صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

مؤشرات ما بعد اتفاق الخليل

"القدس موحدة تحت السيادة الصهيونية، وللأماكن المقدسة: الإسلامية والمسيحية وضع يشابه وضع الفاتيكان في روما، لكن من دون سيادة سياسية، ومن الممكن رفع العلم الفلسطيني أو العلم الأردني على تلك الأماكن؛ وضاحية سلوان سوف تكتسب اسم القدس عند عرفات وتصبح بديلاً لها عاصمة فلسطينية تحمل الاسم ذاته في إطار مسعى نحو مخرج يحفظ ماء الوجه، والمستوطنات الصهيونية في الضفة وغزة ستبقى وتتوسع وتحافظ على استقلاليتها عن سلطة الحكم الذاتي وعلى تبعيتها للكيان الصهيوني؛ وجيش الاحتلال ينتشر على طول الضفة الغربية لنهر الأردن تحت ذريعة حفظ الأمن، ولن تكون هناك حدود مباشرة ومنافذ مباشرة يتحكم بها فلسطينيون بين سلطة الحكم الذاتي وأي قطر عربي، وسلطة ذلك الحكم أو حتى سلطة الدولة الفلسطينية المتطلَّع إليها لن تشمل سوى السكان العرب ممن تشملهم التسوية في غزة والضفة الغربية فليس لعرفات سيادة على الأرض حسب اتفاق أوسلو، وينبغي التنازل التام عن حق العودة لأي فلسطيني ممن يشملهم بحث موضوع التسوية في مراحله النهائية، وعلى رأس الشروط إعلان إلغاء ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية؛ وحق الاختيار بين التبعية المباشرة للكيان الصهيوني أو التبعية غير المباشرة له عن طريق طرف ثالث ممنوح بسخاء يهودي معهود لسلطة الحكم الذاتي؛ ولن يسمح بقيام جيش فلسطيني على الإطلاق؛ حتى أكثر المؤمنين بمنح سيادة تامة ودولة للفلسطينيين من اليهود يقولون: إن ذلك لا يمكن أن يتم قبل عدة عقود من الزمن على الأقل؛ ولا يُسمح بتسليح شرطة الحكم الذاتي بما يزيد على المسدس أو البندقية أو الرشاش البسيط".‏

هذه هي حدود التصور المبدئي للحل النهائي الذي يقدمه الصهاينة المحتلون، ممن لا يذهبون إلى حدود التشدد أو التطرف في المطالب الصهيونية، وهو ما يوافق عليه رموز أوسلو من العرفاتيين. وهذا ما يبدو أن الخلاف حول موضوع الخليل قد قاد إليه ليكون مفتاح باب الحل النهائي بعد ما أصاب هذه المرحلة من استعصاء قدّم للعرب درساً قاسياً، وقدم لعرفات نتائج أوسلو شبه النهائية التي تتضمن "كرماً" يهودياً عريقاً سوف يذكره التاريخ؟!‏

طائر منتوف الريش عليه أن يعيش وهم الحرية في قفص ضيق محاط بالحراب، وعليه أن يغرد على هوى مالكه، الذي يستطيع أن يحجب عنه الماء والطعام وحتى الهواء إلى أن "يفطس"، هذا هو وضع عرفات وما يعيشه وما ينبغي أن يرتضيه بعد مسيرة أوسلو الانفرادية البائسة، التي ما كانت أصلاً إلا نقضاً لمرجعية مدريد التي فرضت على العرب في ظروف قاسية وفي ظل انهيارات عربية ومتغيرات دولية معروفة جيداً للمتتبع.‏

الحل النهائي يُرسم الآن وقبل التوقيع على اتفاق إعادة الانتشار في الخليل، يُرسم في الدوائر الصهيونية أولاً بين العمل والليكود والأحزاب الأخرى في إطار مؤسسات أقاموها للحوار، ويُرسم بالتعاون مع الأميركيين، ويُبحث مع فلسطينيين ساهموا في وضع اتفاق أوسلو وليس أمامهم إلا أن يوافقوا على ما يُعْرَض عليهم في ظل اتفاقيات إذعان يقوم الكيان الصهيوني بإعادة النظر فيها على ضوء مصالحه حتى بعد التوقيع عليها، ومنها اتفاق الخليل: الاتفاق السابع أو الثامن الذي يدور حوله الجدل وينقض ما تم التوقيع عليه في اتفاق أوسلو؟! ونذكر هنا بالخير وبعد النظر قول الرئيس حافظ الأسد إذ قال بعد توقيع اتفاق أوسلو: "إن كل بند في هذا الاتفاق يحتاج إلى اتفاق". وملامح "الحل النهائي" بين الصهاينة والعرفاتيين تبدو في حدود ما ذكرت مما شاع وأصبح في متناول الرأي العام، ولا أظن أن المفاوضات التي سوف تتناول هذه التصورات أو أوراق العمل المطروحة يمكن أن تخرج عن هذا الإطار المرسوم في الدوائر الصهيونية؟!‏

