صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

طعم الريح القادم

القوة الغاشمة لا تستطيع أن تغلق منافذ العالم ولكنها تستطيع أن تضيِّقه على من لا ترضى عنهم، وتستطيع أن تغرق أولئك " المحظوظين " في الوهم حتى لا يعمل العقل على إنارة طريق الخلاص لهم .‏

والقوة الغاشمة لا يمكن أن تستمر في نموّ سطوة وتحكم، من دون ردع أو منافسة أو تهديد من أي نوع، إلى ما لا نهاية؛ فليس من قانون الحياة أن تستمر قوة بشرية إلى الأبد في حالة سطوة وسيطرة وعلو؛ ذلك لأن المقهور الماثل أمامها في هذه الحالة إمَّا ميت وإمَّا في الأعماق ثائر، وسير المقهورين على طريق الثورة يعني امتلاكهم للوعي ورغبتهم في امتلاك القوة المحررة وأدواتها الموصلة إلى الأهداف المنشودة؛ إنه يعني بداية شعور بوضع مرفوض وولادة وعي يسعى إلى التجسد في الحرية، وفي هذا بداية النهاية لسيطرة القوة الغاشمة بولادة القوة المتمردة أو المنافسة أو الرادعة أو الغالبة، على أرضية ثابتة من العزم والأمل.‏

نحن في قرن شهد انهيار قوى وصعود أخرى، وشهد بداية تحرك قوى مضطَهَدَة على طريق الوعي والحرية، قرن شهد عظمة إمبراطوريات رأسمالية ومَدَّها وتراجعها،كما شهد عظمة إمبراطورية اشتراكية وتفككها وانهيارها بشكل مثير، وشهد أيضاً ولادة القوة الأميركية وانتشارها وسيطرتها وتفرُّدها وممارستها لأنواع السلب والقهر والعدوان على الآخرين، تحت ادعاء عريض بمناصرة الحق والعدل والحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وتحت "شعارات " التمسك بمبادئ وقيم إنسانية والدفاع عنها؛ قرن شهد إراقة الدماء بلا حساب وتبدل المواقف والمبادئ والقوى بلا حدود أو حساب.‏

وقد خبرت الشعوب جيداً معنى " القيم والمبادئ والعدل البشري " على الطرق كلها، ومنها الطريقة الأميركية، وذاقت طعم الذل والقهر والموت وهي تدفع ثمن ممارسة من يقولون بـ " الدفاع عن الحقوق والحريات والممارسة الديمقراطية والتقدم بكل أشكاله ومدارسه، والأمثلة على ذلك لا تحصى؛ ومن أمثلة المدرسة الأميركية الحية ينتصب أمامنا دائماً مثال فييتنام فهو ليس بعيداً عنا، كما أن هيروشيما وناغازاكي في الوعي والذاكرة.‏

وكل ما قدمته تلك " القوة الضارية الجبارة " من مناصرة عمياء للوحشية الصهيونية، التي طبقت ممارساتها ودروسها المستقاة من النازية، علينا نحن العرب؛ كل ذلك ماثل في أعيننا ودروبنا وقلوبنا صباح مساء؛ والتأمل فيه واستقراؤه يجعل كل الادعاءات الإنسانية الأميركية تسقط سقوطاً ذريعاً وتتمرغ في الوحل، مزرية بالادعاء الأميركي العريض الذي يتعلق بالقيم والمبادئ والحقوق والحريات.‏

أحببت أن أشير إلى هذا ونحن نعيش أوج الغطرسة الأميركية اليوم في العصر الصهيوني المسيطر على قرار أكبر دولة في العالم، لا سيما قرارها بالنسبة لمنطقة " الشرق الأوسط" التي يُسند كل ما يتصل بها إلى الصهاينة؛ وأن أشير إليه في ذروة النفاق السياسي الرائج عربياً الذي بلغته الإدارة الأميركية ـ الصهيونية، وهي تدلف إلى الفترة الثانية من رئاسة كلنتون، الذي يبدو منتشياً بالقيد الصهيوني إذ يرى فيه نعمة الاختيار الرباني، وتكريماً تاريخياً علياً يُعتد به، وهو يقبل على ذلك رغبة منه ورضا بإرث صار إليه، وإقراراً بواقع تعيشه السياسات الأميركية وتتوارثه، واقع تقدِّم له كل المسوغات الممكنة،هذا إذا احتاجت إلى تقديم مسوغات أصلاً في هذا المجال.‏

