|
دم الفلسطينيين وذكرى تشرين
الوجه القبيح للصهيونية، الذي تجسده ممارساتها، يبرز على حقيقته دون زينة أو أقنعة ويقدم نفسه بوقاحة ظاهرة للعالم من آن إلى آخر، ورغم أنه دائماً يوغل في العنصرية ويلِغ في الدم ويفيض تعصباً فإنه يلقى من يجمّله ويستر عيوبه ويدافع عن نزوعه البغيض للسطو والإرهاب وتزييف الحقائق وقلب الوقائع.
وإذا كان شمعون بيريس وسلفه قد قدَّما في السنوات الأربع الماضيات قناعاً مزركشاً توِّج بجائزة نوبل "للسلام" على الرغم من التاريخ الأسود لكل منهما، فإن شامير قبْلهما ونتنياهو بعدهما قدَّما ذلك الوجه من دون أقنعة. وفي الأحوال جميعاً كان الوجه السافر والقناع المزركش يخدمان الأهداف الحقيقية للصهيونية واستراتيجيتها الاستيطانية ـ التوسعية ـ العنصرية.
شامير يذهب إلى مؤتمر مدريد ليضمر مناورة ومداورة تمتدان عشر سنوات ـ إن أمكن ـ من دون أن يقدم شيئاً للعرب إن استطاع، وبيريس ورابين يستمران في الاستيطان ويشقان ما يسمونه نفق "الحشمونيين" تحت باحة المسجد الأقصى ويقرّان الخطط لتهويد المدينة، ويطوّقان القرى والمدن الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة بالطرق الاستيطانية والمستعمرات؛ ونتنياهو يفتح النفق بعد أن يكمله، ويعمل على تنفيذ المزيد من المستوطنات والطرق، ويحْجم عن الانسحاب من الخليل أو عن إعادة نشر القوات المحتلة فيها، ويعلن لاءاته العديدة التي تصل في مدلولاتها ومراميها وترجمتها الواقعية ـ العملية إلى: إلغاء "عملية السلام" وطلب إعادة النظر في الاتفاقيات التي سبق وعقدها حزب العمل من خلال رابين وبيريس. ويقوم شامير من سباته ليعلن أن "إسرائيل لا تخل بأية التزامات دولية حين تطلب إعادة النظر في اتفاق أوسلو لأن هذا الاتفاق لم يعقد أصلاً مع دولة".
وهذا يعني صب المزيد من الماء البارد على أقفية أهل "أوسلو" وصب المزيد من الزيت على النار المشتعلة في الشارع الفلسطيني، وتقديم حجة لنتنياهو الموجود في واشنطن للاجتماع بعرفات من أجل إحياء الميت ودفن الجثث الحية في الضفة وغزة وفي أماكن أخرى من العالم.
إن الأحداث الأخيرة التي شهدتها فلسطين المحتلة، والتي ذهب ضحيتها عشرات الشهداء ومئات الجرحى تقدم درساً لا يمكن التجاوز عن معطياته والقفز فوق ما يقدمه من دلالات.
وإذا كان قادة الاحتلال العنصري يحمّلون عرفات مسؤولية ما حدث ـ على عادتهم في قلب الأمور رأساً على عقب ـ ويصرخون بأعلى الصوت متذاعرين من استخدام الشرطة الفلسطينية للسلاح الفردي الذي يحمله أفرادها، ويعلنون عن كارثة ونكث في العهود والمواثيق لأنهم إنما قدموا لعرفات ثلاثين ألف قطعة سلاح فردي ليستخدمها ضد حماس والجهاد الإسلامي وليقمع الانتفاضة وليجعل الشارع الفلسطيني تحت السيطرة الصهيونية وليس ليوجه ذلك السلاح إلى "جنود جيش الدفاع الإسرائيلي" كما يقولون؛ فإن على عرفات ـ وهو في المحنة الامتحان ـ أن يسأل نفسه هو وبقية أهل أوسلو: لماذا وافق على أن يلبَس قناعاً يوحي بأنه سيكون ضد فئة من شعبه ترفض "السلام الصهيوني" المزيف ولا تقبل باتفاقية تفرط بالحق الفلسطيني، وهو يعرف جيداً من خلال تاريخ الصراع أنه لا ثقة بالأفعى الصهيونية، وأن الوجه والقناع اللذين لها لا فرق في النتيجة بينهما!؟!
