صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

نحن وكلنتون بين رئاستين

فاز الرئيس الأميركي بيل كلنتون بفترة رئاسة ثانية تجعله يختم القرن العشرين رئيسا لأكبر دولة في عالم اليوم، وهو بذلك يكون أول رئيس ديمقراطي تجدد رئاسته منذ ستين عاماً ونيف بعد فرانكلين روزفلت، وأصغر رئيس أميركي تجدد له الرئاسة .‏

وقد عزز كلنتون وضعه الانتخابي وثقة الأميركيين به وثقته بنفسه بهذا الفوز إذ حصل على أكثر من خمسين بالمئة من أصوات الناخبين مقابل اثنين وأربعين بالمئة من الأصوات حصل عليها في الدورة الماضية، وبقيت السيطرة في مجلسي الكونغرس للجمهوريين الذين عززوا مواقعهم في المجلسين أيضاً .‏

وفوز كلنتون برئاسة ثانية وأخيرة يعني جملة من الأمور لا سيما في السياسة الخارجية الأميركية وما ينعكس منها على منطقتنا، وما يتعلق من ذلك بمسيرة " السلام "، فمن المعروف أن كلنتون كان من أكثر الرؤساء الأميركيين مناصرة " لإسرائيل " ومن أكثرهم مجاهرة بهذه المناصرة، وكان له موقف واضح إلى جانب شمعون بيريس في الانتخابات "الإسرائيلية " التي جرت في أواخر أيار الماضي، وقد تمت نسبياً في ظل التنافس الأميركي " الديمقراطي - الجمهوري " على الرئاسة، حيث اتخذ الكونغرس بزعامة الجمهوريين مواقف مناصرة لسياسة الليكود واليمين الصهيوني المتطرف، وبلغ ذلك ذروته في القرار المتعلق بجعل " القدس عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل " ونقل السفارة الأميركية إليها. واتخذ الديمقراطيون، لا سيما الرئيس كلنتون، مواقف مناصرة لحزب العمل ولعودة بيريس إلى رئاسة الحكومة، تعزيزاً لما يراه في حزب العمل وبيريس من حنكة سياسية ومرونة؟ والتقت في تلك الفترة مواقف بعض الحكام العرب مع موقف الرئيس كلنتون أو بنيت على تلك المواقف ونبعت منها، فكان كثرة منهم إلى جانب بيريس خليفة رابين، رغم غرقه في دماء الجنوبيين وأهل " قانا " على الخصوص، وذهب بعض الزعماء العرب إلى تحمل نفقات مالية لمساعدة حملة بيريس الانتخابية على أرضية التطرف الذي أبداه نتنياهو في حملته الانتخابية؛ وحده الملك حسين من بين الرؤساء حظي برضا نتنياهو الرئيس الذي نجح ووحده الذي بارك هذا النجاح .‏

وجاءت النتائج النهائية اليوم لتحالف أحزاب أمركية "وإسرائيلية " متعادلة نسبياً: فحليف كلنتون " بيريس " يسقط في الانتخابات بينما ينجح كلنتون نفسه، وحليف "دول" نتنياهو ينجح في الانتخابات بينما يسقط " دول " نفسه، وأكثرية الكنيست جاءت لمصلحة من لم ينجح في انتخابات رئاسة الحكومة في الكيان الصهيوني، أي لحزب العمل، وأكثرية مجلسي الكونغرس الأميركي جاءت لمصلحة من لم ينجح في انتخابات الرئاسة الأميركية، أي للحزب الجمهوري؛ من دون أن يعني هذا قدرة هذه الأكثرية النيابية على سحب الثقة من أي من الرئيسين أو شلّ قدرة أي منهما على العمل، بالرغم من أن نتنياهو رئيس حكومة وليس رئيس دولة، فحسب التعديلات القانونية الأخيرة في الكيان الصهيوني لا يجوز للكنيست أن تسحب الثقة منه لأنه منتخب مباشرة من الجمهور إلا بأكثرية الثلثين، وقد حدث أن صوتت أكثرية الكنيست إلى جانب حجب الثقة عن الحكومة قبل أسابيع من دون أن يؤدي ذلك إلى سقوط الحكومة.‏

