|
السودان والعدوان
السودان دولة ـ قارة، مترامية الأطراف، تكاد مساحته تعادل مساحة أوربا كلها / 2505810 كم2 / وعدد السكان فيه يصل إلى ثمانية وعشرين مليون نسمة تقريباً، ويخترقه النيلان الأبيض والأزرق ليشكلا عند قدمي العاصمة مجرى النيل الكبير الذي ينتهي في المتوسط قرب الإسكندرية. وتكاد المساحات الصالحة للزراعة تكفي حاجة الوطن العربي كله من المحاصيل إذا ما استثمرت بشكل جيد، والثروة الحيوانية تصل نسبتها إلى سبعين رأساً للفرد الواحد؛ وفي السودان تنوُّع في الطبيعة والبيئة، وهو يشرف على البحر الأحمر ويكوِّن إحدى الدول المهمة في موقعين حيويين : ساحل البحر الأحمر وعمق إفريقيا السوداء؛ وبهذه الهوية الرقمية العامة يدخل السودان في الذاكرة العربية قوة قابلة لأن تكون مؤثرة بشكل ملحوظ، إذا ما توفرت إمكانات التطور على أرضية من العلم والإيمان والعمل بهما.
منذ استقلاله عام 1956 لم يتمتع السودان باستقرار طويل المدى، فقد مر بظروف ومتغيرات كثيرة جعلته عرضة للاستنزاف شبه المستمر.
في بداية الثمانينيات عادت الحرب إلى نشاطها في جنوب السودان، واستفحل أمر المتمردين، الذين كانت ترعاهم وتغذي تمردهم الدول الغربية وتنشر بينهم المبشرين، وتعمل على أن تقيم منهم ولهم دولة على حساب وحدة السودان أرضاً وشعباً وعلى حساب مستقبله. وقد شكل، جون غرنق والذين تحالفوا معه ثم انشقوا عنه ثم تحالفوا معه؛ شكل أولئك خطراً داهماً على الخرطوم ذاتها في فترة من الفترات، يوم كانت حكومات السودان لاهية عنهم وعن الأهداف التي ينشدونها والأخطار التي يمثلونها؛ ولم يكن أولئك مع وحدة السودان منذ أضرموا النار في أطرافه، كما صرح بذلك بعض المسؤولين العرب، وكانوا دائماً عبئاً على الأمة وقد شكلوا خطراً حقيقياً حتى على الذين يتحالفون معهم اليوم من السودانيين.
واستمر استنزاف السودان من خلالهم وما زال ذلك الاستنزاف مستمراً، تنفيذاً لمخطط يرمي إلى تقسيم السودان، وفصله عن العمق الإفريقي، والحيلولة دون تواصل ثقافي عربي ـ إسلامي قد يقيمه السودان مع وسط إفريقيا، التي كانت تاريخياً على تواصل مع ثقافتنا وعقيدتنا وأمتنا العربية؛ ولمنعه أيضاً من ربط رأس الجسر الذي يشكله مع شمال إفريقيا العربية ـ الإسلامية.
وحين تسلمت ثورة الإنقاذ الوطني مقاليد الأمور في السودان / 30 حزيران 1989 / جعلت على رأس اهتماماتها مواجهة المخاطر التي يشكلها التمرد الذي يسيطر على الجنوب؛ وقررت وضع حد لمن يفتح عليها أبواب التدخل الأجنبي في شؤونها ويعيقها عن أداء واجباتها والاهتمام بالأوضاع الداخلية؛ ووجهت قواها بتركيز مستمر خلال السنوات الماضية نحو الجبهة المفتوحة هناك؛ وكانت تقاتل في تلك الجبهة قوى يُقدَّم لها دعم لوجستي من الجوار بإيحاء وضغط أميركيين، وتغطى تكاليف حربها بمساعدات مادية ومعنوية غربية، حيث يأتيها السلاح والتأييد والتغطية السياسية والإعلامية من هناك بشكل علني واضح؛ وكانت المرجعيات الغربية، الروحية والسياسية، تمارس ضغطها وتدخلها لنصرة غرنق وفريقه بكل الوسائل الممكنة، ومنها الوساطة الملغَّمة، التي كانت تقوم بها شخصيات أميركية وغير أميركية مع الحكومة السودانية، عندما كانت قوات تلك الحكومة تتقدم نحو معاقل المتمردين وتهزم غَرَنْق أو تضعفه هو والجهات المتحالفة معه.
