|
أيها العابرون على موج الزمن .. سلاماً
من تراه يجد الأمان والاطمئنان في ظل تقلب الزمان، ومن تراه يعيش أيامه مطمئناً في حضن تلك الأفعى؟! الزمان فيه من خضراء الدمن شيء ومن الأفعى أشياء، ولا أمان لكل منهما، ومن لا يحذر كليهما يصاب بداء لا شفاء له منه، أو يبقى الدهر مهدداً بالداء.
والزمن بنوه، هم جنته وناره، خيره وشره، صيفه وشتاؤه، منهم يفيض الدفء والنور وبهم يزحف البرد والظلام، فالفرد في فضائهم لا في فضائه يسبح، ولا يكون مجتمع واجتماع وثمار لهما وظلال إلا بهم، ولا يكون عطاء ونماء وشفاء وشقاء إلا بهم ؛ فهم جوهر المجتمع وسره وغاية الاجتماع والتقدم وسببهما، وهم أيضاً علَّة الهلاك والتخلف ومثيرو غبار الخير والشر. وذلك الاجتماع الذي يتشكل بهم يحمل زخم الحياة ويعطيها شيئاً من أسرارها ومعانيها وطعمها، ويدفع باتجاه القبول بها والإقبال عليها والحرص على استنفاد فرصها، حتى لو كانت تلك الفرص منطوية على الخطر ويقطر منها الصاب والعلقم.
نحن في هذه الأيام على عتبة مفصل من مفاصل الزمان، مفصل يحسب عند الناس ولا يُعَدُّ شيئاً في مراقي الإحساس، بَلْه في عمر الزمن ومقياسه ؛ فانقضاء عام وقدوم عام ليس شيئاً أكثر من ومضة بين غفوة وصحوة، إنه برهة قلقة مجرَّحة بين انغلاق جفن على وَهْدَة وسَن وتفتحه على لمعة نور. والكرى يفصل كل يوم بين عالمي موت وحياة، بين حدي زمن يقيسه الناس بمقياس لا يعتد به الدهر أبداَ، ولن ينجح أبناء الزمان في جعله يعترف على حدود السنين أو يعترف بها، حتى لو غضبوا وصخبوا وأناروا ليل يومه الأخير ـ الأول بكل ما يملكون من طاقة النور.
أن ينقضي عام ويطرق أبواب الخلق عام آخر ليس أكثر من فاصلة على الورق لا يشعر بها تدفق شلال الضوء والظلام اللذين يصنعان نهر الوقت، وينتشران في محيط الزمن ليصنعا كوناً في فلك الدهر كوناً : لا نهائي الامتداد أزلي الوجود، سرمدي البقاء ، يخط بتؤدة وحزم حدود الخلود.
في نهاية اليوم ـ العام نفتح صرتنا الكبيرة التي تثقل كاهلنا ونحن نسعى بين رمل ورمل في صحراء الوقت، ونبحث في ثناياها عن بقايا ورقة مما تركَتْه لنا ظلال الواحة التي تفيأنا ظلها في حلم راحة عابر، فلا نكاد نجد من رماد حريق ذلك الحلم شيئاً ؛ نهر الوقت يجرف كل شيء ويتحول ما فيه عند عتبات أرواحنا وأجسادنا إلى تدفق صخَّابٍ لحمم بركان نفس تثور بين قيظ وقيظ وتتكسر على صخر لا يشعر أبداً بتكسًّرها، وتُشوى على نار زمن لا يُعنى بشأنها ولا يستشعر شواظها .
كمٌ في العراء يحاول أن يسوِّغ العري والقسوة والرياء، كمٌ من اللحم والهم والحلم والأمل يتحول أحياناً إلى صحو مذهل في عمق الإنسان، ويريد أن يبقى العالم صحواً مذهلاً على طريقة كل فرد من أفراده، ويتغالب الأفراد على دود الزاد ليلوِّن كل منهم العالم والوقت والغير بلونه هو، ولا يرتوي أي منهم من ظمأ أبيد للسطوة والسلطة وحيازة الغير في صرَّته الثقيلة، ولا يستنقذ نفسه من ولع مقيم في النفس بهلع، ولعٍ ينمو بين صفاقي الرغبة والحاجة ويستسرُّ في أحشائهما ؛ إنه هذا الـ " نحن، أو الأنا " المتورمة، المزمنة القلق والرهق، المشدودة إلى تألُّق توق يزيِّن أمامها الأمور وييسر لها مواجهة الصعاب واحتمال المكاره، والطامعة أبداً في مزيد مما قد يكون للغير تثقل به نفسها.
