صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

شيراك والديغولية في الشرق

من رأى الرئيس الفرنسي جاك شيراك في شوارع القدس القديمة محاطاً بقوى أمن الاحتلال الصهيوني، يحاول وهو الرئيس الضيف أن يشق طريقاً له بيديه، معزولاً عن صحبه وحاشيته وعن حركة الحياة والناس من حوله، محاصراً بقرقعة القوة وهمجيتها وغطرستها؛ يقف أمام صورة رمزية مصغرة يدرك من خلالها مدى ما تود أن تفرضه الولايات المتحدة الأميركية على أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً من هامشية ومحدودية فيما يتعلق بالدور الذي تتطلعان إلى القيام به في المفاوضات بين العرب والكيان الصهيوني؛ ويتبيّن جيداً بعض صيغ ممارسات "إسرائيل" القمعية في الأرض العربية المحتلة وهي تظهر بأكثر صورها "حضارية" في مجال من أدق المجالات الدبلوماسية، وهذه فرصة نادرة وفرتها حماقة نتنياهو التي تعبر أفضل تعبير عن حقيقة الصهيونية ونزوعها العدواني، وعن استراتيجية "الدولة" العنصرية التي تنفذ برنامجها التوسعي ضد العرب.‏

ففرنسا الديغولية في عهد شيراك، الطموحة إلى دور قيادي متميز في أوروبا، وإلى دور أوروبي مستقل ومؤثر ومقبول في السياسة الدولية، لا سيما في الشرق وفي قضية بحجم القضية الفلسطينية، أتت إلى الشرق بموقف وهدف واضحين لتقول كلمة ولتمارس حضوراً فاعلاً في أعقد الصراعات الدولية وأطولها في هذا القرن، ولتعيد للأذهان دوراً وتاريخاً لها ولأوروبا في المنطقة تعملان جاهدتين على استعادته بعد أن جردتهما الولايات المتحدة الأميركية من ذلك الدور، فكان أن لاقت فرنسا هذا القدر من الترحيب عند العرب، ووجهت بذاك القدر من الرفض والصفاقة والحماقة من الكيان الصهيوني، وبتصريحات وممارسات علنية- أميركية و"إسرائيلية" -ترفض أن يكون لها أكثر من نصيب ممول بليد في عملية السلام.‏

ونجاح زيارة جاك شيراك لسورية يؤسس عملياً لنجاح المسعى الأوروبي المتعاون مع العرب في هذا المجال، ويحقق خطوة جديدة ترتكز على نجاح سابق حققته السياستان السورية والفرنسية بمواجهة الرفض الأميركي -"الإسرائيلي" لدور فرنسي إبّان العدوان الصهيوني على جنوب لبنان في نيسان الماضي إثر مذبحة "قانا"، حيث دخلت فرنسا عضواً رئيساً في لجنة مراقبة تنفيذ التفاهم الأخير، وأصبحت طرفاً يحضر اجتماعات الناقورة ويقدم الاقتراحات ويعكس صورة الوضع إلى الخارج كما يتابعه من الداخل.‏

وسيؤدي هذا النجاح لمهمة شيراك، وإعلانُه الواضح عن الإلتزام بمرجعية مدريد، ووقوفُه إلى جانب قيام دولة فلسطينية مستقلة، سيؤدي إلى خلخلة في الوضع الراكد الذي تتحكم فيه أولاً وآخراً أطراف صهيونية سواء كانت تلك الأطراف أميركية أو "إسرائيلية".‏

ولا يُستبعد بعد هذه الجولة الفرنسية التي تعتمد النظرة الديغولية، أن تركز الإدارة الأميركية جهودها على دفع المفاوضات مع الأطراف المعنية لتقطع الطريق على الأوروبيين الذين يتخذون من جمود المفاوضات وتردي مساراتها جميعاً حجة للدخول في مجالاتها، وقد ظهر شيء من هذا في اليوم الأول لزيارة الرئيس شيراك إلى فلسطين المحتلة، فقد عاد دنيس روس إلى الاجتماعات المتعلقة بإعادة الانتشار في الخليل بعد أن كان في طريقه إلى المطار مغادراً نتيجة لفشل المحادثات التي استمرت أسبوعين، وجرى ضغط ظاهر لإحراز تقدم في بعض المجالات لكي لا يخرج شيراك بموقف يعزز ضرورة تدخل فرنسا وأوروبا من أجل تحقيق تقدم في العملية السلمية.‏