ونجحت ثورة الإنقاذ في مهمتها في الجنوب، وسيطرت على معظم المعاقل، وكسبت شرائح واسعة من الجنوبيين، وقدمت لهم ظل الوطن المريح وأمنه وخيره، ولم يبق إلا القليل لتنهي حالة الاستنزاف المميت، وتربط الشريان المفتوح، وتضع حداً للخطر الكبير الذي حاق بالوطن والثورة، وهو الخطر القادم من تلك الثغرة المؤلمة. عشرات الآلاف من الشهداء سقطوا على تلك الطريق، طريق حماية وحدة السودان : الأرض والشعب.. طريق وضع حد للتدخل الأجنبي البغيض.. طريق بناء السودان بهوية عربية وروح إسلامي وانتماء صريح للأمة والعقيدة والتاريخ.. طريق ترسيخ وحدته ودوره واستقلاله ومن ثم التطلع إلى بناء قواه الذاتية وبناه التحتية، وكم أريق دم ودمع وعرق، وكم صرف مال وجهد في تلك الطرق التي لم تكن نتائج الأداء الإيجابي أو السلبي فيها لينحصر أثرها في السودان دون أمته العربية. وبدأ السودان الغني، المُفْقَر، ينتج كفايته من بعض المحاصيل الزراعية وما يزيد عن تلك الحاجة، وبدأ يتعامل بثقة مع الواقع، ويتطلع بأمل إلى دور قومي وإسلامي وإقليمي نشط.
لقد دفع السودان، بصمت وكبرياء، ثمناً غالياً جداً لنجاحه ومواقفه واختياره، ولرفضه تقسيم أرضه وشعبه، وكلفه غالياً جداً عدم الانصياع لطلب الغرب وعملائه بإقامة دولة لغرنق وأضرابه تفصل السودان عن عمقه الإفريقي ثم تبدأ الزحف على ما يتبقى منه بالقضم والتقسيم والتفتيت والتآكل الداخلي، الاجتماعي والروحي.
ولم يكن السودان، على الرغم من المحنة القاسية التي يعيشها، ليتخلى عن دوره القومي، لا سيما نحو القضية الفلسطينية ببعديها العربي والإسلامي؛ ولا عن دور يكون له في مستقبل أمته، وفي هذا الإطار جاء دعمه للمقاومة الوطنية الفلسطينية، وإيواؤه لعناصر حماس والجهاد الإسلامي الذين لاحقتهم " إسرائيل " والصهيونية لتبيدهم، لأنهم رفضوا التسليم بذهاب وطنهم فلسطين إلى الأبد، وقالوا ربنا الله، واختاروا طريق المقاومة لاستعادة الأرض والحرية والسيادة والكرامة؛ وهو دعم نابع من نظرة السودان إلى الصراع العربي الصهيوني على أنه صراع وجود مع وجود وليس نزاعاً على حدود، ومن تقديره لأبعاد ذلك الصراع التاريخية والمصيرية والمستقبلية. وقد كلفه ذلك الاختيار غالياً ورشحه ـ مع أمور أخرى رأت فيها الإدارة الأميركية خطراً على ما تسميه مصالحها في المنطقة ـ رشحه للمرحلة الحالية التي يخوضها منذ أيام.
من المعروف أن مصالح الولايات المتحدة الأميركية الرئيسة في المنطقة ثلاث هي : النفط ـ و" إسرائيل " ـ والسوق الاستهلاكية بمفهومها الواسع والشامل؛ وأن كل دولة تقدم مصالحها الوطنية والقومية على تلك المصالح، أو ترفض " إسرائيل " وتعترض على " سلامها " المفروض المرفوض في آن معاً، أو تناصر حق الفلسطينيين في وطنهم، بالمفهوم التاريخي والمبدئي والجذري لذلك الحق؛ ينبغي أن تدفع الثمن وأن تنسحب من ساحة المواجهة مهزومة، أو تركع ذليلة؛ فكيف إذا كانت تلك الدولة تأخذ بمفهوم الصحوة الإسلامية، وتختار بناء دولة إسلامية على أسس الشريعة، وتدعو، على شواطئ البحر الأحمر، إلى تغيير يقود إلى الحرية والتحرير ووحدة الصف بوجه الأطماع الغربية والصهيونية؟! إنها إذن موطن من مواطن " الأصولية " بالمعنى الغربي ـ السلبي للأصولية؛ وبؤرة من بؤر التوتر والإرهاب والتخريب والرفض، وهو المعنى الذي يحاول الغربيون والصهاينة إضفاءه اليوم على الإسلام والمسلمين؟!؟
إن السودان، الذي تربطه بإيران علاقات طيبة ويلتقي معها في المشروع الإسلامي وتطلعاته المستقبلية، يشكل ـ من وجهة النظر الأميركية ـ الصهيونية تهديداً للمصالح الأميركية ولمصالح حليفتها " إسرائيل "، ولما تريانه أمن المنطقة. وهذه قضية في غاية الأهمية والحساسية، وتشكل مفتاح الأحداث الدائرة اليوم في شرق السودان ومرامي تلك الأحداث.
