|
هوامش على مقاومة الإرهاب
عقدت مؤسسة الأهرام ندوة دولية حول موضوع الإرهاب من 22 إلى 24/شباط-فبراير 1997 حضرها ممثلون من ثلاثين دولة تقريباً وتناولت المحاور الآتية: دوافع الإرهاب وصوره وأغراضه-الإرهاب والفكر-الإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان والشعوب-الإرهاب والنظام الدولي-الإرهاب والمسؤولية الدولية-الإرهاب والتعاون الدولي-الإرهاب والجريمة المنظمة-الإرهاب والإعلام والاتصال الجماهيري.
وكان في جدول أعمالها: العمل على إنشاء المركز الدولي لمقاومة الإرهاب، وإحداث صندوق دولي لضحايا الإرهاب. وتوجت أعمال تلك الندوة بإصدار "إعلان القاهرة العالمي لمواجهة ظاهرة الإرهاب الدولية" والموافقة على إنشاء المركز الدولي لمقاومة الإرهاب ومقره القاهرة ضمن دار الأهرام ومؤسستها. وقد سبق هذه الندوة لقاء تم تحت عنوان "العالم والإرهاب" عقد في القاهرة 29و30/أيار 1996 وكان بمثابة لجنة تحضيرية للموضوع.
وكان المشاركون في هذه الندوة على درجة من التنوع في الاهتمام والاختصاص تثير الانتباه: فمنهم خبراء في شؤون الإرهاب وباحثون وخبراء أمنيون وأساتذة جامعة في القانون أو سواه، ومثقفون وكتاب وصحفيون، وسفراء ودبلوماسيون، وأدى التنوع والاهتمام إلى حوار مسؤول ومواقف شبه رسمية، وعن توجهات وآراء ومعاناة، ولم يكن ليتأتى ذلك لولا المناخ الجيد الذي تحقق في اللقاء.
ومن الطبيعي في مثل هذه المؤتمرات واللقاءات أن تكون اللباقة واللياقة هي سماكات القطن الموضوعة بين أشواك القنافذ المتلاصقة، وأن تكون العبارات الدبلوماسية مشحونة بالمواقف ومبطنة بالإشارات والإيحاءات والدلالات والاتهامات على الرغم من كل ما فيها من حذر يتوخاه المتحدث حفاظاً على مناخ العمل، من غير أن يؤثر ذلك في وضوح التعبير عن المواقف والرأي أو يخل بهما.
وقد كان اللقاء فرصة طيبة للوقوف على فهم متعدد الأرضيات والآفاق والأسباب والأغراض لموضوع الإرهاب، واستخدام واعٍ لذلك الفهم المغرض أو المتحيز تصنعه السياسة أو توظفه لتحقيق أغراضها بعيداً عن الموضوعية والإنصاف، وخارج حدود المعطيات القانونية والخلقية.
فالذي يرى في الإسلام السياسي إرهاباً أصولياً، يحاول أن يسحب رؤيته على الإسلام وأصول العقيدة لينال من العرب والمسلمين على أرضية صراع حضاري قديم متجدد تمتد أغراضه بين الهوية الثقافية والنفط والخامات الأولية، والذي يأخذ بصراع الحضارات على أساس فهم صامويل هنتنغتون لذلك الصراع وتصوراته لمستقبله يحاول أن يضع المصلحة فوق الأخلاق، ويوظف المعرفة لخدمة الإثراء غير المشروع، ويرى في القوة أداة لنهب الشعوب وقهرها. ويستخدم التحالفات المقبلة في ظل رؤيته "للنظام العالمي الجديد" لإضعاف شعوب وعقائد وغرس الدونية في نفوس الآخرين واليأس في أعماقهم من إمكانية تحقيق نهوض أو قدرة على المواجهة، ويجري في هذا العالم المزيّن بالابتسامات والأقنعة ابتعاد مدروس ومحسوب جيداً عن ملامسة جلود التماسيح المتوحشة وعن مساحات انتشار أسماك القرش وتأثيرها. كما يجري خلط أو سكوت عن خلط لمفاهيم الإرهاب، وخلط لمفهوم المقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال مع مفهوم الإرهاب وتصوير المقاومة إرهاباً، أو السكوت عن التمييز.
ومن المفيد التوقف هنا عند بعض النقاط الملتبسة، أو تلك التي يُسْكت عن الالتباس المتعمد في مجالات مفاهيمها.