وهذا الوضع يقدم مؤشرات مستقبلية لتوجيهات وممارسات سياسية تتأثر بها منطقتنا كما تتأثر بها "العملية السلمية " والمفاوضات الجارية في إطارها: ثنائية كانت تلك المفاوضات أم متعددة الأطراف .‏

فمن المؤكد أن الرئيس الأميركي المنتخب سيحافظ على ما حققه من نجاح سياسي واعتبره أساساً مما بنى عليه نجاحه الانتخابي الجديد وهو اتفاقيات أوسلو ووادي عربة، وقمة شرم الشيخ، وضربُ الأهداف العراقية - والمشروع الشرق أوسطي الذي عزز بتحالفات في المنطقة، تركية إسرائيلية - وأردنية إسرائيلية ... الخ .‏

وسيعطي الرئيس الأميركي المنتخب بيل كلنتون دفعاً للمفاوضات في المسار الفلسطيني حول موضوع الخليل التي آلت إليها المفاوضات العتيدة المتعلقة بتطبيق اتفاقية أوسلو بشقيها وملاحقها ومفاوضاتها، وقد تنتهي العملية إلى الخليل أخيراً بعد الانتشار السرطاني للاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية والقدس .‏

كما سيعطي الرئيس كلنتون دفعاً للمفاوضات السورية "الإسرائيلية" التي توقفت في " واي بلانتيش " مطوقاً بذلك النزوع الفرنسي للتدخل في تلك المفاوضات، والرغبة الأوربية في الحضور كشريك فاعل في الرعاية،وتقديم الاقتراحات، وليس في دفع ثمن الاتفاقات الأميركية التي تنتج عنها فقط ..‏

والرئيس الأميركي الذي يدرك جيداً أهمية دور سورية في تحقيق " سلام " في المنطقة، ويقرأ عبارة كيسنجر جيداً التي تقول : " لا سلام من دون سورية ولا حرب من دون مصر " يعرف أن اتفاقيات: كامب ديفيد، وأسلو، ووادي عربة، تبقى مهددة ما لم تستكمل باتفاقية تشمل سورية ولبنان. ولا أقدِّر أن الدور الأميركي المستمر بعد تجديد فترة الرئاسة الأميركية سيذهب إلى مدى الضغط على " " إسرائيل " نتنياهو " لتنصاع إلى مرجعية مدريد، فهو أقرب إلى دور الحليف والشريك لكل حكومات " إسرائيل " أيّاً كان لونها وتوجهها وأيّاً كانت ممارساتها منه إلى أن يكون الراعي المحايد أو الوسيط النزيه؛ وعلى الرغم من الادعاء العريض الذي يكرسه لذلك الزعم ومن الادعاء السخيف الذي تدعيه "إسرائيل" بأن الأميركيين محايدون، وأن الفرنسيين يأتون منحازين إلى العرب .‏

