صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

طريق الأمل وطريق الوهم

الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأعظم في العالم التي ترعى الإرهاب بكل صوره، وتتجرأ مع ذلك على الحقيقة والعقل بادعائها الكاذب بأنها تحارب الإرهاب وتعمل على القضاء عليه.‏

فهذه الدولة تقدم عشرة مليارات دولار للكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين من أجل دعم الاستيطان، وهو عدوان على أملاك الأشخاص وحياتهم واستقلالهم ومقدساتهم واطمئنانهم يتسبب في طردهم أو قتلهم بعد انتزاع أملاكهم منهم وتمكين اليهود المجلوبين من أنحاء العالم من إقامة مستعمرات عدوان على أرض العرب القابعين تحت الاحتلال.‏

وتسمح هذه الدولة، التي لا تكف عن التشدق بحقوق الإنسان، بجباية أموال وضخها للكيان الصهيوني لدفع قيمة العدوان وتغطية أفعال الإرهاب العنصري التي يمارسها ذلك الكيان ضد العرب صباح مساء.‏

ويقوم اللوبي الصهيوني الذي يحتل "الكونغرس الأمريكي" بتوجيه السياسة الأمريكية التي تحتل بدورها مجلس الأمن الدولي وتسيطر عليه بالفيتو والتهديد والوعيد والإغواء والإغراء، يقوم باحتلال المراكز الفاعلة في الإدارة الأمريكية من خلال يهود في تلك المراكز: صاموئيل برغر:مستشار الأمن القومي ـ مادلين أولبرايت: وزيرة الخارجية ـ وليم كوهين: وزير الدفاع ـ دنيس روس مسؤول المفاوضات "النزيهة" مع العرب ـ مارتن انديك: السفير الأمريكي في إسرائيل... إلخ إضافة إلى الصحافة ومواقع تحريك المال والرأي العام.‏

وعلى أرضية هذا النفوذ وتلك الرعاية للإرهاب الصهيوني التي توِّجتْ باستخدام حق النقض "الفيتو" الأميركي ضد مشروع قرار يدين "إسرائيل " لعزمها على بناء مستعمرة يهودية في "جبل أبو غنيم" جنوبي القدس، على أرضية ذلك أعلن الإرهابي بنيامين نتنياهو العائد من موسكو ممتلئاً بالغرور العنصري: أن أعمال بناء المستوطنة سوف تبدأ خلال هذا الأسبوع !؟!‏

ولم يفعل ذلك وخلفه الراعي الأول للإرهاب لتشويه الحقائق والوقائع ـ ولتصفية حقوق العرب في فلسطين، الولايات المتحدة الأمريكية؟! تلك التي يعمل سياسيوها على مشروع "إيماني" بتهيئة أرض "المسيا" ـ المسيح القادم ـ ليتم بعثه في وطن اليهود المستقر ودولتهم المهيمنة على "أرض الميعاد"؟!‏

إن أصحاب المشروع الصهيوني ـ من يهود ومتصهينين ـ يعملون دون كلل غير آبهين بالاعتراض والاتفاقيات والشرعية الدولية والمرجعيات القانونية، على تحقيق مشروعهم في إطار مرحليات مدروسة ومستمرة، ومنها مرحلية انتزاع شرعية للاحتلال وتوطين الدولة الصهيونية في المحيط العربي باعتراف العرب ورضاهم، وتطبيع العلاقات معها، لتقوم بتنفيذ المرحلة القادمة من المشروع انطلاقاً من شرعيتها وانتمائها للمنطقة، ومن خلال فعل تدميري لما تبقى من علاقات بين العرب ومن انتماء شكلي يجمعهم أو يحرك وجدانهم.‏

لقد أعلن نتنياهو بوضوح أنه لا يريد أن ترتبط اتفاقياته وعلاقاته مع العرب الذين وقعوا معه اتفاقيات أو أقاموا معه علاقات بموضوع خلافاته مع السلطة الفلسطينية وتبقى متأثرة بها "فما دخل أولئك بخلافاتنا مع الفلسطينيين"؟!‏