- الإرهاب والمقاومة:
الإرهاب فعل عنف مرافق بدرجات من الرعب والتخويف قد يصل إلى حدود التصفية الجسدية والعدوان المدمر على الجانب الروحي والفكري في الإنسان، وقد يعبر عن نفسه في تدمير الممتلكات وتهديد الاستقرار الاجتماعي والنفسي، والتأثير السلبي على ممارسة الحقوق والواجبات والحريات العامة.
ويقوم من يمارس الإرهاب بفعله وصولاً إلى سلطة أو حفاظاً على سلطة أحياناً/روبسبير-الفوضويون-الإرهاب في فترة الثورة الشيوعية" أو ممارسة للعنف السياسي وللإرهاب بوصفة صيغة متقدمة على العنف السياسي بغية الوصول إلى السلطة وتدمير الخصوم المحتملين بعيداً عن الممارسة القانونية-الديمقراطية لأساليب تداول السلطة.
كما يقوم من يعتمد الإرهاب أسلوباً لتحقيق أهدافه السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية الخاصة بأفعال من شأنها أن تلحق الهزيمة بالأعماق والإرادة وتشيع حالة فظيعة وواسعة، من الخوف لدى فئات من الناس، لكي يسفر ذلك عن تحقيق أهداف مرسومة. ومن أفعال الإرهاب البارزة في هذا المجال ما قامت به الصهيونية وما تقوم به من مذابح على أساس عنصري لطرد الفلسطينيين من وطنهم وإلحاق الهزيمة بمقاومتهم وبكل مقاومة عربية ترمي إلى تحرير الأرض أو المحافظة عليها. ويأتي في هذا الإطار الفعل الرهيب الذي قام به أمثال : بيغن وشامير وشارون وباروخ غولد شتان وبيرس في مذابح: دير ياسين- قبية- كفر قاسم-صبرا وشاتيلا- مذبحة الحرم الإبراهيمي-ومذبحة "قانا"/وهذا على سبيل المثال لا الحصر .
وقد يأتي فعل الإرهاب تحقيقاً لمكاسب عن طريق الابتزاز، وخلقاً لبؤر توتر تقوم بها أجهزة استخباراتية أو شركات كبرى من تلك التي تعمل على ترويج صناعتها من الأسلحة، أو دول ترمي إلى تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو مكاسب مالية والحصول على امتيازات عن طريق الإرهاب وهناك الإرهاب المرتبط بالجريمة المنظمة أو المتعاون معها لغسل أموال فاسدة أتت عن طريق التجارة بالمخدرات أو بالرقيق الأبيض، وغير ذلك.
ومن الملاحظ في عالم الحيتان الرهيب، وفي واقع عالم يوصف بأنه على أعتاب نظام دولي جديد أنه كلما كبرت الجريمة وازدادت القوة التي تقف خلفها غطرسة وإرهاباً كلما ضمر الحق وضعف الموقف القانوني والدولي والسياسي المواجه له.
فإرهاب الدولة الذي تمارسه " إسرائيل " بتغطية أميركية، أو إرهاب الدولة الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية، ضد دول وشعوب، وتنتصب على طرقه كقاطع طريق شرس فوق القانون الدولي أو تأخذ القانون الدولي بيدها وتوظف المؤسسات الدولية لخدمة أغراضها تلك بكل الوسائل المتاحة؛ ذلك النوع من الإرهاب مسكوت عنه؛ وقادر من يقف وراءه على تغيير الحقائق والوقائع والمعطيات ليقدم نفسه حارساً للقانون ولحقوق الإنسان من الحريات، بينما يدخل تحت أقنعتها وأقنعة "الديمقراطية" ليخرب سياسات ويتحكم بحكومات ويصادر قرارات دول، ويؤثر في مصائر شعوب.
