|
نشيج على أعتاب القدس
أيها الزاحفون إلى قبوركم، تنبهوا جيداً فأنتم على مشارف تلك القبور، ولن يزيدكم ذلك إلا حسرة وأسى، إذ قد تصلون إليها ولا تغيبكم فيها، وهذا أقسى بكثير مما لو فعلت، لأنكم ستبقون في دائرة العراء تنوشكم عيون الاحتقار والاستصغار، وتشتفي منكم قلوب، ما دام لكم من الوجود مظاهر وقشور.
إنكم تخرجون من دائرة الوهم -الحلم، أو الحلم- الوهم، دائرة الشعار- المبدأ، تلك التي لم تحموها جيداً بعلم وعمل ورؤية واحتشاد، إنكم تخرجون منها وترتمون بعيداً عن دوامة العري التي تجلب العار.
على عتبة الواقع، والواقعية الجديدة، نتف ريشكم، ولم يبق لكم من الطواويس التي كنتموها سوى ذكريات تزهو واندفاعة المواكب وتزاحم الركب في المراكب، حيث الهجرة إلى الصمت واللاحضور.
وحين تفتحون العيون وتحدقون في الآخر -المرآة، لتروا حالكم من بعد الترنح والترزّح، تتبينون وجوداً غير وجودكم، وأن الدود قد نخر عيونكم وخدودكم وقلوبكم. أينما توجهتم تحيط بكم الذكريات والشعارات وأشلاء المبادئ والأوطان والقضايا، وتسيج رؤاكم أعجازُ نخل منقَعِر، ورؤوس في أعواد مشانق، ويهمي فوقكم مطر الدمع ليغرقكم في ملح أجاج، تنحني في خضمّه الهامات لتطرد ظمأ فلا تزداد إلا ظمأ، ويعلو أنوفها زبد ورماد.
يزحف بكم الزمن إلى ساعة محتومة، ليست تلك التي تحمل راحة الموت، بل تلك التي تحمل ذلاً في حياة أفضل منها الموت.. ويا تعس ساعة تطلب فيها الموت ولا يأتيك، وتود فيها أن تغيب عن العيون فتزداد ظهوراً وعرياً أمامها!؟!
وتسألون أنفسكم وأنتم محمولون على أجنحة الوقت: كيف السبيل إلى نسيان شامل يمسح من الذاكرة كل ما كان، ويعيدكم هيولى قبل التشكل في كيان؟! أغلقوا نوافذكم.. لا يوجد أي أمل بشيء من ذلك، ولا يوجد أي نوع من أنواع الخلاص في مثل هذا المنحى، فمحو الذاكرة في العري يحتاج إلى طمس الوعي به، وإلى فصام من نوع نادر لا يواتي في كل حين، ولا يستجيب لدمع وتوسل وأنين، فبعد سقوط حر من برج الوهم -الحلم، تبرد الأرض تحت الساقط عليها، ويحاصره الوعي بحقيقة من هو وبما هو فيه فيحجب عنه المخرج مما ترى فيه، ويتعرى تماماً من قدراته ويستلقي في الصقيع، محبطاً وجامداً وضائعاً.
في مثل هذا الوقت يحتاج المرء إلى جلد التمساح ويتمناه، ويتمنى لو يفقد سمعه والبصر، ولكنه لا يحوز من ذلك شيئاً، فما يتراكم في مجرى العصب يفتك بالقلب والعصب، ويلقي المرء قصبة في مهب الريح تعبث بها الريح.
اليوم أيها الوطن، نلمس، نحن الزاحفين إلى قبورنا، نلمس ترابك ونشمه، يضمنا ونضمه، وتتضوع منا ومنه في وضع العناق حناء الشهادة.
اليوم نستشعر الحزن والتراب في قبضة اليد، نستشعر أننا نفقدك إذ نستعيدك، لأننا نأخذ قبضة التراب ملء اليد، ونتمتع من شميم ما فيها من عرار، ونغادر المكان تاركين الأرض، وشيئاً فشيئاً يذهب ما في القبضة، وتغيم الرؤى، وتتلاشى الملامح، ويغيب المكان، وتبقى الحسرة في القلب، ولا شيء سوى الحسرة في القلب، فما بعد العشية من عرار.. وما بعد العشية من عرار.. وما بعد العشية من عرار. فالأرض التي تسرق قدميك، تسرق أرضاً من تحت قدميك وتمضي زاحفاً في مدى الحلم والأرض إلى أن تصل إلى قيصر يطردك أو يحتقرك.. ثم تدنو منك حفرة لا تعرف أين موقعها من الأرض ولا متى فيها، وتواريك شجونها ولا تواريك إذ قدرك أن يتخطَّفك العار في العراء.
أرض تأتيك أخذت منك، تأخذ منك أرضاً كانت لك، وتضيع رؤاك بين الضحك والبكاء، يضيع يقينك، أرض تأتيك تأخذ أرضاً منك وتأخذ يقينك وقلبك ورؤاك، ويضيع بين أشبار الأرض وأمتارها العمر والكرامة وحلم بوسع التاريخ وعمق الحياة، ويغور في متاهات المصالح والمبادئ، السياسية والنخاسة وعي وتاريخ وحضور ودم كثير.. دم أكثر من كثير.
على أرض الواقع بين.. صلبه وترائبه، ينبجس سيل من ودق المصالح وخبثها، دَِبق ونتن ومقيت، يندلق في الحلوق دون استئذان، ويعطي للإنسان منا صورة وتطلعاً وطموحاً، يجعله ملعوناً من جده وأبيه، خارجاً على ملته وذويه.