والظلال التي ألقاها "غضبُه المقدس"- كما وصفته الصحافة الفرنسية- بعد تجوُله في القدس القديمة ومضايقة أمن الاحتلال له ومنعه من الاتصال بالناس، لا سيما بالفلسطينيين هناك، لابد أن تنعكس على العلاقة بين فرنسا والكيان الصهيوني على الرغم من اعتذار نتنياهو له رسمياً وقول شيراك بأن الأمر قد انتهى.‏

وهذا يؤسس لمناخ جديد يمكن للعرب أن يتفهموه جيداً أو يستثمروه جيداً لمصلحة القضية العادلة والحق العربي في فلسطين ولخلق علاقات جديدة وتقديم معطيات جديدة على الصعيد الدولي بين أوروبا والعرب من جهة، وضمن ما يسمى بالنظام الدولي الجديد من جهة أخرى.‏

فدخول فرنسا الخط الديغولي كلاعب ذي مواقف ورؤية سياسية وأخلاقية مستقلة، ومصالح، وكطرف رئيس لعب دوراً تاريخياً في خلق هذه المشكلة مع بريطانيا العظمى، لابد أن يكون له تأثير إيجابي على مجمل العملية، ومن المستبعد أن تكون فرنسا وشيراك مجرد لاعب موظف لأغراض ليس لفرنسا مصلحة فيها، أي طرف طُلب إليه أن يدخل الملعب السياسي من قبل الإدارة الأميركية لتحريك الجو ضمن مخطط متفق عليه؛ لأن مؤشرات نيسان الماضي، وما رافق جولة شيراك الحالية، والاستقبال الفاتر الذي جرى له في فلسطين المحتلة، وعدم التركيز الإعلامي من قبل "إسرائيل" على جولته ونتائجها، كل ذلك يشير إلى جدية الخلاف وقوة الرفض "الإسرائيلي" الأميركي لدور فرنسي في عملية السلام، وجدية الموقف الفرنسي المطالب بدور فعال في تلك العملية، كما يشير إلى سياسة فرنسية مغايرة عما كان لفرنسا من سياسة قبل سنوات قليلة؛ وهي سياسة تأخذ بالاعتبار كل الدروس المستفادة من حرب الخليج الثانية على الخصوص.‏

ومنظور شيراك الذي قدمه في جولته لا يلغي البعد الاستراتيجي للسياسة الفرنسية الجديدة في المنطقة والتركيز الذي يريده "أوربياً" على المتوسطية التي انطلقت من مؤتمر برشلونة، ولذاك المنظور تأثيره السلبي والإيجابي على القضية الفلسطينية وعلى منظورنا لجوهر الصراع العربي الصهيوني وآفاقه المستقبلية، حسب موقع الناظر إلى ذلك الصراع من العرب. وموقفه منه، والأهداف النهائية التي يتطلع إليها.‏

ففرنسا شيراك تركز على تطبيق مرجعية مدريد وتذهب إلى تطوير فرعي أضيف إلى تلك المرجعية من دون أن يكون منها بنص أصيل، وهو ذاك الذي يؤكد على أمن "إسرائيل" -معزوفة نتنياهو المستمرة- ولكنها ترى أن السلام يحقق الأمن أكثر من أي شيء سواه ولا يتحقق ذلك من دون انسحاب من الجولان وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.‏

ومعنى هذا، ضمن الطرح المتوسطي، تأكيد على اعتراف "بدولة إسرائيل" وعلى تطبيع العلاقات معها وعلى دخولها عضوياً في حوض متوسطي يحتضنها، حوض تدعمه أوروبا وترعاه؛ وهو طرح يرمي إلى مناهضة "الشرق أوسطية" التي يقول بها بيريس وترعاها الولايات المتحدة الأميركية وتخطط لها من خلالها لهيمنة أمنية واقتصادية "إسرائيلو-أميركية"، في المنطقة يتحالف مع بعض دولها، مع تهميش نسبي للدور الأوروبي فيها.‏