يا لروعتنا ويا لشقائنا نحن البشر ونحن ننشُد تلك الروعة : روعة الكشف والتملك، ونصنعها ونتوهم فرادتها وحريتنا في مقارفتها، ويا لدهشتنا ووحشتنا حين يَشْقَع من مآقينا ومرافقنا الدمع والدم على دروبها ونحن نخوض صراعاً مديداً فريداً لنكتب سطراً على ماء المحيط ونخط سفراً في خضم الزمن ؟!؟
في كل موت ووقت، في بداية كل عام ونهاية كل عام، يرتفع في فضاء نفوسنا وسماء وجودنا فيض الأسئلة والتساؤلات ولكنه يبقى معلقاً على مشنقة الوقت دون إجابة تحقق شفاء :
نحن الذين نضيف أهميتنا إلى الزمن ونحمِّله معاني وجودنا وأهمية ذلك الوجود، ونخلع عليه منا بُروداً مختلفة ألوانها لنؤكد حضوراً ونسوِّغ صخباً، ولنملأ فراغاً داخلياً، ونشبع غروراً متورماً، ونشيع لنا أهمية من حولنا !! هل ضآلتنا حيال الكون هي التي تدفعنا إلى ذلك، أم ما في طبيعتنا من خواء هو المحرك والمحرض، أم شعورنا بأهمية ما حققناه قياساً إلى الكائنات الأخرى التي تدب على الأرض هو الذي ينفخ أوداجنا بكل ذاك الغرور والصراخ؟! أم هو الخوف العريق المقيم في أعماقنا من أن يكون كل ما فينا عقيم ولسنا سوى جعجعة ندوِّم في خضم الفراغ الهائل، الذي يحيلنا إلى مدى عنكبوتي من التيه، نتطوَّح محمولين على رفيف فضائه ؛ كتلة من الوعي تحفر منسأة الكون بدأب، مثل نملة على كرة عملاقة تريد أن تستشعر أهميتها وقدرتها على ثقب تلك الكرة حتى لو كان في ذلك هلاكها، وتريد تحريكها والتحكم بشؤونها وإظهار الاقتدار عليها ؛ أم تراه الخوف من اكتشاف عبثية الوجود وغياب الغرض من ورائه، وبقاء الظلم ظلمين في الدنيا والآخرة، مع ما يرتبه ذلك الشك من زوغان رؤية وضلال رأي، وما يجره من نصب على من يأخذ بذلك النوع من الاعتقاد المدان الذي لا سند له ؟!؟.
أياً كان الأمر فالإنسان يحاول أن يفرض نفسه، ولكن ... على من وعلى ماذا ؟!؟ سؤال ما زال مفتوحاً على الزمن وسيبقى مفتوحاً على مدار الأعوام.
من عام إلى عام، ومن عقد زمن إلى آخر، ومن قرن إلى قرن، لسنا سوى القشة التي تترنح في بؤرة الدوامة، نعيش حالة من الوهم تكفي تكفي للانفجار كبراً أو فُجْراَ، وليراق من أجلها الدم ؛ يرقِّصنا الموج على أنغام الهلع وزهو الطفو، ثم يبتلعنا الحلق الذي لا يعرف امتلاء !! ولكن هل من تعزية تُبقى في النفس نشوة تُقْتَطَف من سر تألق الحركة فوق هوة الموت، ومن تعلق الحي بالحياة فوق تلك الهوة، ولو كان ذاك التعلق لا يدوم أكثر من نَفْرَة اشتعال الكبريت في فم عود الثقاب ؟!.