فالكيان الصهيوني هو أول الجهات "الدولية" التي مارست خطف الطائرات المدنية في المنطقة، وقد بدأت باختطاف طائرة سورية أولاً، وهي التي قامت بعمليات إرهابية شخصيات دولية مثل الكونت برنادوت، وأسقطت طائرات مدنية عمداً، وسممت الخبز في مدن ألمانية، وذبحت الأطفال والنساء في قرى عربية، وصادرت أرض العرب وفرضت عليهم التشرد والموت والقهر، وما زالت تفعل ذلك وتهدد الأشخاص والممتلكات والمقدسات والحقوق بالنسبة لدول عربية ولمجموعات بشرية تتعرض لأنواع من الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان والجولان؛ ويلقى فعلها ذاك تغطية قانونية وإعلامية ودبلوماسية وعسكرية من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية. بينما تحاول تلك "الدولة" وحماتُها تقديم المقاومة الوطنية ضد الاحتلال على أنها إرهاب، وتلك من المفارقات الخلقية للنظام العالمي الجديد الذي يقوم على الإخلال بمنظومات القيم والسلوك والعلاقات ويدعي أنه يحافظ على القيم والسلوك والعلاقات!!!
إن مما هو ملح بشكل واضح، في تقديري، وضع حد للخلط بين مفهوم الإرهاب ومفهوم المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال؛ وهذا الموضوع تتعمد الخلط فيه "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية وأجهزة الإعلام الغربية وبعض دول الغرب، وقد سارت في "زَفتّهِ" بعض الدول العربية فأخذت تطلق على المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني لا سيما حماس والجهاد" وعلى المقاومة الوطنية اللبنانية ضده في جنوب لبنان" لا سيما حزب الله" صفة الإرهاب والتخريب، بينا هو المقاومة الوطنية المشروعة التي أقَّرّتها شرعة حقوق الإنسان والقوانين والمواثيق والأعراف الدولية ويحارب الشعوب وتاريخ نضالها، فالمقاومة للمحتل حق لمن تُحتل أرضه وواجب عليه. بينما تنطلق إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية في تقويمهما ونظرتهما للأمر على أن ذلك تخريب وإرهاب لأن "إسرائيل في أرضها التاريخية والفلسطيني واللبناني، والعربي بشكل عام "يمارس العدوان والإرهاب " دون حق له. وفي هذا تزييف متعمد للتاريخ وقلب مدروس للحقائق والوقائع، وبناء على القوة وتدمير للحق بوسائل القهر.
ومن أجل وضع حد لهذا الخلط دعت سورية لعقد مؤتمر حول الموضوع وما زالت دعوتها تطرق أبواب المنظمات الدولية، والدول ذات العلاقة، والمجتمع الدولي. وقد لحقها أذى من ذلك لأنها قُدِّمت من قبل الولايات المتحدة و"إسرائيل" على أنها دولة ترعى الإرهاب ومورس ضغط على دول ومنظمات دولية لفرض ذلك التصنيف عليها بسبب موقفها من المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية. فهي إذ تؤوي الفلسطينيين الذين طردوا من وطنهم وشردوا عدة مرات في أعوام: 1948-1967-1982 لا تؤوي إرهابيين وإنما أصحاب حق ووطن طردوا من وطنهم بفعل قوة عدوان عنصري يمارس كل أنواع الإرهاب، وإذا ما قاوموه ليحرروا الأرض التي تعود ملكيتها تاريخياً لهم، أو إذا رفضوا الانصياع لأوامره والاعتراف بحق له في وطنهم التاريخي، وصمدوا في وجه محاولاته المتكررة لسرقة وطنهم واعترافهم بشرعية السارق والسرقة، فإنهم لا يستحقون أن يصبحوا إرهابيين بسبب ذلك، ومن يؤويهم لا يؤوي الإرهاب وإنما يعطيهم فرصة العيش وأبسط الشروط الإنسانية، والحقوق القومية، وحين يدعم نضالهم كان يدعم مقاومة وطنية مشروعة ضد الاحتلال البغيض.
وعلى ذلك فلا بد من التفريق بين المقاومة المشروعة والإرهاب المدان، ووضع أرضية قانونية وخلقية لذلك التفريق، ووضع آلية دولية ليتم بموجبها تحديد الفعل الإرهابي والممارسة الإرهابية بموضوعية وحسب شرعية دولية تقوم بها مؤسسات دولية حرة وغير محتلة عملياً من قبل القوة المتغطرسة الكبيرة، قوة الولايات المتحدة الأميركية.