على تلك الأرض.. أرض الواقع.. أرض النسل الذي لم يبق احتراماً لذلك النسل في الأرض.. هناك تنتصب رحى ذات قطبين، قطب من ماس وآخر من صوان، تلقينا فيها وتتلقفنا، وتتهاوى عندها أحلامنا، وتنهار شعاراتنا، وتتقزَّم طموحاتنا، وتتقلص إرادتنا، ونغدو بحجم بذر الخردل إن لم يكن أحط وأقل ونغيب في فضاء غث رث، يكاد ينسانا صوتاً وصدى.
ونخاطب ذواتنا من خلف حجاب وهم، وسجف هم نقول:
لقد تضخمت أصواتنا وذواتنا في ماض قريب عشناه رغوة ورغاء، وامتدت ظلال قاماتنا فيه أطول بكثير من تلك القامات، وركبنا خيل الأجداد وسافرنا على أجنحة مجدهم ذكراهم، وفتحنا بالسيف في عصر الصاروخ، وعندما وصلنا تخوم الصحراء على وقع الحداء، تحسسنا زادنا والماء وسيفاً يحتاج إليه المسافر في البيداء، فلم نجد إلاّ الشعر والسحر، وما تجود به الذاكرة من أسماء وأحداث ورموز وذكريات، وما تحفظه من وصفات وصفات، لصداقات وعلاقات، فجلسنا عند تلك التخوم، لا نستطيع اجتياز المفازات، ولا يليق بنا الرجوع إلى حيث الواقع المضني والوقائع المهلكات. كلنا تحت السقف.. كلنا تحت السقف الذي غيب النجوم والسماء ونور الشمس، وغدا ثقيلاً كئيباً، كلنا تحت سقف يصنعه تظافر الخوف والوقائع، ويقدم لنا صفيحة ساخنة نشوى على سطحها، نارها نارنا ونار العدو، ومادتها واقع عالم اليوم ووقائعه، ذلك الذي لم يعد لنا فيه إلاّ موقع اليتيم على مائدة اللئيم ومع ذلك يدّع بعضنا بعضاً ونحن نتزاحف إلى أعتاب اللئام.
كلنا تحت السقف الثقيل الكئيب، سقف الواقع الذي صنعه ضعفنا وخوفنا وتفرقنا وتزاحمنا على أعتاب الغير، كلنا تحت رحمة ذلك الواقع- السيف: من كان يعمل منا ومن كان يهمل، من كان يصرخ منا أن استيقظوا ومن كان يغط في نوم عميق، من كان يخرق السفينة، ومن كان يرمم كل الخروق فيها.. كلنا على مساحة الرمل المحرقة يشوى بنار الحدث المتقدة، ويجني الحنظل بيد كانت تروم جنى المجد.
هناك من يستشعر مساحة الرمل، ويشم رائحة الحرق، وهناك من يغيب عن الوجود جراء ما يواجهه من وجود، وهناك من يرى نفسه على شاطئ السلام والأمان، يعيش في بساتين العشق، ويتفحص تفاصيل ما بين التعابير، ويشتد نحو يوم يصبح فيه والعدو في صف واحد يحاربان حرباً "مقدسة" ضد من كان الأخ والشقيق والمواطن والصديق.
يا تعس يوم يزحف علينا، يحمل في طياته ثقل الواقع وصدمات الوقائع، ويظهر لنا السكاكين التي في ظهورها بأيدٍ كانت تمتد لتصافحنا بأمان، وتغدق علينا من عيونها اللطف والحنان، يا تعس يوم يأتي.. والعدو فيه "صديق" والصديق فيه مغيب في ثوب العدو، ويا تعس ساعة نقف فيها على مشارف قبورنا فترفضنا قبورنا، ويا تعس ساعة ننظر فيها إلى الوجه -القناع وقد تعرى عن قناع- وجه، لا نعرف متى ينتهي تحوله وتلونه وتساقطه.. وهو يترهل ويتحول ويتهزّل، ويلبس لكل حالة لبوسها، ويسوقك وينساق معك، حتى إذا أشرفت لحظة ملائمة له ذبحك.. من الوريد إلى الوريد.
ولكن لا بدّ من تلك الصّاخّة، ولا بدْ من مواجهة الاستحقاقات في أوانها، وعلينا أن نتجهز لذلك ونحن نزحف إلى مجدنا أو قبورنا.. فيا حبذا يوم يكشف الأيام، ويا بؤس عيش يظلم فيه الأنام ويعيشون الغفلة. فرب ضارة نافعة، وبعد كل شدة فرج.. وعلينا حتى ونحن نزحف إلى ميقات تتخلع منا عنده القلوب أن نكون على استعداد لأن نعمل من أجل ولادة من رماد.
فنحن طائر "السيمرغ" ونسل "الفينيق" وأمة العرب، وأتباع الذكر الحكيم، ومن ينهضون من رمادهم كلما احترق بهم الرماد.
فليكن يوم موت.. وليكن يوم حياة، فليكن يوم مواجهة لعدو يراد أن نراه "صديقاً" لكي تولد فينا بصيرة تميز العدو من الصديق، وتصنع بالوعي والعلم والإيمان والعمل، قوة تنزلنا المنزلة التي تليق بنا بين أمم الأرض، وإلا فموت كريم خير من حياة ذل.
فيا أيها الزاحفون إلى قبوركم.. فليكن زحفكم نحو الأمل فإنه يليق بكم النصر والأمل، ويليق بكم النصر والعز وزهو الحياة.
الأسبوع الأدبي/ع533//19/ت1/1996.
|