الإنسان والزمن سؤال الكون الخالد، ولغزه الأبدي، وشجنه المتصل، وبحثه الدؤوب ؛ فهما طرفا حوار بلغة الخلق والخالق، حوار يستمر متجدداً ما استمرت الحياة ؛ فذاك الكائن الإنسان ارتبط به وعي الحياة بذاتها وسؤالها المتجدد عن ذاتها وعن الآخر الذي يشاركه سر الحياة ويقاسمه معنى الوجود.
في دنيانا هم الأعوام يتراكم ويتجدد ويتجسد في كرات ثلاث : كرة ثلج تكبر وتتسخ كلما ازدادت حركة، وكرة ألم وغضب تتفجر من آن لآن موتاً ومعاناة ودماً يلون دروب الحياة، وكرة خيوط من الصلات والمصالح والعواطف والعلاقات توزعها تيارات الريح على حقول الشوك ؛ ولا أجد مسوغاً للكلام حول هم الأنام في عام وتراكم ذلك الهم من عام إلى عام، فكبة الغزل المفروطة متداخلة الخيوط، وحينما تتموج تلك الخيوط على الشوك يصعب تمييز قوامها وتخليصها سالمة.
دعونا، وقد دلق البؤس الروحي والعدوان الأسود الذي تقوده العنصرية ويجسده الموساد، دعونا نفتح بيادر الألم وخوابي الأمل، دعونا نطلق نسور نفوسنا في سماء الحلم ونقتحم بحر الخوف، وننشد في ذلك الفضاء اللانهائي أغانينا، فقد تخاف نفس من نفس ولكننا لن نرهب الكون ولن نقلق راحة الزمن الذي يتمدد عملاقاً لا يأبه بألمنا ؛ نعم نحلم بقوة وحرية وفرحة ونصر وتحرير وإرادة لا نهائية المدى، أليس لنا في الحلم من نصيب؟! نعم نحلم فليس لنا إلا أن نحلم في ظل قدر غاشم، وليس لنا الحق في نتنازل عن حقنا بالحلم .
أيها المتعبون المطوفون على تخوم الزمن، في عالم تهده الغربة ويهدده الظلم وقوة القتل الأسود لا تتنازلوا عن حقكم بالحلم فهو مدخل مشروع لتغيير الواقع، لا ترقصوا في وداع عامكم الذي مضى فلم يكن بائساً إلى حد الذهول عنه والهرب مما كان فيه، ولا ترقصوا فرحاً باستقبال عامكم القادم، فسيلوح فجره وتشرق شمسه على نجيع بشري تدوم في فضائه البراءة باحثة عن سبب اضطهادها وذبحها بحد الجبن والغدر .
هذه استراحة الروح في ظل صهيل الوقت وصبيب الدم، استراحة ساعات على نسيج الحرف، قد تكون قادرة على تجديد شيء في عزَماتنا يمكننا من متابعة أفضل لصراع مر يدوم طويلاً، صراع في الحياة ومن أجلها.
تعالوا أيها المتعبون إلى ظلال وارفة يصنعها الحلم، تعالوا إلى وقت نتوهم أنه على تخوم الوقت، واحة تقيِّل فيها الروح، ويصبح ما تهبنا إياه من ورق أخضر وارتسام له في المقل مادة حريق مقبل لأوراق قد تتزيَّن بها صرة نحملها على كواهلنا مدى العمر هي الزاد والرماد الزاد .. هي الروح وفناء الروح، وهي دمنا ووهمنا المسفوحين على أعتاب الزمن ؛ تعالوا إلى وقت ننذره لقول يجعلنا أكثر قرباً من طبيعتنا، وأكثر قرباً من إدراك معنى هلعنا وموتنا وعذابنا وفرحنا وأملنا ؟؟.
تعالوا نبحث عن زاد يبقى لنا منه في مدارات التيه شيء، وعن أمل وحلم وعمل تبقى منا في مدارات الحياة التي يعبث بها الزمن شيء، فالألم كل الألم والبؤس كل البؤس أن نموت كل صباح، وأن نقتل فينا الأمل بسيف بالوهم كل صباح .
وإلى قطرة جديدة في محيط ضخم أرجو أن يكون بعض مذاقها مريحاً ؛ وكل عام وأنتم بخير.
دمشق في 31 / 12 / 1996
الأسبوع الأدبي/ع544//4/ك2/1997.
|