|
المهم ألا تنهزم فينا الأعماق
قادة الكيان الصهيوني الجدد يحاولون اليوم، بعد أن صدموا العالم بحقيقة الوجه البشع لأطماعهم وبرامجهم، يحاولون إتقان لعبة قال ايتامار رابينوفيتش سفيرهم السابق في واشنطن: " إن الرئيس حافظ الأسد أستاذ فيها "، وهي تلك التي تقوم على فن الجمع بين القوة والدبلوماسية، الاستعداد للحرب والاستعداد للسلام .
ومن يتابع ما يجري في أنساق عدة يحركها العدو ويتحرك عليها داخل فلسطين المحتلة وخارجها، يقف على معالم ذلك الذي كان فن قيادات صهيونية سابقة .
ففي الوقت الذي يرفض فيه نتنياهو إعادة الجولان إلى سورية، ويسرّع وتيرة الاستيطان ويتوسع فيه، وينفذ برنامج تهويد القدس، ويطور القدرات العسكرية الإسرائيلية ويعمِّق التحالفات ذات الطابع الحربي - الأمني - الاقتصادي، في الوقت ذاته يقول بالعودة إلى المفاوضات وبرغبته في السلام ويدعو سورية إلى " الحوار " ؟!.ولا يكاد يخفي رفضه أو بالأحرى نقضه لمرجعية مدريد وللاتفاقيات التي أبرمتها حكومة العمل مع عرفات والملك حسين. ففي مرجعية مدريد يقول بالسلام مقابل السلام ولا يذكر القرارين 242/ و 338 ولا يريد أن يتذكر القرار / 425/ المتعلق بجنوب لبنان؛ ويقول بأمن " إسرائيل " أولاً ولا يناقش متطلبات أمن الآخرين، وهذا يتضمن فيما يتضمن :
- رفض الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967 .
- التمسك بهضبة الجولان أو على الأقل بمواقع استراتيجية فيها.
- الهيمنة الأمنية والسياسية والعسكرية والاقتصادية على المنطقة .
- استمرار التوسع في برامج الاستيطان التي أتت على / 90% تسعين بالمئة من أراضي الضفة الغربية .
- تهويد القدس بالكامل .
- رفض كل حديث عن حق العودة، وعن دولة فلسطينية مستقلّة، وتقزيم القضية المركزية للعرب لتصبح إعادة الانتشار في الخليل .
وعلى نسق آخر يقوم اسحق مردخاي وزير الحرب الصهيوني بتهديد سورية في نطاق دعوتها لمفاوضات السلام وإعلان رغبة " إسرائيل " في التوصل إلى سلام مع سورية .
ومن يتابع تصريحاته يجده يتوعد سورية بتوجيه أقسى الضربات إليها مما يرى أنه سيهدد النظام ذاته فيها، وهي محاولة تخويف مركزة باتجاه معين تهدف إلى خلق حالة نفسية تستدعي التنازل في المفاوضات والتنازل عن المطالب المشروعة .
وهو يتهم سورية بحيازة أسلحة كيمياوية تهدد " إسرائيل " ويُظْهِر في الوقت نفسه استعداداً للحرب وقدرةَ أسلحته غير التقليدية وغير العادية على الإبادة. ويقوم على أرضية ذلك بحشد قوات في الجولان وباستعدادات ومناورات عسكرية .
وهذا النسق من العمل يرمي إلى إعداد رأي عام داخلي وخارجي لعدوان " إسرائيلي " يُحْمَل على أنه دفاعٌ ضد تهديد الحرب القادم من سورية، وردعٌ لنوايا مضادة للسلام، بالمفهوم "الإسرائيلي" للسلام .
وفي نسق ثالث يقوم دافيد ليفي بمحاولات تقديم وجه " إسرائيل" الحريصة على علاقات طبيعية: سياسية واقتصادية مع العرب، ويحرص على أن يدفع العلاقات التي نتجت عن الهرولة العربية باتجاه " إسرائيل " نحو الأمام منطلقاً من أرضية شرق أوسطية بيريس والمؤتمرات الاقتصادية التي أخذت تعمق خط القطاع الخاص ومبادراته لتجنِّب الأنظمةَ مسؤولية التطبيع المباشر الذي يقاومه الشعب .