ونحن العرب اليوم، بترهُّلنا وضعفنا وهرولتنا على أعتاب العدو الصهيوني مرتدين أثواب الذل والضعف، وبصمود بعضنا وشموخه وتمرده على العصر الصهيوني الأسود وعلى القانون الأمريكي الجائر : قانون فرض التبعية على الشعوب بقوة القهر وبسيف الاتهام بالتخريب والإرهاب؛ نحن اليوم أمام معطيات قد تصنع حقائق مرحلة قادمة تمتد إلى نهاية هذا القرن على الأقل. وعلينا أن نواجه هذه الحقيقة المرة، وأن نتبصر قليلاً فيما يقال لنا عنا، وما يراد بنا منا، وما ينتظرنا على يدي " سيد العالم " العدو ـ " الصديق " الذي يقدم نفسه وسيطاً، ويلف نفسه بوشاح النزاهة، وهو القيد والغل والكيد والحقد الأسود الذي يمهد الطريق ليجعل الأفعى تفرغ سمها في العرْق والعصب، تحت عباءته الأبوية وفي ظل مظلته النووية.‏

ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدواًً له ما من صداقته بدُّ‏

نحن بعد اتفاق الخليل الذي ألزم عرفات بنقض ميثاق المنظمة وبتصفية المقاومة الفلسطينية، وجعله يوافق على ذلك متوهّماً أنه أحرز النصر، نحن على أبواب سنوات أربع عجاف قادمات، فيهن برنامج مستمر لإدارة وإرادة أميركية قديمة ـ جديدة، فهل في جديدها جديد؟ وهل في جديدها القديم خير من أي نوع أو أمل بخير من أي نوع؟! سؤال يحق لنا أن نطرحه على أنفسنا حتى لا يفتك بنا الوهم أكثر، وحتى لا نعاني من القهر أطول، وكي لا يستمر ضياعنا ووهمنا وتستمر صدمتنا بما لا يحق لنا أن نُصدم به، لوضوح شديد التوجه والنوايا وتاريخ من العداء واللدغ والكيد والغدر مديد ..‏

في خطابها، خطاب نيل الثقة، أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، قالت ما دلين أولبرايت، وهي تقدم نفسها وزيرة للخارجية في إدارة كلنتون الثانية قالت: "ليس لنا خصوم دائمين، بل فقط مبادئ دائمة. وقد تأصلت تلك المبادئ وتمثلت في احترام القانون وكرامة الإنسان والحرية، لا حرية بعض الناس بل جميعهم."‏

هذا كلام حسن للغاية، ولكنه الغاية في نقض المصداقية ونفيها وازدرائها، والغاية في الاستغفال؛ وقد يبدو ذلك، من بعض الوجوه، ناشئاً عن تناقض عميق في المفاهيم والممارسات بسبب تغير البيئة والقيم وأنماط السلوك والتفكير، ولكن جوهر الخير وقيمه ومردوده وكذلك جوهر الإنسان وقيمه وخلقه وفهمه للخير والعدل والمبادئ والحق، لا يمكن أن يكون متناقضاً إلى حدود التضاد التام وتصادم النقائض.‏

ولا نتبين ذلك جيداً من هذا المقتطف الذي يبدو، قبل استكمال دلالاته، مجتزأ من سياق عام؛ لذا يحسن بنا الوقوف عند بعض ما يشكل معالمه الرئيسة ويجلوه ويساعدنا على قراءة أفضل لموقف السياسة الأمريكية في توجهها القادم من خلال أولبرايت، ولقولها ذاك، الذي يقدَّم على أنه استراتيجية خيرة مسلَّم بها وبنتائجها وبحسن ممارستها.‏

فلندقق في ذلك لأن أولبرايت هي التي ستمثل "دبلوماسية" الولايات المتحدة الأميركية في السنوات الأربع القادمة، وستلون العالم التابع للإدارة الأميركية أو القابع في ظلها، والممارسات والأفكار التي تنصب عليه، بلون نفسها وفهمها ومصالحها، وهي الصديقة الأقرب " لإسرائيل ".‏