فكل جراحة تجميليَّة ستتم لن تغير التكوين الأساس للهيكل العام الموضوع: جغرافياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.‏

وهذا الوضع يطرح علينا المشكلة برمتها. من جديد بحدة واضحة، بعد أن كانت مدار بحث ومناقشة وخلاف وصراع خلال السنوات الست التي مضت.‏

فما هو الموقف القومي من ذلك الذي سيتم التوصل إليه، وهو لا يقدّم، في أحسن صوره، إلا اعترافاً بشرعية الاحتلال وبحق تاريخي لليهود في فلسطين، ويؤسس نقضاً لكل ما بنته المقاومة وبنيت عليه، وما قامت من أجله الحروب بين العرب من جهة والصهاينة وحماتهم الغربيين من جهة أخرى؟! ونقول الموقف القومي استناداً إلى حقيقة البعد القومي للقضية الفلسطينية الذي لا يمكن تغييبه أو التنكر له أو التفريط به.‏

إخال أن القراءة السليمة للمستقبل واضحة تماماً: فالقوى العنصرية الصهيونية لن تقدم أكثر من ذلك الإطار الهزيل للفلسطينيين، وهي ترى في مجرد تقديمه "تفريطاً" بما تسميه "حقوقها التاريخية في أرض إسرائيل"؛ وكل حل لا يضمن عودة الشعب العربي الفلسطيني إلى وطنه ليمارس سيادة غير منقوصة فوقها بحرية وكرامة، لا يمكن أن يحقق رضا أو يلقى قبولاً، ولا يؤسس لسلام من أي نوع ولا يلغي توتراً من أي نوع.‏

ولما كان ذلك المنشود المفقود مما لا يمكن أن يتحقق في ظل التسوية أوسلو المطروحة، ولا في ظل مرجعية مدريد، حتى لو طبقت تلك المرجعية باحترام وعلى الوجه الأمثل -لأنها تضمن أولاً وجود إسرائيل على أرض فلسطين، وتضمن لها اعترافاً بشرعيتها ينتزع بالقوة والقهر من أصحاب الأرض الشرعيين المغتصبة حقوقهم، كما تضمن لها عيشاً آمناً وهيمنة تامة وتفوقاً دائماً وتوسعاً مستمراً على حساب العرب- ولا في ظل الضعف والتردي العربي الراهنين؛ لما كان ذلك كذلك فإن علينا أن نبحث عن أساليب عمل مغاير يضمن لنا أن نحقق شيئاً مما نتطلع إليه في المستقبل القريب والبعيد.‏

الوقائع التي عشناها خلال السنوات الخمسين الماضية وكذلك الحقائق التاريخية والمعطيات الواقعية واستمرار التهويد والاستيطان والتهديد، كل ذلك يثبت أنه لن يستتب سلام في هذه المنطقة مادام الكيان الصهيوني قائماً على حساب الوجود الفلسطيني. وكل استقراء للماضي يشير إلى أن "إسرائيل" بؤرة توتر وحالة عدوان وقلعة تهديد مستمر لدول المنطقة وشعوبها، وأنها مشروع استعماري قام بقوة القهر ويستخدم قوة القهر ليبقى ويستمر، وأن وجود هذا الكيان يعني استمرار استنزاف المنطقة ونهب خيراتها بشكل مباشر أو غير مباشر.‏

وبناء على ذلك فإن كل اعتراف بذلك الكيان وكل اتفاق معه، هو فعل يرسخ حالة عدوانية -استعمارية- استلابية مستمرة مناقضة للسلام والأمن والعدل وناقضة لها، وهو نوع من الاستسلام لمنطق القوة المتغطرسة لا يكفيها ولا يرضيها، وخضوع لإرادتها وتسليم لها بفرض شروطها وقرارها ومصالحها على الآخرين. ومن يقبل بهذا الواقع اليوم من العرب لا يستطيع أن يقاومه غداً، لأن ذلك سيؤدي إلى حالة من التراخي على أرضية سلام الاستسلام، وحالة من التآكل الروحي والاجتماعي وغياب مسوغات امتلاك القوة، وإلى وضع يسوده التناقض في المنطق الداخلي لفكر الأمة وسياستها وتوجهات أبنائها؛ إذ ما معنى أن يتم القبول بصيغة تمنح قوة غاشمة حقاً وشرعية واعترافاً أمام العالم بحكم قدرتها على فرض احتلالها وفرض الأمر الواقع على الآخرين ثم يجري نقض ذلك؛ أليس الأفضل والأسلم هو عدم منح الاحتلال، الذي سوف يستمر بأشكال مختلفة، شرعية وإبقاءه أمام العالم وفي وجدان الشعب وذاكرة الأمة قوة اغتصاب غير شرعية يجب التخلص من احتلالها وقهرها واستعمارها؟! وفي غير هذه الظروف لا يعود هناك معنى لأن نهيئ النفس لمعركة مادمنا قد سلمنا بانتهائها؟! ولن يكون هناك معنى لأن نرفض التطبيع ونحن نعلن الاعتراف ونمارسه؟!‏

