|
القهر لن يصنع سلاماً
بعد عملية بيت ليد / آذار 1996 / صرح أحد وزراء الحكم الذاتي لجريدة المجد الأردنية / عدد 6 آذار / " بقوله: " إن اتفاق أوسلو وصل إلى نقطة الصفر " وأضاف " إن أوسلو قد غرق في دماء قتلى عملية بيت ليد، وأن سلطة الحكم الذاتي باتت عاطلة عن العمل، وتلعب في الوقت الضائع بعد أن ركب رابين رأسه وأصر على أن أمن " إسرائيل " أولاً، وليس غزة أريحا أولاً... إننا الآن بصدد البحث عن قاطرة لانتشال اتفاق أوسلو من المأزق... "
كان هذا في عهد حزب العمل بزعامة إسحق رابين كاسر عظام أبنائنا من شباب الانتفاضة، " بطل السلام الصهيوني "، والصديق الحميم لقيادات عربية ذرفت عليه الدموع، وحامل جائزة نوبل لسلام أوسلو من أوسلو ذاتها؟! واليوم في عهد بيبي نتنياهو وبعد المواجهات التي نشأت على أرضية " لاءاته " الكثيرة وغطرسته وبسبب فتح النفق قرب المسجد الأقصى في القدس؛ يغرق اتفاق أوسلو من جدد في دماء الفلسطينيين الذين سقطوا في مواجهات النَّفق. ويبدو إن توجيه أسلحة الشرطة الفلسطينية التي كان متفقاً مع عرفات على ألا توجه للإسرائيليين وإنما لحماس والجهاد الإسلامي، كما صرح بذلك المسؤولون الصهاينة علناً، يبدو أن ذلك قد دمر جسور الثقة بشكل نهائي وتحقق ما قاله إسحق رابين: " إن هذه العملية ـ يقصد سلام أوسلو ـ ستموت في اللحظة التي توجه فيها البنادق إلينا "؛ والآن يقول كل طرف من أطراف اتفاقيات الإذعان: لقد وصلت الأمور إلى طريق مسدودة، والعملية السلمية مهددة بالانهيار، وحتى صديق رابين ونتنياهو الأوفى الذي كان أكثر المتألمين لموت الأول وأشد المرحبين بمجيء الثاني إلى السلطة، الملك حسين قال: " نحن على حافة الهاوية وبغض النظر عن أفضل جهودنا فقد نكون على وشك السقوط فيها جميعاً "؛ وكان مسكوناً بالخوف ومسكوناً بالغضب في واشنطن لأن: " المتطرفين ومثيري الحرب هم المنتصرون اليوم " على حد تعبيره !؟! فهل نحن على مشارف مرحلة جديدة من عودة الوعي؟! أم ترانا على مشارف مرحلة جديدة من دفاع النعام ورمال بلادنا كثيرة بحمد الله تكفي لدفن ملايين الرؤوس ؟!.
ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه البارحة بالعقد الماضي من الزمن وبكل عقود هذا القرن، فطريق الدم تجدد متونها دورياً لتبقى عامرة بحقائق تغذي الذاكرة والوجدان وتقدم هذا الصراع على حقيقته: صراع وجود؛ ما أشبه حوادث النفق بـمذبحة " قانا " وما أشبه " قانا " بمذبحة الحرم الإبراهيمي، حيث توهجت عنصرية " " إسرائيل " الدموية " على يدي باروخ غولدشتاين، وما أشبه ذلك بصبرا وشاتيلا يوم جدد الوزير في حكومة نتنياهو أرئيل شارون طريق الدم طريق المجازر التي ارتكبتها الصهيونية بحق العرب؛ ما أشبه صبرا وشاتلا بمذبحة الأقصى وحريقه ثم بسلاسل المذابح إلى أن تصل كفر قاسم ودير ياسين وقبية وقرية الدوايمة، وتقود تلك الطريق إلى جسور توصل الماضي القريب بالماضي السحيق حيث مذبحة أريحا الأولى ومذابح يشوع، عبر سلاسل من الأفعال والمؤامرات المخزية يتصل بواسطتها الماضي اليهودي الأسود، بالحاضر الصهيوني الأشد سواداً في تاريخ اليهودية التلمودية؛ التي يقول ممثلوها اليوم بغطرسة فظيعة وهم يعيدون تقليب الأمور ويفتشون عن طرق بعد مجزرة نتنياهو عند أعتاب نفق القدس: " لا يوجد سوى الأخذ بالأمر الواقع القائم والذي ينبغي أن يستمر، وهو بكل بساطة واضح تماماً: نحن داود وهم جوليات " في إشارة إلى تفوق داود على جوليات العربي قديماً، أي أنها طريق القوة والقهر والاستعداد للحرب في ظل ما يسمى بالسلام !؟!.