والمتوسطية الأوروبية تحاول أن تحفظ مصالح أوروبا وتراعي مصالح الآخرين وتقيم قوة اقتصادية للسوق الأوروبية نفوذ فيها، ولأوروبا كلمة سياسية مسموعة لدى أطرافها ولكنها -أي المتوسطة- لا تلغي على الإطلاق تأكيدها لمصالح "إسرائيل" وحقها التاريخي في البقاء، ولا تناقش مواضيع مثل حق العودة بالنسبة للفلسطينيين، ولا تذكر جذور الصراع العربي الصهيوني وتاريخية عروبة فلسطين. إنها تنطلق من سايكس -بيكو ومن نتائج الصراع التي استقرت على الأرض في حرب 1967، وترسخ الظلم الذي لحق بالعرب في أوسلو ووادي عربة، بل تنظر مع بعض العرب إلى المحافظة على "تلك المكاسب" التي تحققت؟!؟.‏

وحين يقدم الرئيس شيراك في مؤتمره الصحفي مثال "أوروبا" التي عادت إلى التعاون والتفاهم والسلام وتطبيع العلاقات بعد حروب طاحنة، يرى إلى القضية الفلسطينية وما نتج عنها من صراع على أنها نزاعات بين أطراف مستقرة في المنطقة ذات حقوق ثابتة فيها وأن مصير هذه النزاعات هو الحل بالتفاهم، وأن القوة التي تثبت أمراً واقعاً لا مجال للتصدي للظلم التاريخي الذي ألحقته، وإنه يتوجب على "العقلاء" أن يبدؤوا مما استقر على الأرض، وأن يقيموا علاقات طبيعية بينهم في ظل سيادة "كل دولة" على أراضيها؟!.‏

هذه النقطة التي تلتقي فيها الأوسطية والمتوسطية هي في النتيجة أخطر ما هو قائم من تنسيق خفي بين الغرب كله- أوروبا والولايات المتحدة الأميركية- من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى؛ وهو الذي ينظم النشاط الذي يبدو متضاداً في بعض الأحيان.‏

فانتزاع اعتراف، وفرض تطبيع، وإقرار المرحلة، الثانية من مراحل المشروع الصهيوني، كل ذلك هو الأهداف النهائية للمرحلة الثانية في هذا المشروع العنصري- الاستيطاني الغربي المنشأ، الذي أصبح اليوم موضع سباق بين القوى لتجييره لمصالحها وليس لإعادة النظر فيما خلقه من بؤر صراع لن تنتهي في هذه المنطقة من العالم، وهو المشروع الذي راهن على استثماره الكبار دائماً فاستثمرهم من دون رحمة.‏

ومن هنا تأتي ضرورة التنبه إلى الخفايا التي يحملها المشروع الفرنسي الذي يأتي في ظروف مواتية جداً للعرب، وفي ظروف دولية لا بدائل لها أفضل منها الآن.‏

إن المرتجى هو أن نأخذ بما يلي: ونحن ندخل هذه الحلبة متفائلين:‏

1- نتعامل مع الرؤية الأوروبية، والمواقف الفرنسية تعاملاً إيجابياً يؤدي إلى توازن في صراع القوى والمصالح الغربية في هذه المنطقة، وهذا يفيدنا في ظل الضعف الذي نعاني منه وفي ظل اختلال موازين القوى الصارخ الذي يميل لمصلحة العدو الصهيوني.‏

2- نتنبه إلى مخاطر ما ينشأ من اعتراف وتطبيع مع العدو الصهيوني في ظل الراية الأوروبية التي تبدو بيضاء. ونعمل على توطيد علاقات تعاون مع فرنسا خاصة وأوروبا عامة تقوم على تبادل المصالح والمنافع بوضوح، بما لا يلغي نظراتنا الاستراتيجية للحق العربي في فلسطين، ونقيم مصلحتنا الحيوية في ظل تنازع مصالح الكبار أياً كان أولئك الكبار وأياً كان القناع الذي يرتدونه؛ وعلينا أن نتذكر دائماً أننا إنما نتعامل مع الاستعمار بأشكاله المختلفة ومصالحه المقدمة لديه على كل الصيغ القانونية والخُلُقية والإنسانية.‏

