحق والأخلاق والمبادىء وأصوات الجماهير.
على الأرض تواجه سورية احتمال شن عدوان " إسرائيلي " عليها انطلاقاً من لبنان، وسيكون وحشياً ومؤذياً في الظروف العربية والدولية الأخيرة، وتتعرض المقاومة الوطنية اللبنانية عملياً إلى عدوان مستمر.
صحيح أن العدوان المحتمل سيؤدي إلى رد سوري محتمل وإلى غضبة عربية كبيرة ومفيدة، لكنها غضبة قد لا تلغي التطبيع الفعلي / السياسي والاقتصادي والثقافي / الذي يقوم بين " إسرائيل " وبعض الدول العربية فيما أقدِّر، وقد لا تؤثر على حرارة اللقاءات الرسمية في المحافل الدولية بين ممثليها وممثلي تلك الدول.
ولكن ذلك الرد وتلك الغضبة العربية لن يوازيا فتك آلة الدمار الأميركية المستخدمة انطلاقاً من فلسطين المحتلة، ولن يخففا من وطأتها عندما تتحرك؛ وعلى ذلك فلا بد من التفكير بشيء يقوم على الأرض في مواجهة ما ينفذّه العدو ويعدُّه على الأرض، سواء ضد الفلسطينيين في الأرض المحتلة أو ضد اللبنانيين في جنوب لبنان أو ضد السوريين، فما هو ذلك الشيء المحتمل والمطلوب في آنٍ معاً ؟؟
العرب الذين استيقظوا بالأمس القريب على الدم والمواجهات بين الشرطة الفلسطينية وجيش الاحتلال الصهيوني حاولوا بحياء أن يلوحوا لنتنياهو بتأخير فتح مكاتبهم التجارية في تل أبيب، أمّا الذين لديهم تمثيل دبلوماسي فلم يفكروا حتى في استدعاء السفراء للتشاور؛ ودعت الجامعة العربية إلى اجتماع غير عادي للمندوبين الدائمين سيخرج ببعض الكلام الحار، ولكن الكلام الحار لا يقلي بيضاً ولا يشفي جرحاً ولا يشبع طفلاً جائعاً ولا ينقذ بيتاً فلسطينياً أو لبنانياً من الهدم، ولا يمنع جيش الاحتلال من إطلاق النار على الأطفال الفلسطينيين.
وإذا كان العرب لا يستطيعون في الظروف الحالية أن يجردوا جيوشهم للدفاع عن الأقصى، أو قدراتهم لتعزيز موقف سورية المهددة بالعدوان، أو أن يعملوا شيئاً ما لحماية سكان جنوب لبنان من عناقيد غضب جديدة ومن " قانا" أكثر شدة وجدة وبشاعة هناك؛ فليبادروا على الأقل إلى:
ـ إلغاء قمة القاهرة الاقتصادية التي لا يستفيد منها بالدرجة الأولى إلا المتغطرس نتن ياهو وأعضاء حكومته من جنرالات الحرب المسؤولين عن مذابح بشعة جرت ضد المدنيين العرب لم تذكرها هيئات حقوق الإنسان ولن تذكرها، لأنها بكل بساطة لم تجر بحق اليهود وهي لا ترى في غير اليهود بشراً لهم حقوق يُدافع عنها بوصفها حقوق إنسان !؟.
1 ـ إعادة الحياة عملياً لمكتب مقاطعة " إسرائيل " وإعادة الحصار الاقتصادي المفروض عليها عربياً، ذاك الذي لم يتخذ قرار عربي فعلي برفعه وإنما بَرَعَتْ بعض الأنظمة العربية بخرقه، ولم تر في خرق الحصار الظالم المفروض على الشعب العربي في العراق والجماهيرية مكرمة يُرغب فيها كما لم تر في قرار الجامعة العربية القاضي المطالب برفع ذلك الحصار عن البلدين العربيين مشجعاً لها على خرقه؟! وتلك من تناقضات عرب هذا الزمان الجديرة بالتأمل العميق.