فما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه هذا العقد من الزمن بالعقد الماضي يوم كان الإرهابي بيغن يمضغ حقده ويأمر بتدمير العرب، ويخوض ضدهم حروباً قذرة انصبت على لبنان وسورية وأدت إلى احتلال بيروت وفرض اتفاق السابع عشر من أيار 1982، بعد تحييد مصر بسلام " كامب ديفيد "؛ وهو حلم وبرنامج عمل لليكود اليوم يتمنى نتنياهو أن يحققه بكل الوسائل، من خلال طرحه لمشروع " لبنان أولاً " الذي رفضته سورية ورفضه وجه لبنان العربي المناضل اليوم!؟ وما أشبه العقد الماضي بعقد الإرهابي دافيد بن غوريون، وما أشبه.. وما أشبه.. وما أشبه، إلى أن تصل السلسلة إلى هرتزل الذي ما زال حياً في عقل وذاكرة كل صهيوني، خارج فلسطين المحتلة وداخلها.
فكل عقود هذا القرن الذي شهد تنفيذ المؤامرة الصهيونية ـ الغربية / أوربا كلها، غرباً وشرقاً، والولايات المتحدة الأميركية معاً / على العرب وعلى فلسطين خاصة من بين أرض العرب؛ كل تلك العقود من الزمن هي عقود تهيئة للعدوان وممارسة صارخة له، وتثبيت لمعطيات الأمر الواقع المفروض بالقوة على الأرض في السياسة وفي أذهان الناس، وقد تم ذلك بتواطؤ شمل الأمم المتحدة ذاتها، التي كان أول أمين عام لها عميلاً رسمياً " لإسرائيل " زودها بأخطر الوثائق وساعد على تمكينها من رقاب العرب آنذاك.
ومن الطبيعي أن يكون في قلب هذه السلسلة الكالحة بيبي نتنياهو الذي يقوم اليوم بتعزيز الصهيونية والاستيطان والهيمنة والنزوع العنصري في كل المجالات، ويكثر في الوقت نفسه من الحديث عن السلام للتغطية والمراوغة وكسب الوقت لصنع حقائق على الأرض؛ بعد أن قدمه ضباط في جيش الاحتلال ليمارسوا معه ومن خلاله استمراراً لمشروع الصهيونية المتكامل عبر مرحليات زمنية ملائمة ومنطق يلائم المرحليات. ومن الطبيعي أيضاً أن تتكرر المذابح والمراوغة والمواقف والأقوال والأفعال المؤدية لخدمة المشروع الصهيوني بأشكال متشابهة وبوتائر متصاعدة كل عدد من السنين.
وسواء تم ذلك في عهد الليكود أم في عهد حزب العمل فليس هناك من فرق فهما وجهان لعملة واحدة، ونهجان يؤديان إلى تحقيق الأهداف ذاتها!؟ فهل يتعظ العرب يا ترى ويستخلصون من التاريخ عبراً، ويختارون نهجاً استراتيجياً بعيد الأمد يقوم على منطق وحيد تفهمه " إسرائيل " جيداً من دروس تشرين، ويعطي لهم ولكلامهم قيمة ومعنى، هو امتلاك القوة وسلوك طريق التحرير!؟؟
قبل أيام من الانتخابات " الإسرائيلية " القريبة / 1996 / كان شمعون بيريس يخوض في دماء أطفال " قانا " ليرد على ادعاءات الليكوديين بأنه لا يعير " أمن الإسرائيليين " عناية كافية، وليخوض على أرضية ذلك انتخابات ناجحة في ظل تشدد ظاهر في مقدمته الحرص على الأمن ومواصلة الاستيطان والإعلان المدوِّي بأن القدس هي العاصمة الأبدية " لإسرائيل " وأنها لن تقسَّم أبداً وأنه لا مجال لقيام دولة فلسطينية ولا سيادة فلسطينية على " أرض " إسرائيل " " أي فلسطين !؟! وبعد مئة وبضعة أيام من تلك الانتخابات كان نتنياهو يخوض بدم الفلسطينيين في الرملة والقدس ونابلس وقطاع غزة، ليفي بوعوده للناخبين اليهود الذين أعطوه ثقتهم على أرضية الحقد والتعصب.
وكل من بيريس ونتنياهو ـ العمل والليكود ـ يتكلم عن السلام ويتهم الآخر بتهديده، وكل منهما يقول بنظرية الأمن " الإسرائيلي " من منظوره الإستراتيجي لها ويخوض بدماء العرب طولاً وعرضاً من دون رحمة عند اللزوم لتحقيق تلك الاستراتيجية؛ وحين يختلفان ويتشاتمان ـ في الكنيست وخارجها ـ بوصفهما ممثلين لحزبين واتجاهين سياسيين ومنهجين عمليين فإنما يفعلان ذلك على أرضية الإخلاص للعقيدة الصهيونية وللمشروع التوسعي الصهيوني، مشروع " " إسرائيل " التوراتية أو " إسرائيل " رباني، رباتي "، وخلافهما يكون على الوسائل والمراحل وليس على الأهداف النهائية لذلك المشروع، فكل من الحزبين والرجلين يجسد مشروع هرتزل وينميه ويحافظ على جوهره وتفاصيله ويعمل على تحقيقه بالطريقة التي يراها ملائمة، من دون أدنى تغيير في جوهر التكوين والتفكير الصهيوني العنصري الاستعماري الحاقد على العرب الطامع في أرضهم وخيراتهم؛ ويرى في قيام أي شكل من أشكال تعاونهم وتواصلهم وتفاهمهم تهدياً له ولمصالحه ومستقبله؛ وكل منهما ينهل من مقولات الحاخامين الأكبرين الآن " إسرائيل " لاو وإلياهو باكشي ولا يخالفهما بصرف النظر عن علمانية بيريس وأَمْرَكة نتنياهو، وكل منهما يقول في أعماقه بما يقول به الحاخام يسرائيل هرئيل: " على " إسرائيل " الاحتفاظ بهضبة الجولان بكاملها أو بالجزء الأكبر منها ".
