|
خيار المقاومة
كان السؤال الغائب الحاضر دائماً هو نحن، ويتكرر اليوم نبض ذاك السؤال ويتصاعد: ماذا نحن فاعلون وقد تبدَّت لنا حقائق الأمور في صراعنا مع العدو بشكل جلي؟! هل نعود إلى حقائق ما قبل قمة فاس التي قالت بالتسوية السلمية مدخلاً وحيداً وخياراً استراتيجياً لحسم الصراع العربي الصهيوني،أم نبقى نعيش أوهام ما بعد تلك القمة وكوابيسها ونتراخى على " مخملها " ولا نشعر بحقيقة أنه جلد الصبَّار وشوك القنفذ ؟!
العدو الصهيوني لم يترك اختيار القوة، ولم يتوجه في يوم من الأيام لاختيار السلام، ولم يتنازل عن مشروعه التوسعي ـ الاستيطاني؛ لقد غير "التكتيك" المرحلي، وغير في ترتيب الأفضليات والأولويات، وغير برامج الوصول إلى الأهداف الثابتة، ولكنه لم يغير تلك الأهداف. لقد كان وما زال من ثوابته الاستراتيجية أن يحصل من العرب على اعتراف شامل به، أو أن يفرض عليهم ذلك الاعتراف بالقوة وصيغة الأمر الواقع؛ واعتراف العرب به لا يعني له توقف مشروعه الكبير وإنما يعني مواصلة العمل من أجل تحقيق ذلك المشروع على أرضية من الاعتراف والأمن والاطمئنان: إنها خمسون سنة أخرى من نوم العرب أو موت تفكيرهم وركونهم إلى أوهام جديدة، وهي مدة زمنية كافية لجعله يقفز، بكل المقاييس والإمكانيات والاستعدادات، إلى تطبيق المرحلة التالية من مشروعه المستمر، مشروع " " إسرائيل " التوراتية "، وهاهو اليوم، وقد بلغ من خلال مؤتمر مدريد ما يرى أن مدريد لا يمكن أن يحقق له أفضل منه، ها هو يعلن عن تنكره لتلك المسيرة شبه المنتهية بالنسبة له، ويبدأ مرحلة جديدة من العمل على المشروع الأساس .
إنه يختار التصعيد والتهديد واستخدام القوة، التي لم يتوقف لحظة واحدة عن تعزيز مقوماتها وتطويرها، يختار القوة ليفرض ما يريد؛ مستفيداً من اختلال ميزان القوى عربياً ودولياً لمصلحته،ومن استرخاء العرب على مخدته ومخدة حلفائه، مخدة مدريد؛ إنه يختار التوسع في الاستيطان، الذي لم يتوقف يوماً، ويختار المضي في سياسة التهويد،وتعزيز الاحتلال، والعودة عما يمكنه العودة عنه مما تضمنته اتفاقيات الإذعان التي وقعها مع عرفات والملك حسين، على ما في تلك الاتفاقيات من تفريط مريع بالحق والكرامة العربيين؛ وهو يريد، في آن معاً، نقض مرجعية مدريد والمحافظة على ما تحقق له من مكاسب جراءها مثل: التطبيع مع معظم الأنظمة العربية، وسقوط المقاطعة رسمياً، والشراكة السياسية والاقتصادية والأمنية ـ الشراكة الاستراتيجية ـ مع بعض الحكام والأنظمة العربية في مجالات كثيرة.
وعلى الرغم من أن تلك الشراكة أصبحت قيداً يدمي أيدي الذين دخلوا معه فيها من العرب،الذين جرتهم المكابرة أو المؤامرة وما زالت تجرهم إلى عدم التصريح بذلك، على الرغم من ذلك بقي الالتزام بها مطلباً للعدو لأنه يجد فيها مكسباً له، ومطلباً لهم لأتهم يجدون فيها مدخلاً لحمايتهم من شعوبهم وأمتهم ما داموا قد اختاروا ما لا يرضيها ولا يعبر عن تطلعاتها.
وفي ظل هذا المناخ القتال يبزغ السؤال: ماذا ننتظر حتى نقوم بمراجعة جريئة وجذرية تحسن قراءة كل ما يجري وتستفيد من كل ما جرى ويجري لنضع حداً للتهافت والتآكل، وقد غدا واضحاً أن الانتظار يقوي العدو ويضعف صفنا،ويزيد الضعفاء منا ضعفاً، ويضع الرافضين منا للعدو والمقاومين له على مشارف الإحباط؛ كما غدا جلياً أن الذين تورطوا مع العدو من العرب أصبحوا أسرى ذلك التورط، وهم يزدادون تهالكاً وتورطاً كلما ازدادوا صمتاً واستمراراً؛ ولا يفيد أياً منهم أن يعلن على استحياء قائلاً: " أنا في معضلة لست أدري إلى متى يمكن الانتظار ومواجهة احتمال حدوث شيء فظيع "؛ ويظهر كأن في هذا غاية ما يُقال ويُفعل .
