|
قراءة في التصعيد الأخير
يستمر التصعيد الذي بدأه العدو الصهيوني منذ استلام حكومة الليكود الحكم، وتضاعفت وتائره خلال الأيام الأخيرة بشكل ملحوظ، لا سيما بعد زيارة شيراك للمنطقة .
فقد أعلن عن بدء التنقيب عن النفط في الجولان المحتل، وعزز حشوده العسكرية فيه، بعد أن أجرى مناورات تضمنت التدريب على احتلال مواقع جديدة .
وأعلن عن فتح باب الاستيطان بكثافة في الضفة الغربية وفي الجولان ببيعه ثلاثة آلاف شقة سكنية للمستوطنين الجدد، لمصادرة أراضٍ جديدة بحجج مختلفة؛ وبعد فشل المفاوضات حول إعادة الانتشار في الخليل مع سلطة الحكم الذاتي، أغلق ملف التنفيذ ليفتح باب الاستيطان فيها بإعلان صهر نتنياهو عن عزمه الاستيطان في الخليل ذاتها.
وفي جنوب لبنان يستمر القصف والتدمير، وتمارس يومياً أشكال العدوان على مدنيين رغم تفاهم نيسان الذي أعقب مذبحة " قانا " .
وبعد الحشود والتصعيد الأخير في الجولان أطلق مسؤولون عسكريون ومدنيون صهاينة تهديداتهم ضد سورية، وأعلن أولئك بصلف وقح: " إنهم يملكون جيشاً قوياً قادراً على فرض السلام في المنطقة. " .
ورفض مسؤولو وزارة الخارجية الصهيونية قرار الاتحاد الأوربي تعيين مندوب أوربي يتابع المفاوضات ويقوم بتحرك نشط في مجالاتها جميعاً، رفضوا ذلك بحجة أنه يخالف مرجعية مدريد، وهم الذين لم يحترموا يوماً تلك المرجعية .
فماذا يعني ذلك كله في الظروف الراهنة، وما الذي يمكن أن يؤدي إليه عملياً؟! وهل تقدم هذه المؤشرات قراءة جديدة لاتفاقيات الإذعان التي وقعت بعد مؤتمر مدريد وقبله؟! أي: أوسلو ووادي عربة، وكامب ديفيد؟! .
يعتقد نتنياهو والجنرالات الذين تسلموا وزارات في حكومته وفريقه من المستشارين الجدد أن الظروف العربية والدولية مهيأة الآن لفرض " لاءاته " على العرب الرافضين لها، ولإقامة " سلام مقابل سلام " مع سورية ولو تم ذلك بقوة السلاح. ويرى في التفويض الذي منحه إياه الناخبون اليهود في فلسطين المحتلة مستنداً يتيح له استخدام القوة لتحقيق " الأمن "، ووثيقة تمكنه من إعادة النظر فيما يسميه :" تفريط حزب العمل بأرض " إسرائيل " وأمنها. " .
وفي ظل :
- اختلال ميزان القوى العسكرية لمصلحة " إسرائيل " .
- وغياب مصدر تسليح لسورية، وحليف سياسي قوي لها في الساحة الدولية،
- وتهافت عربي على فتات " السلام " الإسرائيلي وهرولة عربية إلى أعتاب الدولة التي تعتمدها الولايات المتحدة الأميركية ممثلاً لمصالحها وحامياً لتلك المصالح في " الشرق الأوسط " .
- وتحالفات " إسرائيل " الجديدة مع تركيا علناً ومع الأردن سراً لتغيير الجغرافيا السياسية في العراق، ولجم سورية، وفرض حجم صغير جداً لتطلعاتها القومية والتحريرية والنهضوية .
- استباقاً لنشوء حالة " ديغولية " في الشرق تفرض حضوراً أوربياً عاماً وفرنسياً خاصاً قد يؤثر على موازين القوى، ومن ثم على القرارات والتوجهات الدولية وربما العربية .
في ظل هذا لجأت حكومة العدو إلى التصعيد مستندة إلى قراءة سياسية - عسكرية تفترض أن توجيه ضربة قاسية إلى سورية سوف يوقف كل ما يخيف "إسرائيل" من احتمالات تغيير في المنطقة لا ترضي الولايات المتحدة و"إسرائيل" مما ينذر به، أو يبشر به :
1 - مؤتمر القمة العربية في القاهرة، وما أسنده لمصر من دور أدى إلى تحرك ومواقف مغايرة لما كان سائداً في السابق .
2 - التقارب التركي الإيراني في ظل حكومة أربكان، والدعوة إلى تحسين العلاقات العربية - الإسلامية، والتركية السورية .
3 - التنسيق الممكن بين سورية وإيران .
4 - والتحرك الفرنسي الذي كان يعطي دفعاً للعرب عامة والفلسطينيين خاصة، وما تركه من ظلال قائمة في القدس على حكومة نتنياهو .
5 - رفض سورية الانصياع لشروط " إسرائيل " التي تقدمها لإعادة المفاوضات وفي مقدمتها عدم الانسحاب من كل الأراضي المحتلة في عام 1967 .
إن الظروف والمعطيات الراهنة، وما خلفته " إسرائيل " من واقع جديد على الأرض، والاستفزازات والتهديدات وكذلك البرامج الفعلية التي تنفذ في إطار سياسة تعتمد القوة في الوصول إلى أهدافها، وترى أنها الأداة الوحيدة " لفرض سلام " و " فرض أمن " و " تحقيق مكاسب " على الأرض. إن كل ذلك يجعل الاحتمالات مفتوحة والخيارات كلها قائمة بالنسبة للأطراف المعنية جميعاً.