2 ـ وضع خطة مواجهة سياسية عربية موحدة لمواجهة ما يجري على الأرض من تحديات ومواجهات وممارسات عدوانية، ومن استهتار بالحق والدم العربيين، والقيام بجهد عربي منسق في المجالات الدولية، ليكون في ذلك نوع من الأداء المناسب في الوقت المناسب لمصلحة الأمة وقضيتها المركزية؛ ونهي الحكومات العربية المتحالفة مع العدو الصهيوني، تلك التي تلعب على حبلي الداخل القومي والخارج الغربي ـ الصهيوني، نهيها عن العبث والافتراء وافتعال الأزمات مع الأقطار العربية التي تتعرض للتهديد والمواجهات الفعلية مع العدو دفاعاً عن القضايا القومية؛ وفرض هيبة الجامعة العربية والقمة العربية وتأثيرهما في هذا المجال، لكي تسود أخلاق عربية مناخَ العلاقات العربية ـ العربية، وإلا فما معنا أن نكون أبناء أمة واحدة، وأن تجمعنا مواثيق وأصول وأهداف وقضايا؟! وما معنا أن نلتقي إذا كانت قلوبنا مشحونة غلاً وكانت عقولنا لا تسجل إلا ما قد نشي به للعدو على أخينا إذا ما هزنا يوماً أخونا ؟!؟.
3 ـ دعم عودة الانتفاضة المباركة للعمل في فلسطين المحتلة، وتوفير أشكال الدعم والمناصرة العمليين لها؛ ووقف ملاحقة أعضاء تنظيم حماس والجهاد في داخل فلسطين من قبل شرطة عرفات، والتوقف عن منعهم من القيام بعمليات ضد العدو بحجة أنها تعيق عملية السلام، فلا يوجد سلام فعلي مع العدو وإنما يوجد استغلال فعلي من قبل العدو لما يسمى مناخ السلام ليقوم في ظل ذلك بتهويد القدس وتكثيف الاستيطان وتخريب العلاقات العربية وتفتيت الصلات والعلاقات داخل البيت الفلسطيني ذاته، وتسخير الفلسطينيين لقتل الفلسطينيين وتصفيتهم وملاحقتهم تحت ذرائع شتى كلها مرفوضة ومشبوهة. وقد آن الأوان لوضع حقيقة أن مواجهات الشعب العربي الفلسطيني للعدو المحتل واحدة وواجبة كما تؤكد الأحداث والمعطيات اليومية؛ وتعطيل القرار الأميركي ـ الصهيوني بتصفية المقاومة الوطنية للاحتلال، التي يسميها إرهاباً ونسميها مقاومة وطنية مشروعة ومقدسة ضد قوى الاحتلال العنصري لفلسطين كل فلسطين هو واجب مقدس.
4 ـ رفع الحصار الفعلي المضروب على من يريد أن يقاوم العدو الصهيوني في الوطن العربي بكل الوسائل ـ ومنها وسيلة نشر الوعي بذلك ـ حتى لا تتعطل طاقات فعالة على طريق الحرية والتحرير، وحتى نمارس بوعي مسؤولية العمل القومي بأفق قومي ومسؤولية عربية شاملة وضمير حي وحس قومي.
إن ذلك الذي أشرت إليه لا يلغي حقيقة إن الاستعداد والإعداد العسكريين والعلميين والتربويين لأبناء الأمة لمواجهة العدو ينبغي أن يستمرا وألا يتوقفا أو يتقلصا، فذاك هو الأساس، ولن يهابنا أحد على الإطلاق إلا إذا ملكنا قوة تفرض هيبتنا في عالم لا يفهم إلا لغة من يملك ومن يقدر.
فهل نحن فاعلون قبل فوات الأوان؟! أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا جميعاً سواء السبيل فمنه الهدي والعون ومنا العمل والأمل.
دمشق في 26 / 9 / 1996
الأسبوع الأدبي/ع530//28/9/1996.
|