وتقدم تلك الأحداث لأبناء الأمة العربية ولقادتها حقيقة التوجه العملي للسياسة "الإسرائيلية" القائمة على عنصرية يمليها التلمود ويقودها "يهوة" وتدعمها الولايات المتحدة الأميركية والقوى المتصهينة على أرضية دينية أو استعمارية؛ وهو توجه يرمي إلى الاستمرار في تنفيذ المشروع الصهيوني "إسرائيل التوراتية" على مراحل حسب الحال والاحتمال والاستيعاب وامتلاك الوسائل والقوة والإمكانات؛ وأن كل الاتفاقيات التي تعقدها ما هي إلا درجات في سلم يؤدي إلى دولة من النيل إلى الفرات، ويتم تغيير تلك الدرجات والسلم ذاته إذا استدعى الأمر ذلك من أجل تحقيق الهدف؛ ويمكن في أي ظرف وأي وقت أن تقوم "إسرائيل" برمي الاتفاقيات في سلة المهملات وتقديم المبررات والذرائع للقيام بعمل عدواني يحقق جزءاً من أهدافها أو برنامجاً من برامجها على الأرض!!؟.
لقد سال الدم الفلسطيني على طريق القدس عشرات المرات ولكنه سال في الأسبوع الماضي عبر نفق "أوسلو" المظلم ليضيء في نهاية النفق معلناً عن الخديعة والتواطؤ والعجز. ولم يكن ذلك جديداً على كل الذين رفضوا أوسلو ونبهوا إلى خطورة التواطؤ مع العدو ضد الحق والشعب، أو إلى خطورة التسليم بأن الصهيونية يمكن أن تغيّر نجلدها ومشروعها اعتماداً على ذلق اللسان وعلى الأوراق الممهورة بتواقيع وأختام وشهادات رؤساء دول، ما هم في الواقع إلا القناع لوجه الصهيونية الحق، والأداة التي تمتد لتخدمها، من ريغان إلى بوش إلى كلنتون صاحب الزهو الأبيض في البيت الأسود أو الزهو الأسود في البيت الأبيض !؟.
ومن الدروس المستقاة من أحداث الأرض المحتلة درس لا يجوز أن يضيع في ضجة الإعلام والعتمة السياسية المفروضة، وهو انتماء الشرطي الفلسطيني للشعب والقضية وليس لعرفات وقيادات الحكم الذاتي عند اللزوم؛ وحين رأى ذلك الشرطي الدم الفلسطيني يسيل والبنادق والدبابات والطائرات "الإسرائيلية" تلاحق الأصوات والأجساد التي ترفع صوت القدس وتدافع عنها، وجه سلاحه إلى حيث ينبغي أن يوجهه، وعرف العدو الذي لا يمكن أن يكون إلا عدواً، وسقط "إخاء الدوريات المشتركة" ليبرز انتماء الجسد والعقل والروح والوجدان للتاريخ والشعب والعقيدة.
وهذا مؤشر للطرفين وللقيادتين في الموقعين: الفلسطيني والصهيوني المحتل، مؤشر يقول: لا يمكن أن تقوم ثقة بين الضحية والجلاد، ولا يمكن أن ينسى الفلسطيني أرضه وتضحيات شعبه والمعاناة التي تعرض لها، كما أن الأفعى الصهيونية لن تتقن إلا الغدر واللدغ ونفث السموم، فكيف السبيل إلى ثقة وتعاون واطمئنان من أي نوع؟! وكيف السبيل إلى السلام مع وجود احتلال ومشروع صهيوني تؤمن به عناصر عديدة تفرِّخ أفكاراً وأجيالاً وسياسات، وتعمل له قوى في مواقع كثيرة بأساليب عديدة!؟ وكل من يعمل لذلك ويؤمن به يتشوق إلى سفك دم العرب بتلذذ ليصل إلى ما يريد ويقدم نفسه "بطلاً" يُرفع أنموذجاً!؟ وما علينا إلا أن نتذكر "باروخ غولد شتاين" والمزار الذي له، وحديث الجنود الصهاينة الذين قاموا بمذبحة قانا، وهو حديث منشور معروف"!؟.
