|
دم في دمشق
دمٌ علا جبهة الميلاد في دمشق ليخط شفق الغروب القاتم لمسيرة بائسة هي مسيرة " السلام الإسرائيلي ـ الأميركي " المعروف باسم سلام مدريد؛ دمٌ بريء يضعنا أمام حقائق ثابتة ينبغي ألا تغيب لحظة واحدة عن ذاكرتنا ووجداننا، ونحن نصنع القرار ونخطط للمستقبل، هي حقائق الصراع العربي الصهيوني بوصفه صراع وجود وليس نزاعاً على حدود .
دم بريء وأشلاء متناثرة في فضاء الميلاد ودوي مروع ينهي الوهم أو يقدم أملاً بانتهائه، ويقيم الوقائع سيفاً حاداً مشتعلاً أمام من يريد أن يرى وأن يعمل بهدي مما تقدمه الوقائع التي يغص بها تاريخ الصراع مع العدو الهمجي؛ وهي وقائع زاخرة بالعبر، وتؤكد المذابح منها، تلك التي تمتد من كفر قاسم ودير ياسين إلى " قانا " ومذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل، تؤكد أنه لا يمكن التعايش بأمن وكرامة بين العرب والصهاينة .
دمٌ بريء يطرح علينا السؤال المر للمرة المئة بعد الألف : إلى متى يبقى الدم العربي مستباحاً ومسترخصاً، وإلى متى نبقى تحت مرمى نار العدو وعملائه؟! وإلى أي حد يمكن أن نحتمل مثل هذا الوضع البائس، وكيف الخروج مما نحن فيه ؟!
علينا ألا نستهجن أبداً أن يقوم الموساد بجرائم بشعة وجبانة وقذرة، فهو أولاً يجسد الطبيعة العنصرية النازية للصهيونية، التي لا يمكن إلا أن تمارس الإجرام والإرهاب، فعليهما فطرت وبهما أنشأت " دولة " هي الأنموذج الشرير في العالم كله، والمنبت الأمثل للممارسات المسكوت عليها دولياً والمعكوسة من حيث حقائقها ونتائجها؛ وهو ـ أي الموساد ـ صاحب تاريخ أسود في الإجرام والإرهاب، ويقوم بما هو موكل إليه من مهام بوحي عقلية مريضة ترى في الآخرين " الغوييم " أهدافاً مستباحة لها، فكيف إذا كان " الآخرين " هم العرب الذين سرقت وطنهم؟! علينا ألا نستهجن ذلك وما ينبغي أن نستهجنه هو ألا يفعل الموساد ما يفعله، وألا يلغ في دم الأبرياء، وألا يعبر عن الطبيعة الحقيقية للصهيونية أفضل تعبير، فهو الوريث الشرعي لصانعي فطير صهيون بدم الأبرياء .
وعلينا ألا نستهجن أبداً ما تتخذ ه الولايات المتحدة الأميركية من مواقف فجة ومنحازة " لإسرائيل "، وأن يكون التصرف العفوي الأول للناطق الرسمي باسم الخارجية الأميركية نيكولاس بيرنز هو الهجوم الوقح على سورية، التي لم تدفن شهداءها بعد ولم تغسل الدم من شوارع عاصمتها، قبل أن تتوافر لديه أية معلومات عما حدث في دمشق باعترافه الصريح الذي تضمنه تصريحه التالي أمام الصحافة؛ علينا ألا نستهجن شيئاً من ذلك لا في الكيان الصهيوني ولا في الولايات المتحدة الأميركية، لأن القاعدة القديمة التي عبر عنها الصهيوني الأميركي لويس برانديس Louis Brandies الذي رأس الحركة الصهيونية عام 1914 بقوله : " ألاحظ مع مرور الزمن أنه لكي نصبح أميركيين جيدين علينا أن نكون يهوداً جيدين، ولكي نكون يهوداً جيدين علينا أن نكون صهيونيين جيدين " لأن تلك القاعدة، التي ترسَّخت على أرضية تقارب الممارسات العنصرية والاستيطان على حساب الشعب الأصلي للبلد المغزو بقوة القهر، ما زالت مستمرة وموضع تأكيد ودعم من العاملين في الإدارات الأميركية المتتالية؛ والصهيوني الجيد، حسب تلك القاعدة، هو الإرهابي المتميز بحقده وعنصريته، وينبغي أن يقابله " عربي جيد "، والعربي الجيد بالمفهوم الصهيوني هو : العربي الميت. وأنموذج الصهيوني الجيد هو ذاك الذي لا يحترم عهداً ولا يصون وداً ويرى أن من حقه أن يكون مالكاً للأرض وما عليها بتفويض "إلهي" همجي عنصري كريه لا يمت إلى معنى العدل والحق والديانات والمعايير الإنسانية والقيم السماوية بأية صلة، وصورة ذلك مجسدة : المجرم الأنموذج الذي صدرته نيويورك إلى الخليل / باروخ غولد شتاين / الذي ذبح المصلين في الحرم الإبراهيمي وهم سجَّد لله تعالى !؟!.
