|
كثيراً ما تحدثنا عن الإنسان
الإنسان هدف الرسالات والثورات وغايتها والمستهدف، إن سلباً وإن ايجاباً، في كل نظام وتنظيم وفعل وسياسة، وتنعكس عليه الوقائع والمعطيات والمستجدات والتغيُّرات التي تخلقها الحركة المتنامية للحياة على الأرض؛ ولا أظن أن الوصول إلى إدراك واضح وحلول لمشكلات الأفراد والمجتمعات والدول من الأمور الممكنة إذا حصر الكلام عن الإنسان الإنسان الضار والنافع في الوقت ذاته، بصورة مطلقة؛ إذ لا بد من تعيين الذات أو الذوات ـ فردية كانت الذات أم جماعية أم اعتبارية ـ والتمحيص والتدقيق في علة نشوء الصراعات والمشكلات وأسبابها، وفي مصادر ذلك النشوء التي ترتبط بالهوية وتنبع منها وتتصل بها أكثر من اتصالها بالماهية وانطلاقها منها، والمقصود هنا هوية الأفراد والمجتمعات والأمم والدول لنقف على السبب والمسبب والهدف والوسيلة، وذلك كله مدخل للبحث عن قوانين واستنتاجات وحلول، بعد إتمام عملية التشخيص والتمحيص.
من المفيد أن نفرق في هذا المجال بين الإنسان بوصفه ماهية والإنسان ذي الهوية؛ فالإنسان الكائن الحي ذو الصفات والمواصفات العامة والعناصر الجوهرية في التكوين الجسدي على الخصوص هو كل بشر على وجه الأرض، وهو يحمل ماهية الإنسان ويشارك أبناء جنسه في عناصرها وجواهرها الثابتة في الآخرين، أما فلان ذو الهوية والشخصية المحددة والخصوصية الفردية فمحدد تماماً ولا ينطبق إلا على زيد أو عمر من الناس بوصفه الكائن البشري فلاناً بعينه، محدداً تماماً بمعطيات ومواصفات جسدية ونفسية واجتماعية، فكرية وروحية، وله جنسيته وانتماؤه ومصالحه وتطلعاته وممارساته ورغباته التي تميزه عن سواه من الأفراد في مجتمع محدد وأسرة محددة.
وبين ماهية الإنسان وهوية الفرد توجد شبكة متداخلة من المواصفات والقيم والصلات والمصالح، يتفاعل فيها العام والخاص ويتكاملان؛ وهي تؤسس بدورها لأنواع من الصراع وتؤهل لمستويات من الأداء والإبداع والتقدم والنبوغ؛ كما تؤسس ـ بوصفها نصف نواة الخلية المجتمعية، الأسرة ـ لما يمكن أن يكون مستقبلاً جوهر الشخصية الجمعية وأحد مقومات تمايزها ومرتكز أدائها، ومسوِّغ صراعها وهدف ذلك الصراع .
فالإنسان الفرد ذو الكيان المشَخْصَن له حاجات مادية وتطلعات معنوية، وكل ذلك يستدعي مجاله الحيوي ويبحث عن تحقيق ما يريده؛ ويكاد يكون هذا الشيء ذاته هو شأن المجتمع أو الأمة؛ فما تنطوي عليه خلية حية في جسد من مكونات واحتياجات وخصوصيات تنطوي عليه خلية اجتماعية في مجموعة بشرية أو أمة، ويسعى إلى التشخصن الاعتباري في دولة تملك الوسائل أو عليها أن تملكها لتلبية الاحتياجات والدفاع عن الوجود والمصالح وتحقيق الغايات والتطلعات .
والفرد في مجتمع لا يكف عن الكفاح والصراع لسد احتياجاته والدفاع عن ذاته ونيل أمانيه، وكذلك يفعل المجتمع أو الشرائح البشرية فيه، وتفعل الدول والتحالفات الدولية؛ فالحياة تقوم على قوانين الحركة الهادفة، والكائن البشري أبو الجهد المنظم لاكتشاف تلك القوانين والاستفادة منها لتسخير الطبيعة له والتناغم البناء مع ثوابتها؛ ولكنه في سعيه لتحقيق ما يراه سعادته يهدم ما تبنيه الحياة أحياناً ويقيم صراعاً مع غيره قد يؤدي إلى فساد شروط الحياة ومناخ التعايش من حوله، الأمر الذي يجعله يؤسس للفناء، شاء ذلك أم لم يشأ !؟!