إن تشتيت الأجيال، وتوزع تيارات الفكر والتربية والسياسة على أنساق متناقضة الاتجاه، أو متنافرة إلى الحدود المسيئة لن يؤدي أبداً إلى بناء أي نوع من أنواع القوة والصحة وسلامة التوجه لأية قضية وأي بناء وفي مواجهة أي عدو أو طامع. ولا يوجد أمة في التاريخ ليس لها أعداء ولا يواجهها في يوم من الأيام من يطمع بها أو يتطلع إلى تحقيق مصالحه على حساب مصالحها؛ وتأسيساً على ذلك فإن كل أمة مدعوة إلى امتلاك مقومات قوة تدافع بها عن نفسها وعن مصالحها، في حالة من السلامة النفسية والخلقية والروحية والوجدانية لتتمكن من استنفارهم للذود عن أنفسهم ووطنهم ومصالحهم عند اللزوم؛ وهذا ما ينبغي أن نؤسس له اليوم بكل الوسائل والسبل، ونحن نواجه هذا الاختيار المر: اختيار القبول بسلام يضر بالكرامة الوطنية والمصلحة القومية ويشكل نوعاً من الاستسلام للعدو الصهيوني.‏

وحين نقرر اختيار رفض الاستسلام ورفض الخضوع لقانون القوة الباغية علينا أن نقرر كيفية المواجهة وأن نمارس مبدأ الدفاع عن النفس باقتدار وبكل الوسائل الممكنة.‏

إن "إسرائيل" عدو مغتصب، كيان باغٍ لا يقوم على أي نوع من أنواع الشرعية، ولا يتوقف مشروعه عند حد، ولا يمكن التعايش معه؛ فحالة العداء بيننا وبينه حالة مستمرة، إن لم نمارسها نحن ضده دفاعاً عن حقنا المشروع فسوف يمارسها هو ضدنا وصولاً إلى أطماعه المعلنة، وسيزداد غطرسة وطمعاً وانطلاقاً مما يحققه باستخدام القوة وبفعل ضعفنا واستعدادنا لقبول ما تفرضه القوة؛ ولا يوجد وسيلة ردع لمثل هذا النوع من البغي في التاريخ كله سوى امتلاك القوة والاستعداد لاستخدامها بإرادة وشراسة دفاعاً عن الحق والعدل والشرعية، ومن يقول بغير ذلك يقول بقانون لا يحفظ الكرامة ولا يحقق الحماية، ويسوّغ الخنوع، ويتلمس للضعف والجبن والهزيمة المادية والروحية الأعذار، ويفتح باباً واسعاً أمام كل من تسول له نفسه ممارسة طغيان القوة على سواه من بني البشر.‏

القوة تردع والضعف يطمع بالضعيف من لا يطمع به أصلاً، وعلينا أن نواجه قدرنا وواقعنا وظروفنا بما يليق ويلائم.‏

الاحتلال لا يزول بغير قوة يستعيد بها المحتلة أرضه والمنقوصة كرامته أرضاً وكرامة، وامتلاك القوة يستدعي تربية وإعداداً واستعداداً، وهذا لا يمكن أن يتم وينجح من دون قرار سياسي يضع البلاد والعباد في توجه إيجابي عام، ويحافظ على مناخ هذا التوجه، ويوافر له الإمكانات والشروط اللازمة؛ ومن أهم مقومات مناخ هذا التوجه المحافظة على شرط الصحة الروحية والنفسية والجسمية والاجتماعية، ولا يمكن أن تكون هناك صحة روحية - على الصعيدين الفردي والجماعي- من دون إيمان وإرادة ورؤية استراتيجية سليمة وحكيمة للأمور، ووضع كل الطاقات في هذا الاتجاه.‏

وإشكالية الوضع العربي الراهن حول هذا الموضوع تتلخص باستعداد معظم الأنظمة للتسوية، ورفض معظم المثقفين وأفراد الشعب لها؛ وليس من المستغرب أن تكون بعض الأنظمة العربية في واد والشعب العربي في واد آخر، ولكن هذا الوضع لن يمنع من أن يعمل كل حسب اقتناعه وإيمانه ورؤيته؛ المهم في الأمر أن تكون مصلحة الوطن والأمة وكرامة الشعب هي رائد الجميع.‏

والله من وراء القصد.‏

دمشق في 26/12/1996.‏

الأسبوع الأدبي/ع543//30/ك1/1996.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244