في السياسة لا يمكن " للطف نتنياهو" ـ كما قال بعضهم عنه ـ أن يكون مانعاً من رؤية الحقيقة التي عبروا عنها ونراها تتجسد على الأرض بشكل وحشي القسوة كل يوم، حقيقة " أن أفعاله تناقض أقواله، وأن تلك الأفعال لا تبعث على التفاؤل. ". ولا يبرر لنا مواقفنا منهم وانتظارنا لهم وترددنا حيالهم كونهم يمنعهم الكبر أو التواطؤ من الاعتراف بخطئهم الكبير، ومن التراجع عن اتفاقيات الذل التي وقعوها. إن علينا أن نصارحهم بذلك وأن نشدهم إلى موقف عربي بناء نضع أسسه ومقوماته ويكونون هم جزأً من تلك الأسس والمقومات؟!
العدو، من خلال حكومة الليكود برئاسة نتنياهو، لم يعد حريصاً على التمسك بمرجعية مدريد بل هو حريص على نقضها، مع الاحتفاظ بكل ما حققته له من مكاسب؛ ولم يعد يرى أن عليه من التزامات مدريد إلا الادعاء بأنه يحترمها ويرى رأياً مغايراً فيها: فتفسيره لتلك المرجعية يختلف عن تفسير العرب لها. وهو بعد أن وصل إلى ما وصل إليه اليوم؛ جراء تفرُّق الصف العربي وهرولة بعض الساسة العرب إلى أعتابه طوعاً أو كرهاً، راغبين أو مسحوبين بخطام أميركي؛ لم يعد يقول بمبدأ: الأرض مقابل السلام، بل بالسلام مقابل السلام مع الاحتفاظ بالأرض وبكل مقومات القوة التي تحفظ له التفوق الشامل والأمن والهيمنة؟! فبالله أي سلام وأي أمن يبقى لنا في ظل هيمنة القوة الصهيونية المتغطرسة، وما الذي نأمل في أن نحصل عليه بعد الذي بدا جلياً أننا نفقده ؟!
إن العدو لا يريد مرجعية مدريد ولا يريد أن يعلن رفضه المطلق لها، إنه يريد أن يدعها تموت وأن يستبدلها بنظام آخر، لأنها أصبحت عبئاً عليه ونقضها قد يحرجه ويحرج عرباً ويضطرهم لإعادة النظر باعترافهم به، وبتطبيع العلاقات معه، وبالشراكة السياسية والتحالفات العميقة التي أقاموها في إطار ما ظنوا أنه السلام على أرضية مدريد.
العدو يرى ضرورة الاحتفاظ بكل ما تحقق له مع تغيير الصيغة التي حققت له ما تحقق؛ ولذلك لجأ إلى تقديم مشروع " منظمة الأمن والتعاون في الشرق الأوسط " الذي تبنته بريطانيا وقدمته من خلال مالكوم ريفكند وزير خارجيتها ليكون مخرجاً من المأزق الذي وصلت إليه مسارات مدريد؛ وهو مشروع " إسرائيلي " أصلاً حمله دوري غولد مستشار نتنياهو إلى لندن وعاد به ريفكند إلى الشرق العربي؛ ويعلق أهل هذا المشروع أهمية عليه لأنهم يتطلعون إلى انضمام إيران ودول أخرى إليه، ويرون قدرته على احتواء أطراف أكثر وأكبر تصبح متكافلة متضامنة في حماية أمن " إسرائيل " ومكتسباتها، وتفتح أسواقها لها، وتتعاون معها ضماناً "لمستقبل السلام "، والتعاون من أجل الازدهار.
ما يريده الصهاينة واضح ومدروس، وطرق تقديمه للعرب وتسويقه فيما بينهم لا تخفى على أحد، وما يريده العرب ما زال ضبابياً ومتناقضاً، ولذلك نرى أهمية إعادة طرح السؤال: أين نحن مما يجري، وماذا نريد تحديداً، وكيف نصل إلى ما نريد، ومتى نبدأ التحرك؟!
هل مدريد غايتنا النهائية، وهي لم تحقق لنا شيئاً، وهل نتمسك بها على الرغم من عدم اكتفاء العدو بما قدمته له ورؤيته لها الآن عبئاً عليه يتهرب من مسؤلياتها، أم ترانا نتمسك بها مرحلياً من أجل ذلك؟!
ما الذي يقدمه مؤتمر مدريد في النهاية سوى الاعتراف الرسمي بالعدو وتطبيع العلاقات معه، وفتح الأسواق العربية كلها أمامه ودخوله المشروع إلى كل نفس وكل بيت في وطن الأمة؟!