في دورة الزمن التي أترنح في مداراتها منذ نصف قرن ونيِّف، كنت وما زلت مشروع حلم ومشروع رؤية ـ وأرى أن كل حي وكل مجتمع يبقى يترنح في حدود مشروع حلم أو مشروع رؤية ـ منذ نصف قرن ونيِّف وأنا أتطلع إلى وقت، يقصر أو يطول، وقت واحة في الوقت، أرى فيه توقف دورة الحرب أو دورة الظلم أو دورة البؤس، ولكن كل ساعة من الزمن تحمل في طياتها بؤساً وظلماً يستدعيان صراعاً ودماً ضد الظلم والبؤس؛ وهكذا كان يستمر النداء والحداء .. المسير والسعير، فلا تكاد تخفت حدة الصراع في ركن من أركان الأرض حتى تتعالى حدته في ركن هناك، ولا يكاد يتوقف جريان الدم على شفرة سيف فى مشرق الأرض حتى يسحَّ مزرابُه على شفرات في مغربها؛ والإنسان دائماً هو القاتل والمقتول الظالم والمظلوم، وهو نهر البؤس المتدفق بلا هوادة على صخور الإرادة، وهو أشداق التنين المفتوحة على شلال الزمن من دون كلل ...
الجوع لا ينتهي، والموت لا ينتهي، والتطلع النشوان إلى الصبوات والرغبات ولأحلام والمشاريع والمصالح والمطامح لا ينتهي. كل الجحافل تتقدم وتجد كل المبررات لكي تتقدم، الذين يزحفون على خضرة الأرض ووردها يتقدمون خلف مسوغاتهم، والذين يزحفون على الشوك ورموش العيون يدافعون عن مسوغاتهم وتقودهم دوافعهم، والكل ينشج أو يهزج لا فرق؛ فمن يرى بؤس البشرية المتنامي في صميم الرؤية ومحرقها يجد صعوبة في التفريق بين النشيج والنشيد، بين الصهيل والشحيج، لكن على مساحة الرؤية عبر مدارات الزمن الكل يتقدمون .. الكل يتقدمون: آناً باسم الآلهة وآناً باسم الملوك، يوماً باسم الديانات وآخر باسم السياسات؛ عقداً باسم أيدولوجيا وآخر باسم أخرى، ويبقى على شفرة الزمن سيل الدم والبؤس ونشوة تقود إلى متابعة الطريق.
في دورة الزمن التي أترنح تحت ضرباتها كنت مع الذين يتقدمون: نحو بؤسهم أم نحو سعادتهم لا فرق، ففي كل مساء يدفع الركب المتقدم ضريبة السير، وحين يراجع الحساب ويكتشف الخسارة يندفع في طريق الرهان ليعوضها فيضيف خسارة سعيدة إلى أخرى شقية أو العكس، ويستمر في الأداء؛ حكمة كبرى تكمن وراء ذلك الاندفاع المتجدد والانبعاث في طريق يدفع فيها الإنسان كل يوم شيئاً ثميناً ليحصل على شيء أثمن، ولكنه قد لا يجيء أبداً ذلك الشيء الأثمن !! كل يوم يتقدم المرء خطوات من نهاية الطريق؛ فما من حي لا يتقدم في طريقه وما من طريق لحي من دون نهاية .. ما من طريق لحي من دون نهاية. قد تقوم هناك في نهاية الطريق شجار السرو الباسقة وقد تتوهج الصحراء ويدوِّم صهيل القفر .. ويعلن الزمن أن الطريق قد انتهت ... متران للمحظوظ ونقطة في نهاية السطر. ولكن هل هي نهاية الحياة ونهاية التاريخ؟!
الإنسان وجد ليبقى، والفرد يبقى في نسله وذويه، والمجتمع يتسلسل في أفراده، والشعوب والأمم الحية ليس لوجودها من نهاية .. وهذا ما يقود إلى شيء من عزاء وإلى شيء أكبر وأهم هو ذلك المسوغ لاستمرار الأهداف والغايات والنضال من أجلها، وتواصل الصراع من أجل رفع الظلم ونيل الأهداف التي يراها الناس عادلة بميزان الوعي والعقل والضمير. الأمم لا تموت، ومن يموت على طريق أهداف الأمم لا يموت، فهو الميت الحي، وهو الهامَةُ التي تستمر في الصراخ طالبة الثأر، وهو الشهيد الذي ينير طرق الأمم إلى النصر والكرامة والحرية والعدل بشعلة دم طهور يضيى ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله بنوره من يشاء.
الأسبوع الأدبي/ع539//30/ت2/1996.
|