ليس نتنياهو، الذي يدفع "لاءاته" بوجه العرب والفلسطينيين والعالم من حوله، ليس وحيداً وليس صوتاً في الفراغ، إنه الأحمق المهووس بالقتل والحرب والبطولة نعم، ولكنه أيضاً الذي انتخبه 55% من اليهود المحتلين لفلسطين العربية؛ والذي يقود "انقلاباً ديمقراطياً"، إن صح التعبير، يقف وراءه "جنرالات" الحرب في الدولة العنصرية؛ وهو واجهة سياسية للإرهابيين: شامير ـ شارون ـ ايتان... الخ. ومعنى هذا أن التيار الذي يعزز الصهيونية ويعود إلى برنامجها المتشدد، كلما خَبَت جذوة ذلك البرنامج، هو الأقوى وهو القوة المؤثرة، وأن البقية ليسوا ضده وإنما يختلفون معه في الوسائل والأساليب. وعلى ذلك فإن:
1 ـ لاءات نتنياهو بوجه الفلسطينيين والسوريين والعرب والعالم هي التعبير الأوضح عن التيار الأكثر صراحة في الكيان الصهيوني.
2 ـ اتفاقية أوسلو لا وجود لها عملياً، لأن الأمر الواقع يحفر تحت كل بند من بنودها المهترئة، على الرغم من كل ما فيها من تفريط وذل ومهانة وتواطؤ.
3 ـ اتفاقية وادي عربة مع الملك حسين مناورة مدروسة لابتلاع فلسطين وتصفية القضية وتطويق الشعب الفلسطيني وطرده بشكل مباشر أو غير مباشر إلى وطن بديل سوف يتم الإعلان مجدداً عن أنه الأردن عندما يحين الوقت الملائم. وعندما يؤدي النظام هناك دوره في تفتيت الصف العربي، و" يحمي نفسه" بالانضمام إلى حلف الأطلسي؛ يبقى الملك ويذهب العرب وكل ما يتعلق بقضيتهم وأمتهم في تلك المساحة المؤثرة من أرض العرب.
4 ـ اتفاقية كامب ديفيد التي تعصف ببنودها دوامة الشك الداخلية وتنيخ بثقلها على ضمير مصر الشعب والحكم، وتتصدر القيادة من دون أن ترضي الصهيوني المتشدد أو تفوز منه بأية درجة من المصداقية ـ فقد غير نتنياهو أقواله حول الخليل مع الرئيس مبارك، ولم يجد الرئيس مبارك أية جدوى من المشاركة في قمة واشنطن في ظل لاءات نتنياهو ونكثه للعهود وتزييفه للوقائع ورفضه الالتزام بالاتفاقيات المعقودة ـ هي الأخرى موضوع تساؤل مطلق في أية لحظة قادمة من الزمن؟! وليس بعيداً عنا ذلك اليوم الذي استهجنت فيه حكومة نتنياهو قيام الجيش العربي المصري بمناورات /بدر 96/ أو حيازته على صواريخ من بلد آخر؟! وكأن المفترض بمصر أو بأية دولة عربية تعقد اتفاقاً مع "الكيان الصهيوني" أن تلتزم بألا تدافع عن نفسها أو تدرب جيشها أو تملك أدنى حدود القوة، حتى لا تعيق تقدم "إسرائيل" ضمن حدوده القصوى نحو امتلاك القوة التي تهيمن بها على المنطقة كلها.
ـ لقاء واشنطن لن يقدم للعرب والفلسطينيين إلا ما سبق أن قدمه لهم منذ أيام في مجلس الأمن الدولي، حينما وافقت الولايات المتحدة الأميركية على مشروع قرار يصدر بالإجماع حول الأحداث التي جرت في فلسطين المحتلة، ثم امتنعت عن التصويت على القرار لأنها لا يمكن أن تقف ضد "إسرائيل" في أي ظرف وأي زمن. وسوف يناصر كلنتون صديقه الجديد نتنياهو حتى لا يترك لبوب دول وحده فرصة مناصرته؛ وهو عملياً يقوم بدعاية انتخابية سيدفع ثمنها الفلسطينيون، كما قام بدعاية انتخابية سابقاً بصواريخ كروز دفع ثمنها الشعب العربي في العراق جوعاً وتهديداً.
كل هذا يملي علينا أن نفكر بجدية تامة بحقيقة أن الكيان الصهيوني سواء قاده الليكود أو حزب العمل أو تحالفٌ منهما أو أية أحزاب أخرى لا يمكن أن يتخلى عن طبيعته العنصرية ومشروعه الاستيطاني ـ التوراتي، ونزوعه العدواني، ودمويته التي تسفر دائماً عن ضحايا من أبناء أمتنا.
وأن هذا الكيان لا يمكن التعايش معه في ظل أي اتفاق أو أي "سلام"؛ وأن السلام لا يمكن أن يستتب في هذه المنطقة مع وجود سيادة "إسرائيلية" في فلسطين العربية ومع وجود احتلال وقيادات صهيونية ترتاد للاستعمار ويدعمها الاستعمار وتحقق مصالحها ومصالحه على حساب شعبنا وحقوقنا ومصالحنا ومستقبلنا. وأن مسار التفاوض معه لا يمكن أن يؤدي إلى نجاح لا سيما على المسار السوري ـ اللبناني، لأنه يريد محو الإرادة السورية والحضور القومي المتبقي من خلال محو مشروعها وهيبتها.