وفي نسق رابع، على الأرض في فلسطين المحتلة، يجري العمل على قدم وساق، وبوتيرة عالية جداً لتوسيع المستوطنات وشق الطرق والاستيلاء على الأراضي، وتغيير التكوين السكاني والجغرافي للقدس، كما يتم بتنسيق مع شرطة عرفات أو أجهزة أمنية معينة سحقُ كل أشكال المقاومة الفلسطينية المحتملة والقضاء على القوى الروحية والمادية التي قد تكون أداة للمقاومة ومنطلقاً لها .
ولا يتوقف - في إطار نسق خامس - تطويرُ القدرات العسكرية وتوسيع التحالف الذي أصبح يشمل تركيا والأردن برعاية أميريكية، والذي توصل إلى تخزين أسلحة وذخائر أميركية في الأردن بعد أن أنجز هذه المهمة في فلسطين المحتلة منذ زمن، وهي أسلحة وذخائر تخدم تحالفات لا يمكن أن توجه ضد "إسرائيل " وإنما تعمل معها ضد الجوار؛ وفي إطار من العمل الرامي إلى تغيير الخريطة الجيو- سياسية للمنطقة، حيث يوعَد الملك بنصيب أكبر من الجغرافية والنفوذ، وإلا لما أعطي استثناء أميركياً بأن يعامل معاملة حلفاء أميركا من الأطلسيين .
ويحق لنا أن نتساءل: من هم الجوار الذين يستهدفهم التحالف الإسرائيلي - الأميركي - الأردني - التركي في هذه المنطقة؟! هل هم غير من يرفضون الانصياع لمتطلبات العصر الصهيوني وشروطه ومصالحه، ومن يرفضون أن يعيشوا في ظل هيمنته الأمنية والاقتصادية ؟!!
وهل يرمي هذا التحالف المتوسع إلى أبعد من منع أية قوة غير أميركية من الدخول إلى هذا الحوض الغني بالثروات والمبشر بقدرات مستقبلية في كل المجالات ؟!.
وفي ظل هذا الوضع، الذي يستهدف " سورية ولبنان " أولاً لفرض حرب عليهما إن لم تقبلا " بسلام " إسرائيلي الشروط والمواصفات، ولا يكاد يقدم إلا لوحة كالحة لأيام عصيبة قادمة؛ في ظل هذا الوضع ينبغي أن ندقق في بعض القضايا والمواقف والأمور، ومن ذلك على سبيل المثال :
- ما هي الاحتمالات التي يمكن أن تقدِّمها مفاوضاتٌ قادمة أُعلن عن أن شهر شباط من عام 1997 سوف يشهد انطلاقتها بين سورية والكيان الصهيوني بعد أن تم التلميح إلى أنها ستبدأ من دون شروط ؟!.
ومعنى هذا أنها ستنطلق من مرجعية مدريد المختلف على تفسيرها وليس مما تم التوصل إليه في واي بلانتيشن بعد أن توقفت بعد عملية " بيت ليد " التي تلتها مذابح " عناقيد الغضب " الصهيونية .
من المسلم به أن سورية لن تقبل أقل من الانسحاب الكامل من الجولان وإلى حدود الرابع من حزيران 1967 .
ومن المعروف أن جنرالات الليكود لا يقبلون الانسحاب من أماكن استراتيجية في الهضبة قبل خمسين سنة من السلام كما يصرح بعضهم .
فهل تنتهي الأمور إلى حرب أم إلى سلام، أم يلعب كل فريق مع الأخر لعبة الاستغماية، ويجربون جميعاً عض الأصابع، وتطويل أمد المفاوضات إلى أن تحدث متغيرات؟ وكل من الفريقين يرغب في ذلك ؟!.
- ما هو الأداء العربي المحتمل في حالتي الحرب والسلام بين سورية والكيان الصهيوني ؟!. هل يذهب العرب إلى أكثر من التضامن الكلامي وبرقيات التأييد وإعلان عدم الرضا، وربما دعوة السفراء للتشاور ؟!.