ولن ينسى الرئيس كلنتون ما قدمه " لإسرائيل " ولا ما وعدها بتقديمه، كما أنه لن يتخلى عن الالتزام الديني ـ الخُلُقي الذي أعلن أنه قدمه لكاهنه وهو على فراش الموت، إذ وعده بتقديم كل دعم "لإسرائيل" وأنه ولن يكون إلا إلى جانبها؛ وقد توطد ذلك قبل أن يكون رئيساً، ويوم كان شاباً يشارك في معسكرات " بناي بريت " التي أقيمت في فلسطين المحتلة. لكن الرئيس الأميركي سيكون أكثر تحرراً من ضغط داخلي، وخوف نفسي، وطمع ذاتي فيما يتعلق بدورة رئاسة ثالثة، فليس له الحق القانوني بذلك؛ وربما جعله هذا أكثر تحرراً في التحرك لخدمة حلفائه الأقربين في " إسرائيل " ولأداء ما يرى أنه في مصلحة " إسرائيل " أكثر مما يرى ذلك بعض " الإسرائيليين " والصهاينة المتطرفين، وهذا يعني تحديداً موقفاً محتملاً يكون أكثر جذرية وصرامة وجدية يقفه في وجه نتنياهو وممارسات حكومته التي تؤثر سلبياً على ما حققته الولايات المتحدة الأميركية " لإسرائيل " في الوطن العربي من خلال اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة، ويعني أيضاً موقفاً دافعاً للمفاوضات السورية - الإسرائيلية التي تشكل استكمالاً للحلقة السَّلاموية وحماية للاتفاقيتين السابقتين، وللمكاسب التي تحققت "لإسرائيل " منذ مؤتمر مدريد حتى اليوم .‏

إن الاحتمالات المستقبلية تشير إلى :‏

- إمكانية استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين لحل مشكلة الخليل، واستكمال البرنامج الزمني لمفاوضات المرحلة النهائية، من دون أن يعني ذلك توقفاً للاستيطان الصهيوني، ولفرض أشكال الأمر الواقع التي سيدعمها مجلسا الكونغرس الأميركي، ويشجعان عليها، ويقدمان من أجلها المساعدات المالية .‏

- إمكانية استئناف المفاوضات السورية - الإسرائيلية على أرضية مرجعية مدريد، من دون أن يكون لسورية أي أمل في الحصول على أية مساعدات مالية أميركية مجزية في حال التوصل إلى اتفاق، وذلك لأن الكونغرس سيقف ضد ذلك بكل وضوح، وقد صرح غنغريتش أكثر من مرة بأنه - وهو من الحزب الجمهوري ورئيس الكونغرس - لن يقدم لسورية ثمناً للسلام. وفي هذا المجال لا أتوقع نجاحاً ميسراً وقريباً لهذه المفاوضات في ظل بقاء الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهذا يقودني إلى طرح السؤال ـ الاحتمال الآتي :‏

هل سيعمل كلنتون وبيريس " الديمقراطي الأميركي والعمل الإسرائيلي " على إسقاط نتنياهو وحكومة الليكود، أي هل سينتقل الصراع إلى ساحة العمل الصهيوني كما انطلق منها قبيل الانتخابات ليتابع كلنتون وبوب دول معركتهما من خلال حلفائهما الذين يشكلون عصب السياسة الأميركية في المنطقة، ورأس الحربة في حماية تلك المصالح، أعني الصهاينة يميناً ويساراً؟؟ ربما حصل ذلك، وساعد عليه بعض الحكام العرب الذين ظهر ميلهم إلى الرئيس كلنتون، كما أظهروه بإيحاء منه إلى شمعون بيريس؛ ولكن حتى إذا حصل ذلك في أفضل صوره وظروفه وشروطه فلن يكون لمصلحة العرب للأسباب الآتية:‏

1 - فالمشروع الشرق أوسطي الذي تدعمه اليوم بريطانيا بصيغة جديدة باسم " منظمة التعاون " سوف يستمر، وهو لم يتوقف على الإطلاق أصلاً، وخير شاهد على ذلك هو مؤتمر القاهرة الاقتصادي: وهو الحلقة الثالثة بعد قمتي الدار البيضاء وعمَّان في هذا الإطار، وبقية مشاريع التطبيع والتعاون التجاري والسياسي والثقافي بين أقطار عربية والعدو الصهيوني .‏

2 - والهيمنة الصهيونية مستمرة على المنطقة ويجري تعزيزها بكل الوسائل والإمكانات؛ وهي هيمنة أمنية واقتصادية وسياسية تتم على أرضية من الدهاء السياسي وليونة قفاز الحرير بيد فولاذية، وقد ظهر مفعولها على يدي الثنائي: كلنتون - بيريس في ما سمي بحملة " عناقيد الغضب " التي أنتجت "قانا " ودعماً أميركياً غير محدود لكل ما جرى فيها ولما تبعها ونتج عنها .‏