ولما كانت غير مهيأة لذلك وغير مستعدة له، ولا يمكن أن تقبل بذهاب أرضها أو بذهاب جزء من تلك الأرض ولا بغياب بعدها القومي وتأثيرها الفعال، ولا بغياب البعد القومي للقضية الفلسطينية ومن ثم حقوق الفلسطينيين الملزِمة للعرب، وعروبة فلسطين الملزمة للأمة كلها، ومكانة القدس الملزمة للعروبة والإسلام معاً؛ فإنها لا بد أن تجد نفسها دائماً خارج خطوط الوفاق والاتفاق والتعاقد والتعاهد مع الكيان الصهيوني وممثليه ووكلائه ووسطائه، الذين هم في نهاية المطاف وحقيقة الأمر بعض أقنعة ذلك الوجه البغيض. وهذا يملي علينا أن نفكر تفكيراً مغايراً وننهج نهجاً مغايراً يستفيد من الصراع ودروسه وممن عقدوا "اتفاقيات" ثم ألقيت في وجوههم. وحيث أننا عشنا التهديد الصهيوني ونعيش ظروفه، وجربنا الحرب وذقنا طعم الهزيمة والنصر، فإننا، ونحن في الذكرى الثالثة والعشرين لحرب تشرين التحريرية مطالبون بتعزيز روح تشرين وإحياء دروسها وإعلاء شأن عِبَرِها وأبطالها وتضحيات شعبنا فيها؛ لأننا لا نملك إلا طريق تشرين التحرير، طريق التضحية والبطولة والقوة، لتحرير الأرض ودفع العدوان، وردع الطمع الصهيوني بأرضنا وحقوقنا وأمتنا.
إن مناخ الأيام التي سبقت حرب تشرين 1973 هو الذي يسيطر على المنطقة الآن، ويتضخم في الجولان وجنوب لبنان وداخل الأرض المحتلة، ويظهر في أكثر من مجال وتنبعث رائحته وملامحه في أكثر من موقع؛ وليس أمامنا إلا أن نستثمر ذلك المناخ ببعد نظر وروية ومسؤولية قوميتين، لا لنخوض حرباً في غير توقيتها والشروط التي تلائمنا لخوضها، ولكن لندرك أن الحرب ستفرض علينا من قبل العدو الذي لن يغير طبيعته العدوانية، ولندرك أيضاً أنه ليس أمامنا إلا الحرب مستقبلاً لنستعيد الحق والأرض والكرامة، ولنرسخ السلام الحق في أرض السلام؛ أرض العرب والديانات السماوية.
وإذا كان لنا أن نقرأ من جديد مع الشقيقة مصر، ومع أقطار عربية أخرى، حرب تشرين ونستخلص منها العبر، ونتوقف عند ما كان من سلبيات وإيجابيات فإننا إنما نضع أقدامنا على الطريق التي تاهت لسنوات من تحت تلك الأقدام أو تاهت تلك الأقدام عنها، فلا طريق سواها تؤدي إلى الحق والأرض والقدس والكرامة.
وعلى الذين تفرجوا طويلاً على عرب تشرين التحرير، وابتعدوا كثيراً عن روح تشرين وحقائقها ودروسها ووقائعها ونتائجها، أن يعيدوا النظر ويتقنوا القراءة وإجراء الحسابات في ضوء المصلحة القومية وحاجة أبناء الأمة إلى الخلاص من الذل والموت وأشكال المحو والمعاناة والغياب. وفي هذه المناسبة وفي هذا اليوم أتوجه بالإكبار والتحية إلى شهداء الأمة العربية على طريق فلسطين، وإلى شهداء تشرين الذين أعادوا الثقة لأمة فقد أبناؤها الثقة بها، وشقوا طريقاً تدعونا إلى السير فيها لأنها الطريق الوحيدة للمستقبل الكريم. والتحية أيضاً لمن يتمسكون بخط تشرين وبأهداف الشهداء، ولا يرخصون ذكراهم ولا دماءهم ولا الأهداف التي ضحى أولئك الأبطال من أجلها، فكانوا فعلاً: أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر.
2/10/1996
الأسبوع الأدبي/ع531//5/ت1/1996.
|