3- نستفيد من استعداد فرنسا للتعاون، ومن رغبتها في بناء قرار أوروبي مستقل عن القرار الأميركي، ونطرح على بساط الامتحان الحق للنوايا والمواقف والتوجهات أسئلة منها:‏

هل هي على استعداد للمساهمة في معالجة الخلل الاستراتيجي الحاصل بين الدول العربية و"إسرائيل" بتقديم السلاح للعرب عند اللزوم، خارج حدود الوصاية الأميركية- الصهيونية؟!‏

إن لعاب الأوروبيين يسيل من أجل إيجاد أسواق لهم في ظل التنافس الذي تفرضه السياسة الأميركية وتجبر فيه دول الخليج العربي والسعودية على شراء كميات هائلة من السلاح لا يتاح لتلك الدول استخدامه إلا في حروب عربية- عربية أو عربية- إسلامية، ولا يتم ذلك الاستخدام إلا بإمرة مباشرة من قبل الأميركيين.‏

والغرب الأوروبي- فيما يبدو لي- ليس لديه الاستعداد ولا "الأوامر" ليفتح سوق السلاح مع بلدان عربية ليست في السلة الصهيونية-الأميركية تماماً.‏

وهذا الاختيار لن يؤدي إلى نتائج عملية ولكنه سيكشف نوايا حقيقية ويبين إلى أي مدى تملك فرنسا الديغولية الجديدة أو تريد أن تملك من قرارها السياسي المستقل، وإلى أي مدى هي مع الحق والعدل ويمكن أن تضحي من أجلهما، وإلى أين يمكن أن تصل في دعمها للقضايا العادلة؟! وما هي نظراتها الفعلية للحق العربي وكيفية التعامل معه في حال استمرار نتنياهو الممثل الفعلي للصهيونية في غطرسته ولاءاته وزحفه الاستيطاني واستفزاز القوة الذي يمارسه يومياً ضد سورية ولبنان وضد الفلسطينيين؟!؟...‏

4- نستفيد من التحولات الشكلانية التي قد تطرأ على الموقف الأميركي التي قد تدخل في امتحان تنافسي مع أوروبا، التي تحاول أن تجبرها فرنسا إلى الرؤية الديغولية وإلى صداقة ثابتة وعلاقات استراتيجية مع الشرق.‏

إن زيارة شيراك قد قدمت جديداً، وهي إن لم تفعل سوى تحريك الماء الراكد فإنها تكون قد فعلت شيئاً مهماً في هذه الظروف، وما حققته تلك الزيارة في سورية وفي الكيان الصهيوني يعد أنموذجاً بالنسبة لمصالحنا نحن العرب في الظرف الراهن.‏

فالنجاح الذي حققه في سورية، واستئناف علاقات تبدو طيبة وعلى طريق ثابت وسليم، قابله إخفاق ظاهر- على المستوى النفسي والاجتماعي والدبلوماسي على الأقل في "إسرائيل". وهذا بحد ذاته سوف يطرح على الرأي العام الفرنسي والأوروبي بعض الأسئلة ويدفعه إلى طرح أسئلة تتعلق بالكيان الصهيوني وممارساته.‏

أما تأكيد حق الفلسطينيين في دولة، وتأكيد الموقع الخاص للقدس العربية فهما موقفان يستحقان أن يسجلا لشيراك بوصفه رئيساً وديغولياً ورجل موقف وسياسي يعود إلى الشرق بأخلاقية رفيعة يقدرها الشرق، ولا يهز العرب أكثر منها في ظروف المحنة التي هم فيها في هذا الزمن الرديء.‏

إن العرب الذين يدخلون اليوم مرحلة استعادة الوعي أو عودته، ولو في حدود ضيقة، يتلقون دفعة إلى الأمام على طريق القومية العربية والوحدة العربية وحقوقهم المغتصبة فهل يحسنون استثمار هذه المرحلة؟..‏

أتمنى ذلك من كل قلبي...‏

الأسبوع الأدبي/ع534//26/ت1/1996.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244