هل نسبة 10% من فلسطين، وهي أرض الحكم الذاتي التي يمكن أن يبقى فيها فلسطينيون من دون سيادة ودون حق تقرير المصير، محاطين بالقوة الصهيونية التي لها الحق ـ كما يقول قادتهاـ بالمرابطة في وادي الأردن " فالحكومة تعتبر أن وادي الأردن لا يمكن فصله عن دولة " إسرائيل " في أي اتفاق دائم " كما يقول نتنياهو، هل هذه النسبة من أرض فلسطين هي التي تضطرنا للعض على عظْمة مدريد ؟!
هل نتطلع فعلاً إلى إمكانية قيام سلام مع الكيان الصهيوني على أرضية مدريد أو سواها؟! وهل يقوم على سرقة فلسطين واستمرار الاحتلال والاستيطان والتهديد سلام فعلي مع الصهاينة ؟!
لست من القائلين بذلك ولا من المتفائلين به، ولذلك أقول قولاً مغايراً وأدعو إلى عمل مغاير.
إن البناء في ظل خيار التحرير.. خيار المقاومة هو الخيار الأجدى وهو الذي يقدمه استقراء علمي لتاريخ الصراع العربي الصهيوني ولتاريخ الصراع بين الشعوب؛ والحرص على الرؤية السليمة للأمور في ظل سيطرة قانون القوة، الذي لن يتغير فيما يبدو، هو الذي يقود إلى ضمانات حقيقية ومستقبلية للحقوق والمصالح،للأجيال وللوطن؛ إذ تبقى القوة هي الضمان الأكيد بيد الأجيال وهي الرصيد الذي يتقدم في ظله الوطن ويأمن، وهي الرصيد الفعلي للوطن؛ فأمة بلا قوة هي هيولى تشكلها قوى الأمم على هواها، وأمة بلا قوة كتل من اللحم والمصالح تتناهبها القوى والشعوب.
إن البناء في ظل الاستعداد للمقاومة والدفاع عن الحقوق والمصالح والكرامة يقدم أرضية صالحة لإقامة أسس الوطن والمواطنة، والنهوض على ركائز ثابتة وسليمة ووطيدة؛ وهذا الاختيار وليس سواه هو الكفيل بوضع المجتمع والفرد والدولة أمام مقاومة الفساد وأشكال المتاجرة بالوطن والقيم والحقوق والناس، أمام حقيقة بناء الوطن بمسؤولية.
وهذا التوجه يحتاج إلى قرار قومي يَكْرُز به قطر أو نظام أو مجموعة واعية من المثقفين المسؤولين في مجتمعهم وعن مجتمعهم، وهو اختيار يرتب نهجاً في التفكير والتدبير، ويستدعي سياسة ويدعو إليها، ويستبعد سياسة ويدعو لنبذها.
إن العودة إلى حقيقة أن الصراع العربي الصهيوني هو صراع وجود وليس نزاعاً على حدود هي أجدر ما يتوجب علينا أن نلتفت إليه ونعمل به في هذه الظروف، ومثل هذه العودة الواعية لأهدافها ووسائلها وأعبائها، ترتب علينا طرح أسئلة قريبة وبعيدة، إذا ما أخذنا باختياراتها ومنطقها وضروراتها، ومما ترتبه تلك الأسئلة التوقف عند قضايا منها:
ـ هل يتوقف التطبيع مع الكيان الصهيوني بعد أن أبدى العدو كل ما أبداه من رغبة في توسيع الاستيطان ونقض لمرجعية العملية السلمية، ورفض لحق تقرير المصير للفلسطينيين؟!
ـ لقد رفضت الدول العربية في الاجتماع الأخير للجامعة العربية مشروع قرار بوقف التطبيع وربطت ذلك بالسيادة القطرية، ولكنها احتجت على الاستيطان، وأنا لا أكاد أتفهم هذا الفصل، لا سيما عندما يكون التطبيع في خدمة الاستيطان، ويكون الاستيطان قضاء عملياً على السيادة القومية. فالعامل المصري والفلسطيني وغيرهما من العمال العرب الذين يعملون في البناء داخل الكيان الصهيوني أما يقومون بعمل في ظل التطبيع يدعم الاستيطان؟! بل إنهم هم الذين يبنون المستوطنات لليهود الخزر المجلوبين إلى فلسطيننا.
وكذلك عندما تسهل دولة عربية ما وصول مواد بناء تصنع في أراضيها إلى فلسطين المحتلة أفلا يكون ذلك دعماً للاستيطان على أرضية التطبيع؟! فلا نعرف كيف يتم رفض الاستيطان ومقاومته في الوقت الذي يكرسه التطبيع ويدعمه ويكرس العمل من أجله؟!
القضايا المرتبطة بهذا الأمر كثيرة ومتنوعة ومن الصعب الفصل بين توجه وتوجه، فإما أن نختار اختياراً استراتيجياً متكاملاً، وإما أن نُقبل على ما فيه هلاكنا وذلنا من دون كثير من الشعارات الفارغة .
دمشق في 4 / 12 / 1996
الأسبوع الأدبي/ع540//7/ك1/1996.
|