- ولما كان الإرهاب هو عدوان على الأشخاص والممتلكات يسبب الموت والرعب والخسارة وفقدان الاستقرار والشرط الإنسان للعيش الآمن ويستقر الرأي على ضرورة تجفيف مصادر التمويل بالنسبة للإرهاب فضلاً عن عدم إيواء الإرهابيين فإن الدعوة ينبغي أن تكون شاملة ودقيقة وجادة لتشمل كل مصادر تمويل الإرهاب وكل من يؤوي الإرهابيين ويرعاهم ويقدم لهم الدعم والحماية والإسناد بكل أشكاله.
ويبدو لي أن هناك نوعاً من إرهاب الدولة الضخم في مردوده وتأثيره وقسوته مسكوت عليه، ونوعاً من المصادر المالية المذهلة التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية تحديداً لدعم الإرهاب ورعايته وتمويله وهي تمارس ذلك في الوقت الذي تقوم بتجفيف مصادر تمويل ما تسميه إرهاباً حتى لو كان على شكل مساعدات خيرية لمن فقدوا بيوتهم أو معيليهم من الفلسطينيين واللبنانيين جراء الإرهاب الصهيوني والعدوان الواقع عليهم ويتجلى ذلك بدرجة هائلة من الوضوح ويغطى بدرجة كثيفة من التعتيم. وأقصد بذلك الإرهاب المدروس الذي يلحق بالفلسطينيين لمصادرة أراضيهم وانتزاع أملاكهم منهم بالقوة ليحل محلهم "مستوطنون يهود" تقوم الولايات المتحدة الأميركية بتغطية نفقات استيطانهم "أي إرهابهم" وتقدم التسهيلات والدعم لذلك كله.
فقد قدمت الولايات المتحدة الأميركية عشرة مليارات دولار على شكل ضمانات قروض "لإسرائيل" لتمويل الاستيطان وتوسيعه. والاستيطان حركة عدوان إرهابي تقوم به الدولة ليستقر أشخاص يهود في أملاك أشخاص عرب وعلى حساب وجودهم ومستقبلهم وحياتهم وأملاكهم وهذا النوع الصارخ من الإرهاب الضخم لا يقابل بأي نوع من أنواع الاعتراض أو الإدانة أو الاستهجان. وتسمح الإدارة الأميركية بضخ الأموال من ولاياتها ومن أنحاء العالم لدعم الاستيطان -الإرهاب الصهيوني الذي يطال أشخاصاً وممتلكات ومقدسات وتفتح حضنها لإسرائيل ولكل دعم تريده لممارساتها الإرهابية. ويجدر بنا أن نجفف مصادر تمويل الإرهاب الصهيوني أولاً، وأن نوقف الدعم الدولي لذلك النوع من الإرهاب.
- هناك نوع ثالث من الإرهاب المقترن بالفساد، وهو إرهاب يقع على الشعوب، على حياة الناس وصحتهم، وتمارسه الدول النووية تحديداً تلك التي تلقي بالنفايات النووية على شعوب بعض دول العالم بالتعاون مع فاسدين مفسدين، وهذا نوع من الموت البطيء، والتهديد المستمر، والتشريد الفاضح للأمن النفسي والاجتماعي يقع على الأفراد جراء التلوث والخوف من الإشعاع وتقوم دول الغرب على الخصوص بممارسة هذا النوع من التهديد لحياة الأفراد وسعادتهم بمشاركتها التامة الواعية بما تسميه الجريمة المنظمة المتعاونة مع الإرهاب أو المعتمدة عليه أو المسببة له من حيث النتيجة النهائية للفعل الجرمي. فإذا كان الإرهاب جريمة- وهو كذلك فعلاً- فإن كل جريمة تسبب إرهاباً أو تنتج عن إرهاب وتؤدي إلى نتائج يسفر عنها الإرهاب.
وتبقى خارج هذه الأطر التي أشرت إليها قضايا أخرى تتصل بالإرهاب وممارسته وبما يسمى إرهاباً وتبنى عليه البنى والقرارات وحالات الحصار، كما تبقى خفايا التهم وأسبابها الحقيقية التي تجعل بعض السياسات وبعض الدول هي الممارس الأول للإرهاب أو العرّاب الأول له وترمي من وراء ممارساتها أو تشجيعها إلى تحقيق برامج ومخططات سياسية، وكل ذلك يحتاج إلى عرض وتدقيق في مجال أكثر ملائمة من هذا المجال.
والله ولي التوفيق.
الأسبوع الأدبي/ع551//1/3/1997.
|