وهل ستتوقف عملياً وفعلياً حركة التبادل التجاري والمشاريع المشتركة والتطبيع الذي أدى إلى أن ترتفع قيمة التبادل التجاري مع العدو إلى /220 / مليون هذا العام بدلاً من /20/ مليوناً قبل أعوام ؟!.
وهل ستحجِم الأنظمة التي تشجِّع إقامةَ المصانع " الإسرائيلية " فيها، ودخولَ رأس المال الصهيوني للاستثمار والتجسس، هل ستحجم عن فعل ذلك؟! وهل تملك أصلاً قرارها وقدرةً على تحرير ذلك القرار من أساليب السيطرة والتوجيه لتقوم بفعل مغاير مطلوب على المستوى القومي؟! إنه سؤال لا يلغي على الإطلاق إمكانات الشعب العربي على التغيير والقيام بشيء معجز يقلب الأمور رأساً على عقب .
- ما هو المعطى الدولي السياسي والعسكري والدبلوماسي الذي يمكن أن يتمخض عنه وضعٌ متوترٌ في المنطقة، أو سيطرةٌ أميركية - إسرائيلية عليها؟!.
هل ستتحرك "أوربا فرنسا " باتجاه العرب أم تتحرك "أوربا بريطانيا" باتجاه الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل"؟! وهل تكون هناك قدرة لمجلس الأمن مثلاً على اتخاذ قرار يوقف إطلاق النار إذا ما نشبت الحرب وأرادت " إسرائيل " وشركاؤها إلحاق أذى بسورية ولبنان " و" ضرب النظام بقسوة في سورية شهده من الداخل " كما قال اسحق مردخاي وزير الحرب الصهيوني ؟!.
إن تجربة المجلس في التصويت على التجديد لبطرس غالي أنموذج لما يمكن أن يقوم به مجلس محكوم بمصالح الكبار، وتجربته الأكثر مرارة ما زالت ماثلة في أذهاننا إبَّان اجتياح لبنان وحصار بيروت ثم دخولها عنوة؛ وكذلك تجربته إثر مذبحة " قانا " يوم استخدِم حق النقض " الفيتو " الأميركي ضد مشروع قرار يدين " إسرائيل " بيريس التي غرقت في دماء الأطفال الجنوبيين .
ولا أريد أن يصل من هذا الوضع إلى النفوس يأس، ولكن أريد أن تصل النفوس العربية إلى اقتناع تام بأن عليها أن تعتمد على نفسها وتهيئ ذاتها لمواجهات صعبة تكون هي مفتاح السلب والإيجاب فيها، وأن تدقق جيداً في اختياراتها لترى: طريق الحق والكرامة والحرية والنصر وهي طريق تتطلب بذل الجهد وعدم الاسترخاء أو الركون إلى سلام العدو وما يعد به من ازدهار، لأن حقيقة ذلك الاختيار ترتب استعداداً لامتلاك القوة، وسعياً لامتلاكها وقدرة على استخدامها .
أما اختيار التبعية والتنازل عن الحق ودخول العصر الصهيوني من أبوابه، مع التنازل عن الذات والحقوق والكرامة فمقرون بالذل والتراخي ونبذ المشروع العربي الذي لا يقوم إلا على الجهد والبذل والتضحية .
إن عملاً عربياً واعياً مع الجماهير والأنظمة هو من ضرورات المرحلة مهما كان مردوده وأياً كانت نتائجه؛ وإن سعياً حثيثاً لكسب صداقات دولية هو مما يفيد، وهو ما تعمل عليه سورية، وإن تواصلاً مبدئياً مع حلفاء محتملين ممن يتعرضون مثلنا للتهديد وأشكال المعاناة من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية أمر مطلوب. وأهم ما ينبغي أن نعرفه ونركِّز عليه ونتمسك به هو ألا ننهزم في الأعماق وألا تنهزم منا الأعماق؛ وألا تتعرض ثقتنا بأنفسنا وبحقنا وبالمستقبل الذي لنا وبالنصر الذي لا بد أن نحققه، ألا يتعرض أي من ذلك إلى اهتزاز من أي نوع .
المهم ألا تنهزم فينا الأعماق .
دمشق في 21 ـ 11 ـ 1996
الأسبوع الأدبي/ع538//23/ت2/1996.
|