إن عدواناً صهيونياً محتملاً على جنوب لبنان، أو على القوات السورية في لبنان، أو على سورية في مواقع حساسة انطلاقاً من تصعيد الوضع في لبنان والجولان، كل ذلك أو بعضه سوف يؤدي إلى تحرك آلة الحرب العدوانية التي نعرف جرائمها جيداً في منطقتنا، وهي آلة صهيونية عنصرية تملك الترسانة الأميركية بشكل منها وتستفيد من قدراتها من دون حساب .
ومعنى هذا أن الخسائر التي قد تلحقها " إسرائيل " بسورية ولبنان لن تكون بسيطة، ولكنها لن تؤدي إلى فرض " سلام إسرائيلي " على سورية هو الاستسلام، كما أن ذلك لن يكون من دون ثمن باهظ تدفعه قوة العدوان .
فسورية تدرك جيداً في أية أرض سياسية وعسكرية تتحرك، وتدرك الظروف والمعطيات العربية والدولية وتتعامل معها بحساباتها الخاصة أيضاً، وتعرف ما يعنيه الوضع العربي الراهن وما قد يسفر عنه من تغيير، وتأخذ استعدادها لرد العدوان المحتمل ذلك الرد الذي سيلحق " بإسرائيل " خسائر لا تحتمل؛ وسورية تعرف كيف تتعامل مع الاستفزاز اليومي الوقح لعدو أصبح من الواضح لكل ذي بصر وبصيرة أنّه لن يتوقف في مطامعه عند حدود، وأنه لا يمكن التعايش معه ولا القبول بما يريده .
وحسابات الرعب المفتوحة هذه ستؤدي :
- إمّا إلى الاشتباك الساخن الذي سيؤدي بدوره إلى قلب كثير من الموائد المستقرة بين دول عربية والكيان الصهيوني وإلى تحرك نشط في الساحتين العربية والدولية تغير المستقر الآسن الذي نشهد تأثيره السلبي على قضيتنا المركزية منذ مؤتمر مدريد؛ وإلى إعادة النظر بحسابات وعلاقات كثيرة. ولا يعرف أحد متى تنتهي الحرب ولا ما الذي تسفر عنه فعلاً، حتى بالنسبة لذاك الذي يعرف متى يدخلها وكيف؟! .
- وإمّا إلى تصعيد يواكبه تصاعد الاهتمام - عربياً ودولياً - بالعودة إلى المفاوضات على أرضية مستقرة تحترم المرجعيات القانونية والدولية، وتثق بالاتفاقيات الموقعة أو تلك التي يمكن أن توقع. سواء عادت تلك الأطراف إلى " واي بلانتيشن " أو إلى موسكو أو إلى أي مكان آخر .
ويبدو لي أنه في أي من الحالتين: حالة الاشتباك الساخن أو حالة العودة إلى التفاوض لن تبقى الأمور على ما كانت مستقرة عليه لا سيما من حيث رعاية المفاوضات، ولا بد أن يدخل الجانب الأوربي دخولاً فاعلاً بعد التحركات والمواجهات الأخيرة وبعد وتائر التصعيد الملحوظة وتحرك الروس الأخير لوصف روسيا أحد راعيي المؤتمر " العتيد " مؤتمر مدريد لن يوقف المطلب الأوربي المرحب به عربياً، بل المطلوب عربياً، بأن يكون لأوربا حضور فاعل في المفاوضات. وسواء كان التحرك الروسي قد تم بدفع أميركي لتطويق المسعى الفرنسي أو تم باندفاع لاستعادة موقع ومصالح وللحفاظ على مكانة وكرامة، أو تم تحت تأثير ضغط صهيوني
- أميركي مشترك لاحتواء التحرك العربي والفرنسي معاً، فإنه بتقديري لن يشل الرؤية العربية والحاجة العربية لإيجاد توازن ما في رعاية المفاوضات، لأن الإدارة الأميركية الحالية والتي يمكن أن تأتي بعد انتخابات تشرين الثاني المقبلة هي في النهاية طرف " إسرائيلي " في المفاوضات مع الأطراف العربية رغم الادعاءات العريضة بالحياد والتوازن ورغم الكذب " الإسرائيلي " الصارخ بأن الأميركيين غير منحازين وأن الفرنسيين هم الذين ينحازون للعرب (؟!)
وأياً كانت مسارات الأحداث على أرضية التصعيد والاستفزاز القائمة حالياً في المنطقة، ولاسيما في الجولان وجنوب لبنان والخليل والضفة الغربية، فإن اتفاقيات الإذعان ستتأثر لأنها ستظهر عارية من ورقة التوت، والعرب المهرولين على أعتاب العدو سوف يصدمون بخناجره في صدورهم أو بأنشوطته حول أعناقهم، والموقف الصلب لسورية وثباتها على مبدئية وحق وسعيها السياسي المدرك لأسرار اللعبة سيزيدها إشراقاً بنظر الجماهير العربية، وينقلها من حالة الاسترخاء على فراش أحلام العرب بالسلام مع أعداء السلام، إلى حالة من التوتر البناء والمواجهة الحادة لحقائق ما بعد " واي بلانتيشن " ووقائع الأطماع الصهيونية على الأرض؛ وأياً كان ثمن ذلك فلن يكون من دون إيجابيات تنعكس على مسيرة طويلة وشاقة هي مسيرة تحرير الأرض العربية المحتلة، كل الأرض العربية المحتلة، وإعادة الثقة إلى العربي، والسير الواثق على طريق البناء ..طريق القوة والعزة والكرامة القومية، وليس هذا إذا ما تحقق بقليل .
الأسبوع الأدبي/ع535//3/ت2/1996.
|