3 - والشرذمة العربية مستمرة هي الأخرى، وسوف تستأنف عملية دعم الأحلاف الموجهة أميركياً في المنطقة ولا سيما ما كان من ذلك بين: الأردن و"إسرائيل" وتركيا لفرض حلقة حول سورية ولبنان تحجّم دور سورية القومي وتعزلها عن محيطها العربي، وتجعل الخليج العربي والسعودية منطقة ساقطة نهائياً بيد " الأميركي - الإسرائيلي " من دون أدنى اتصال بعرب في آسيا أو أفريقيا، وجعل مصر تنكفئ وتنحصر في إطار إفريقي ضيق وعربي أضيق لتصبح دولة سياحة وطرب، والحصان " الفِسْكِل " في سباق الدول ـ الخيل في المنطقة .‏

4 - والانحياز الأميركي سيبقى بلا حدود لدولة أخذت وتأخذ وستأخذ من الولايات المتحدة الأميركية دعماً غير محدود لتنجز مشروعها الاستيطاني التوسعي الاستعماري، مشروع "إسرائيل الكبرى "ثم "إسرائيل التوراتية" في المنطقة، سواء تم ذلك جغرافياً وسكانياً أم تم سيطرةً على السياسة والقرار والاقتصاد وشؤون الناس وأحلامهم .‏

5 - وسيستمر التضاد والصراع والتناحر بين المشروعين الصهيوني والقومي العربي إلى ما لا نهاية حتى في حال موافقة الحكومات العربية على الاعتراف" بإسرائيل" وتطبيع العلاقات معها، لأن الرئيس كلنتون وحزبه وبوب دول وحزبه مضافاً إليهم أحزاب " إسرائيل " والمتعاطفين معها والمتحالفين معها من العرب، لن تستطيع أن تنتزع من قلب العربي وعقله ووجدانه فلسطين العربية وحقوقه التاريخية فيها وتعلقه بمقدساتها وحق العودة إليها، كما أنها لن تطفئ شعلة العروبة وأهدافها ونضالها الطويل في قلوب الجماهير، ومسيرات تآكل واستلام .‏

قد نعاني من ضغط شديد، ومن تآلف رئيس أميركي منتخب وتحالفاته، رئيس واثق بقدرته وبقدرة دولته على فرض الشروط والحلول؛ وقد نتعرض لعدوان ولأشكال من المعاناة، ولكن لن تسقط من يدنا الشعلة التي تنير طريقنا إلى فلسطين والحرية، ولن نسلم بسيادة قوة القهر أميركية كانت أم "إسرائيلية " أم سوى ذلك من القوى على عالمنا .. كل عالمنا، وعلى مستقبلنا .. كل مستقبلنا، فما لا نستطيع إنجازه ينجزه أبناؤنا أو أحفادنا، والمهم أن تبقى فلسطين العربية حية في الذاكرة والوجدان،و "إسرائيل" العنصرية دولة استعمارية دخيلة على المنطقة فُرضت بقوة القهر في أرض العرب، وأن يبقى الصراع العربي الصهيوني حياً وفاعلاً ومؤثراً في البناء والتربية والإعداد والاستعداد من أجل التحرير وإقامة المشروع العربي الذي هو المشروع النقيض للتخلف والاستعمار والجهل والذل، والخضوع لمنطق القوة والقهر وتحالفات الأعداء ضد أمة ذات حقوق وشخصية وتاريخ وعقيدة وحضور، لا بد أن تدافع عنه بكل الوسائل والأساليب .‏

المهم ألا تنهزم منا الأعماق، وأن تقوم الإرادة وتقوى بالوعي المعرفي، وأن تكون الثقافة حصن المقاومة .‏

دمشق في 6 / 11 / 1996‏

الأسبوع الأدبي/ع536//9/ت2/1996.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244