قالت أولبرايت، ممثلة الوسيط النزيه في عملية " سلام الشرق الأوسط : " إن الالتزام الأساسي للولايات المتحدة هو تجاه مواطنيها. إننا لسنا جمعية خيرية أو سرية إطفاء، وسندافع بحزم عن مصالحنا الحيوية. "، وتردد كل إدارة أميركية هذا الكلام مرتكزاً دائماً على " مصالحنا " التي لا يبقى خارج حدودها شيء، ولا يتأخر فعلٌ مهما كان عن خدمتها، والغريب أن الإدارة الأميركية التي يتمحور أداؤها حول مصالحها، تنجح دائماً في الخداع حيث تضفي على مصالحها الفاقعة مسحة خلقية وتوهم بأنها تضحي من أجل المبادئ؟!؟.‏

ولا يحدد هذا المقتطف بمفرده معالم الطريق السياسي لـ " أولبرايت " أو لسواها، فمن الطبيعي أن يلتزم بلد ما بالدفاع عن مواطنيه، ومن طبائع بعض السياسات ألا ترى سوى مصالحها الحيوية، وأن تتنازل عن المبادئ عندما تتضرر تلك المصالح؛ فذاك منطق براغماتي يقدم المنافع على المبادئ، بل يجعل المبادئ فخاً يتصيَّد به المصالح، ويوجه القوة وحتى العدالة والمفاهيم الإنسانية لخدمة ذلك إن استطاع إليه سبيلا، وينثر غبار الخداع في الآفاق. ولا تكتمل الصورة إلا بالمزيد من التدقيق في مقبوسات أخرى من أقوال أولبرايت .‏

في موقع آخر من خطابها قالت أولبرايت، بشأن عملية السلام وبصددها: " عبر هذه العملية بمجملها، سيكون نبراسنا هو التزام أميركا الذي لا يتزعزع بأمن إسرائيل، ومعارضتنا أولئك الذين يعملون على تعطيل هذه العملية بالإرهاب والعنف. " وهي تقصد المقاومة الوطنية المشروعة التي تتعرض للاحتلال الإسرائيلي، وهي تشير من طرف خفي إلى سورية، التي تصنفها الإدارة الأمريكية بين الدول الراعية للإرهاب لأنها تدعم تلك المقاومة ضد الاحتلال. وفي مسعى لتوضيح أفكارها بشكل أفضل في هذه النقطة نورد قولها، الذي جاء في معرض الرد على سؤال أحد أعضاء المجلس : " ليست لدي أوهام فيما يتعلق بسورية. إلا أنني أعتقد أن من المهم جداً لنا أن نتذكر أننا نحاول المساعدة في تحقيق تسوية سلمية شاملة، وأن التعامل مع سورية، أنى حصل، يتم مقترناً بأفكار ترد من إسرائيل تهتم هي الأخرى بمسار عملية السلام ذاك. " وكررت " أود أن أؤكد لكم أنه ليس لدي أية أوهام بشأن سورية، ولكن القضية هنا أن سورية جزء أساسي من عملية السلام الشاملة "‏

والتأكيد على موضوع نفي " الأوهام بشأن سورية " ينطوي على موقف سلبي منها، معلن ومبطن، موقف يُتابع بجهد أمريكي دؤوب لمنعها حتى من امتلاك سلاح تدافع به عن نفسها في وجه التهديد الصهيوني المتصاعد والاحتلال المستمر .‏

من منهج السياسة الأمريكية الذي تؤكده أولبرايت بقولها : "يجب على الدبلوماسية والقوة أن تكملا وتعززا إحداهما الأخرى " تتضح معالم ما ينتظرنا في هذه المنطقة في العهد الأمريكي القديم - الجديد؛ ويتضح لنا في الوقت ذاته أننا لسنا بلا جدوى أو تأثير إذا ما عقدنا العزم وحزمنا الأمر على أن نكون طاقة التمرد على القهر، والثورة على القوة المتغطرسة؛ نشتم رائحة فتكها مع الريح القادم من بعيد .‏

لا يأس ولكن لا غفلة ولا استغفال، والشر لا يدوم مطلقاً إلا إذا قصصنا كل أجنحة الخير والإرادة الواعية للخيّرين. ونحن على مشارف عام يقطر دجلاً ودماً ورعباً مدعوون لنكون قوة التمرد والثورة حتى لا تستمر معاناتنا .‏

دمشق في 15 / 1 / 1997‏

الأسبوع الأدبي/ع546//18/ك2/1997.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244