" إسرائيل " تمارس طبيعتها، والولايات المتحدة تخدم مصالحها ولا تعنيها القيم والحق والخير والعدل، فتلك بضاعة للتجارة مثلها مثل الفانتوم والسجائر، وتنقلب تلك البضاعة بيدها إلى سلاح تهدد به الآخرين وتبتزهم عند اللزوم؛ وهي ماضية في تطبيق مخططها المعادي لنا بكل المعايير والمناصر للإرهاب الصهيوني بكل المقاييس. وهذا الأمر قديم معروف معلن ومستمر؛ والسؤال الملقى علينا نحن المستهدفين يبقى هو : إلى متى يستمر ذلك، وإلى أي حد يمكن أن نحتمله، وكيف السبيل إلى مواجهته ؟!
ولن تكف أي منهما عن خدمة مصالحها وتحقيق أهدافها ومخططاتها بكل الوسائل والسبل الممكنة .
ونحن، بعد عملية الموساد الأخيرة التي ذهب ضحيتها ركاب حافلة خط : دمشق ـ حلب التي تمت في دمشق، نجد أنفسنا أمام سلسلة من العمليات تقف وراءها " إسرائيل "، بدأت في " طبرجا " ضد حافلة تقل العمال السوريين ولا نعرف متى تنتهي، وتهدف هذه السلسلة إلى :
1 ـ فصل المسار اللبناني عن المسار السوري في المفاوضات الثنائية، وفرض اتفاقية إذعان على لبنان تؤدي إلى ما يشبه اتفاق / 17 / أيار 1982 الذي أسقطته المقاومة الوطنية اللبنانية وجهود سورية، ومنعتا بإسقاطه وقوع لبنان بكامله تحت الاحتلال الصهيوني، وإقامة الكانتونات الطائفية التي تسعى " إسرائيل " وعملاؤها لإقامتها في المنطقة، لتؤسس بذلك لسيادتها واستقرارها واستمرارها بمزيد من التجزئة العربية.
ومن الواضح أن خيار " لبنان أولاً "، الذي طرحته حكومة العمل وأسقطه تعاون سورية ولبنان، يعود إلى الظهور بعد أن استمر الليكود بتبني هذا الخيار، وعجز عن وضع حد للمقاومة الباسلة التي يلقاها في جنوب لبنان؛ وهناك دعم وتفهُّم غربيان لهذا التوجه وتعاطف معه وضغط من أجل تحقيقه، وإغراء بتقديم مساعدات كبيرة في إطاره، وخلق مناخ في المنطقة من أجل تحققه.
وقد قام تنسيق جدي بين عملاء " إسرائيل " في الشريط المحتل ومَن يعملون على مشروعها القديم ـ الجديد في لبنان وخارجه ممن يسمَّون : " التجمع الوطني " / عون ـ الجميل ـ شمعون /، وهم على اتصال بلحد ونتنياهو؛ ويحظون بمباركات مؤسفة وبنوع من التصريحات التي تساوي في نهاية المطاف بين المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال وعمليات عملاء الموساد في طبرجا ودمشق، بشجبها العمليات بما فيها تلك التي تتم في الشريط المحتل من جنوب لبنان ضد الاحتلال.