فبعد أن أمَّنت الولايات المتحدة سيطرة على أرتيريا، وهي الدولة التي تملك أطول شاطئ تقريباً على البحر الأحمر، وأصبح لرئيسها / أسياس أفورقي/ علاقات ودية للغاية مع " إسرائيل "، وشجعتها على أخذ بعض الجزر الاستراتيجية من عرب اليمن ـ جزر حنيش ـ وأمدتها بقوة تمكنها من أن تكون مركز توازن وتهديد؛ بعد أن فعلت ذلك، عمدت إلى تشجيعها على تكوين تفاهم وتعاون مع أثيوبيا لتنطلق من هناك قوة، مسيطر عليها صهيونياً وموجهة أميركياً، تشل السودان وتجهض ثورته، وتقطع كل اتصال له مع ما يتطلع إليه، ومن يتطلع إليهم من عرب ومسلمين؛ وتغيِّر نظامه الذي يقال : " إنه أصبح خطراً على الجوار " وهو يبوء بكل هذا الغضب في الواقع، لأنه نظام لا يرضي الولايات المتحدة الأميركية و" إسرائيل " لأنه لا يشكل جزءا من استراتيجيتهما، وليس مخلباً لهما.
وترى السياسة الأميركية ـ الصهيونية التي تريد أن تسيطر على البحر الأحمر،أن أي تحالف استراتيجي سوداني- إيراني محتمل يجر إليه اليمن سوف يشكل خطراً على المنافذ الاستراتيجية للملاحة في البحر الأحمر وعلى حرية تدفق النفط وتحرك " إسرائيل " في تلك المياه، لا سيما وهما تعارضان الاعتراف بها، والتالي أن ذلك ذو تأثير على مضائق تيران.
إن السيطرة الغربية ـ الصهيونية على البحر الأحمر تستدعي إبعاد شبح أي قوة سودانية قد توحي بإمكانية تحالف إيراني سوداني عراقي محتمل، ولو في المدى البعيد؛ فهو تحالف يؤثر سلبياً في بحر العرب المسيطَر عليه أميركياً، كما يؤثر في دور مصر التي تُسْتَنْهَض غربياً لترى أن الخطر متجه نحو دورها القيادي، عربياً وإفريقياً، وموجه ضد سياستها وقيادتها.
وقد استثمرت الأجهزة الاستخباراتية الأميركية والصهيونية الحادث الذي تعرض له الرئيس محمد حسني مبارك، وهو في طريقه إلى أديس أبابا، إلى أبعد حدود الاستثمار، ووظفته مع رصيد سابق عملت عليه ونمته وضخمته، يتصل بتعاون التيار الإسلامي في مصر مع الحكم في السودان ومع إيران، ليصبح ذلك خلفية رهيبة للمواقف التي جعلت كل ما هو تاريخي وحميمي وأخوي بين مصر والسودان لا يفعل فعلاً إيجابياً لدى الرئيس مبارك، عندما بدأ العدوان الأخير على شرق السودان بدعم أثيوبي ـ أرتيري لا شك فيه، حيث أصر الرئيس مبارك على تبرئة الجوار السوداني من العدوان، وألحَّ في اتهام السودانيين، وبرأ غرنق من التوجه الانفصالي، وكل ذلك واضح ومكشوف، ولكن دم الجرح غلف الرؤية ووجهها.
إن " سودان حركة الإنقاذ الوطني " بعد الانتهاء من معضلة الجنوب، وهو الأمر الذي غدا وشيكاً، سوف يمارس دوراً نشطاً في المنطقة، وسيكون له تأثير ملحوظ في البلدان المجاورة، وقد يشدها إلى التفكير بحماية أمن المنطقة من التدخل الأجنبي؛ أو إلى التفكير باستقلالية نسبية لا تجعلها في حالة تبعية على الأقل.
وهكذا وُضِعت حكومة الخرطوم على لائحة الدول التي ترعى الإرهاب وتدعمه؛ وبدأ تهديدها بالعقوبات والحصار، ثم اتُّخِذَت الخطوات التي تؤدي إلى تنفيذ ذلك في " مجلس الولايات المتحدة الأميركية للأمن الدولي "، وحوصرت بكل هذه الهواجس بينما كان المخطط الحالي على نار هادئة.