في فلسطين المحتلة كلها اليوم كما في الجولان وجنوب لبنان تكثيف للوجود العسكري " الإسرائيلي "، وتهديد بتوجيه ضربات قاسية للفلسطينيين والمقاومة اللبنانية ولسورية، وهناك كما نسمع ونرى ونتابع وتائر متصاعدة من الاستفزاز ومناورات واستدراج كلامي نحو تصعيد حدة التوتر لفرض منطق القوة القاهرة سواء تم سلوك طريق المفاوضات أم طريق المناوشات، ويأتي ذلك كله ضمن استراتيجية صهيونية أميركية تجددها كل الإدارات الأميركية والحكومات الإسرائيلية تقوم على تحالف عميق بين القوتين لتأمين وجودهما المباشر في المنطقة وحماية مصالحهما على حساب العرب ووجودهم ومصالحهم؛ وقبل ثلاثة أيام بالتحديد كان آخر تأكيد في تصريح لوليم بيري وزير الدفاع الأميركي قدمه لإسحق مردخاي وزير الحرب الصهيوني " بأن الولايات المتحدة الأميركية ملتزمة بضمان تفوق " إسرائيل " النوعي على العرب مجتمعين "، وتم دعم ذلك بتقديم قواعد وأجهزة رادار متطورة للكشف الصواريخ البالستية، وبالاتفاق على أن تعملا معاً على تطوير برنامج صواريخ قصيرة المدى تنتج في فلسطين المحتلة. ومن الواضح أن تلك الصواريخ تعد " لجيران " إسرائيل " " ومن من " جيرانها " يقاوم الخضوع لها ويتصدى مشاريعها سوى سورية التي تحمي صمود اللبنانيين في الجنوب وما تبقى من ملامح الوجه القومي للقضية العربية ؟!؟
إن مما يؤسف له تماماً أن نجد أنفسنا مضطرين لقبول الأميركي خصماً وحكماً، وأن نجد الصهيوني من اليهود تحديداً محتلاً لأرضنا ومفاوضاً لنا ووسيطاً في المفاوضات وراعياً " نزيهاً " لها في آنٍ معاً؟! إذ ما هو الفارق الجوهري في النهاية بين دنيس روس وبيبي نتنياهو وكل منهما يهودي صهيوني أميركي؟!
لن يفيدنا الإحساس بالمرارة في ذلك ولا يفيدنا الألم، ما يفيدنا هو أن نقلِّع أشواكنا بأيدينا، وأن نعمل على إقناع أنفسنا بأن العدو: القناع أو الوجه / أي الولايات المتحدة الأميركية / صديق لدود لا بد من العمل على كسب تفهمه ؟!؟ ونحن نردد مع أبي الطيب :
ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى عدواً له ما من صداقته بدُّ
في الوقت الراهن العرب يحاولون سلوك التضامن، وذلك سلاح عربي مجرب، ولكنه السلاح الذي لا يفلح العرب في استخدامه لأكثر من أيام أو أسابيع، ومن المفيد أن نخوض معركة جدية للحفاظ على هذا التضامن وتقويته وجعله يصمد لأشهر أو سنوات ولو في حدود ضيقة ونطاق ضيق؛ إنه فيما يبدو لي الغرسة الأكثر جدارة بالرعاية في ظل العواصف التي تهب على الوطن العربي، وما تقوم به مصر العربية من خطوات للسير على تلك الطريق يحتاج إلى تثبيت وتوسيع وتعميم ليضع العرب في مناخ جديد هيأته القمة العربية السابقة، ويمكن أن توطده القمة العربية المصغرة أو الموسعة التي يتم العمل على إنجازها بمبادرة سورية بعد نتائج الانتخابات الأميركية في شهر تشرين الثاني 1996.
ومن الأهمية بمكان ألا نفقد الأمل من جهة وأن نتبين استراتيجية العدو المستمرة الرامية إلى تعزيز مشروعه الاستيطاني الكبير من جهة أخرى؛ وأن نملك القدرة ونحافظ على حسن الرؤية؛ فبغير امتلاك القوة وإرادة التحرير لن يكون هناك حل أو سلام أو مستقبل آمن مزدهر لأمتنا العربية على أرضنا العربية؛ والقهر الذي يعرض علينا ممزوجاً بالذل لن يصنع سلاماً لنا ولا لسوانا.
دمشق في 16 / 10 / 1996
الأسبوع الأدبي/ع532//1/ت1/1996.
|