2 ـ تحميل سورية مسؤولية المقاومة الوطنية في جنوب لبنان ومسؤولية تغذيتها، والضغط عليها لإجبارها على وضع حد لتلك المقاومة مع بقاء الاحتلال واستمراره؛ ومطالبتها بطرد المقاومة الفلسطينية الرافضة لاتفاق أوسلو من دمشق، وتحميلها أيضاً مسؤولية العمليات التي تقوم بها فصائل تلك المقاومة ضد العدو في فلسطين المحتلة. والخروج من ذلك التهديد والوعيد إلى تسويغ توجيه ضربات إلى سورية لإجبارها على أن تصبح حارس الاحتلال في كل من لبنان وسورية وفلسطين؛ وإذا لم تفعل ذلك فهي الدولة التي تحمي الإرهاب، وتعطل عملية السلام، وتهدد الآخرين، وتسبب التوتر، وتسعى لامتلاك السلاح الكيمياوي، وعليها أن تثبت براءتها في كل صباح حتى إذا كانت هي المعتدى عليها، بينما من يمارسون الإرهاب والعدوان والاحتلال ويملكون السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل الأخرى مسكوت عنهم لأنهم في حماية الولايات المتحدة الأميركية التي تقود المجتمع الدولي من لسانه إلى حيث تشاء .
3 ـ عزل سورية ومحاصرتها واستدراجها لتوجيه ضربة " ساحقة " لها عن طريق استفزازها وجعلها :
ـ إما عاجزة عن الرد بفعل الحسابات ذات المردود السلبي من حيث النتائج العامة للرد، وبذلك يتحقق تآكل روحي وعجز لا ترضاهما سورية.
ـ أو إجبارها على الانصياع لتوقيت غير ملائم تُجَرُّ فيه إلى معركة في الظروف والمواقع التي يحددها العدو ويتحكم فيها.
وكل تلك حسابات تعيها سورية جيداً، وتستطيع التعامل معها بثقة واقتدار عند اللزوم.
4 ـ فرض " سلام " بالشروط الصهيونية عليها، وهو حسب نتنياهو وجنرالاته : سلام مقابل سلام، أي بقاء الجولان أو جزء منها تحت الاحتلال، مع فرض الاعتراف والتطبيع، وإلغاء الدور القومي لسورية، وتكبيلها باتفاقيات تلغي ذلك الدور أو تخنقه.
5 ـ تمكين عملاء " إسرائيل " في الشريط المحتل من جنوب لبنان من التفلُّّت من كل حساب، والمحافظة على مصالحهم ومكانتهم وارتباطاتهم معها، ودعمهم مع سائر المتعاملين معها في الداخل لتمكينهم من تبؤ مكانة لائقة في أية تسوية مستقبلية، فضلاً عن حضورهم في ساحة القرار .
إن حسابات الموساد ورجاله كثيرة، وجرائمهم خطيرة، وما يتطلعون إليه أعظم وأخطر وهو مشروع " إسرائيل التوراتية " والسيطرة الشاملة على المنطقة ومستقبلها، ولكن عليهم أن يعلموا شيئاً واحداً بدقة كافية وهو أن الدم السوري خاصة والعربي عامة ليس رخيصاً، ولن يكون من دون ثمن، وأن ابتلاع سورية والعرب ليس بالسهولة التي يظنون؛ وإذا كانت هناك أنظمة وضعاف نفوس يهرولون إلى الأعتاب الصهيونية خوفاً وطمعاً فليس أولئك هم الأمة العربية وتاريخها ومستقبلها ونهاية طريق الصراع معها، نحن أمة تؤمن بحقها وبقدرتها على تحقيق النصر، وهي تملك الحق الساطع والشعب الواسع، وليس لعدوها مثل هذا الذي يضمن المستقبل والنصر، كل المستقبل وكل النصر، بعونه تعالى .
ويبقى من حقنا ومن واجبنا أن نواجه السؤال الملقى علينا لنزداد وعياً وأملاً وقدرة على العمل والإحساس بعامل الزمن الحاسم في مثل صراعنا مع الصهاينة : إلى متى يستمر تفككنا، ومتى نبدأ السير في طريق المواجهة الشاملة في إطار صراع الوجود مع المحتلين العنصريين ؟؟!.
دمشق في 7 / 1 / 1997
الأسبوع الأدبي/ع545//11/ك2/1997.
|