لقد جمعت المعارضة، وهيأت الخطة، وبدأ العدوان ضد " سودان " ثورة الإنقاذ من الشرق انطلاقاً من الأراضي الأثيوبية والأرتيرية. ولم يكن غرنق ومن معه بقادرين على الدخول إلى " الكرمك " و " قيسان " وإعلان التوجه نحو " دمازين "، حيث مصدر كهرباء العاصمة الخرطوم، إلا بدعم تام ومشاركة فعلية من قوى أثيوبية وأرتيرية توجهها وتخطط لها وتغطيها سياسياً وإعلامياً الولايات المتحدة الأميركية و" إسرائيل " وهما صاحبتا المصلحة الأولى في هذا العدوان، الذي يرمي إلى إسقاط حكومة الخرطوم والقضاء على ثورة الإنقاذ الوطني وعلى توجهها العربي ـ الإسلامي.
لم يكن العميل غرنق في يوم من الأيام إلا مخلباً غربياً وصهيونياً، بعد أن توجهت أنظار " إسرائيل " إلى عمق إفريقيا وإلى منابع النيل في الحبشة، لم يكن إلا صورة من سعد حداد وأنطوان لحد وغيرهما من عملاء " إسرائيل "، مع فارق وحيد هو موقع العمل، أما الغايات والأهداف والوسائل فواحدة، والموجِّه واحد، والمستفيد واحد.
إن هذا العمل يتم لمصلحة من تؤذيهم يقظة العرب والمسلمين، ومن لا يهمهم إلا أن ينتهي كل أمل ممكن للعرب والمسلمين في يقظة أو نهضة.
ومن المؤسف أن يكون المناخ العربي الذي تتم فيه مثل هذه الأحداث مهيئاً بعناية فائقة لمصلحة من يعتدون على أمتنا ويعملون على النيل منها. فها هو ذا العدوان الغادر يتم في وقت تقدِّم فيه الإدارة الأميركية " وإسرائيل " نفسيهما على أنهما صانعتا سلام على أرضية ما يسمى " بإنجاز " الخليل؛ وهاهو الوسيط الذي " حققه " بطلب من كلنتون، لمصلحة العدو الصهيوني وحليفه الأميركي، هاهو يغتسل بمياه النيل القومي في ملتقى النيلين مدافعاً عن قضية السودان العادلة، مديناً العدوان الذي يستحق الإدانة؛ وهذا فعل يرضي الشارع العربي ويريحه؛ ويجعله يسقط بعض الوزر أو يتناساه (؟!؟) بينما تتخذ مصر موقفاً لا يرضي الشارع العربي الذي ينتظر منها موقفاً بحجم مكانتها القومية وبحجم تاريخ أخوة النيل وعراقته، ذاك الذي وحد مشاعر أهلنا في مصر والسودان منذ آلاف السنين. ويحقق هذا الفعل بمجمله مزيداً من خلط الأوراق وضبابية الرؤية، وهو بتقديري أمر لا يخدم سوى أعداء الأمة.
إن موقف من يدفع ليكون حصان المستقبل يأتي على حساب الحصان الذي يكبح ويلجم ويوضع في الميدان الغلط، لكي يستمر نمو التناقض والتآكل والتهافت في صفوف الأمة؛ وتلك حالة مزمنة ومؤسية ومؤسفة.
ليس الوضع الذي فرض على أشقائنا في السودان مريحاً لهم أو لنا، ولكنه ليس وضعاً يدفعنا أو يدفعهم إلى اليأس أو الإحباط بأي حال من الأحوال.
فالذي قطع دابر التمرد وأخرج غرنق وأمثاله من جنوب السودان قادر على قطع دابر هم في شرقه، ومن تصدى لحمل رسالة الجهاد تحت لواء الرسالة المبدئية السامية قادر على متابعة الطريق وتحقيق النصر.
ولكن الذي يقلق ويمض ويدعونا لكي نضع له حداً، هو تمكن عدونا والطامع بنا من تسخيرنا لأغراضه ولتحقيق مخططاته، وجعلنا نهن ونهون بنظر أنفسنا وبنظر (الغير)؛ ويتركنا شلواً ممزقاً تتقاذفه أرجل العابرين، ويطمع بنا من لم يكن يوماً أهلاً لننظر إليه نظرة اهتمام !! أفلا يستحق هذا الوضع منا شيئاً من التفكير والتبصر والعمل للخروج من دياجيره إلى صبح الرؤية السليمة ونشوة الموقف الكريم ؟!؟
يا أشقاءنا في السودان إننا معكم في دفاعكم عن وحدة الأرض والشعب، وفي سعيكم المبارك للم الفتنة وإبطال مفعول الكيد والغدر والعدوان. شهداؤكم شهداء الأمة ودفاعكم دفاع عن الأمة، والعدوان عليكم عدوان على الأمة؛ ولتكونوا كما عهدناكم دوماً : قوة الحق وتصميم العدل وبصيرة المؤمن؛ والنصر لأمتنا.
دمشق في 21 / 1 / 19997
الأسبوع الأدبي/ع547//25/ك2/1997.
|