ونتنياهو، حين يعلن ذلك ويطالب به ويمارس كل أفعاله على أساس منه، إنما يكمل مسيرة التواطؤ والتآمر التي بدأها عرفات على الأمة والقضية - عن وعي أو من دون وعي - منذ أن أخذ يصرخ في الثمانينات من بيروت بمقولته الشهيرة " يا وحدنا " ليصل إلى القرار الفلسطيني المستقل الذي جرد القضية الفلسطينية - أو رمى إلى تجريدها - من بعدها القومي، باصقاً على الدم والتضحيات منطلقاً من ذلك وعلى أرضيته إلى لقاءات ومفاوضات سرية منفردة أدت إلى اتفاق أوسلو " الذي يحتاج كل بند فيه إلى اتفاق جديد " والذي جرد الفلسطينيين - الشعب والشرفاء - من كل حق إلى حق الرفض والثورة على من وقعه ومن يتعامل معه .‏

إن المتتبع لمراحل تنفيذ اتفاق أوسلو يجد أن ما وصل إليه الحكم الذاتي اليوم بارزٌ في جبين الاتفاق السبة ومن وقعوه، وظاهر في انعزالهم عن أمتهم، وعزلهم لمسار القضية عن مسار مدريد والمرجعية الدولية والعربية، الأمر الذي أدى إلى أن يقول الصهاينة اليوم بعد كلنتون وعرب كلنتون : وما دخل العالم والعرب ومجلس الأمن والأمم المتحدة بالخلافات الفلسطينية "الإسرائيلية" التي يجب أن تسوّى ثنائياً ومن خلال المفاوضات المباشرة، وليس في مجلس الأمن أو في الأمم المتحدة؟!‏

من هناك بدأ التواطؤ ضد الشعب الفلسطيني كله وضد من يناصرون قضيته بالدم والمال والتضحيات ويعتبرونها قضيتهم المركزية، ومن هناك بدأ التواطؤ ضد القدس والمقدسات وضد العودة وضد الانتفاضة، وضد المقاومة الوطنية التي أخذت، حتى الدول العربية المحترمة، تسميها إرهابا عملاً بقول الرئيس كلنتون الذي أصبح بيته الأبيض محتلاً من قبل السيد "الإسرائيلي" وجماعته.‏

المستوطنة الصهيونية في " جبل أبو غنيم " سوف تبنى بالمال الأميركي والتصميم الصهيوني واليد العاملة العربية، وبموارد أولية يصنع بعضها في الأرض العربية؟! والضفة الغربية لن يعود منها لسلطة عرفات أكثر من المسؤولية الشكلية عن جزر بشرية واقعة عملياً وعسكرياً تحت الاحتلال الصهيوني دون أن يلحق الاحتلال" وجع رأس " من انتفاضة محتملة أو اعتداءات أو خدمات تقدم " للغوييم" ؟!؟‏

والمفاوضات بين" إسرائيل" والفلسطينيين سوف تستمر تحت سمع العالم وبصره ليقال إن " السلام" قد حلّ بين العرب واليهود وليقبل العالم على" الدولة اليهودية" بكل إيجابية وليستمر ضعاف النفوس من العرب في ممارسة التطبيع والتعامل والتواطؤ ضد الأمة والحق والتاريخ؛ ولكن تلك المفاوضات لن تسفر إلا عن الخضوع المذل من قبل فلسطيني الحكم الذاتي لمزيد من الشروط والتنازلات التي تمليها القرارات الصهيونية التي تتخذ في مجلس وزراء قوة الاحتلال وتبلغ للمفاوض الفلسطيني الذي يبقى من حقه أن يشرب القهوة ويبتسم أمام " كاميرات " الإعلام الصهيوني والغربي التي تقدمه للعالم" جميلاً ذليلاً" له الحق أن يبدي بعض الأسف ولا يملك -كما أنه لا يرغب - أن يتراجع عن مسيرة تعرض فيها لكل هذا الحجم من الإذلال، فلماذا يتوقف في منتصف الطريق بعد أن نزف كل ما نزف على أرصفتها حتى الآن؟!‏

وفي الوقت الذي يستمر فيه هذا العمل" النوعي " على هذا المسار، يستمر العمل في مسارين آخرين متلازمين:‏

1- زيادة القدرة العسكرية الإسرائيلية بكل الوسائل، والعمل على حمايتها وتوفير كل إمكانات التطور لها؛ وتمتين تحالفاتها على الأرض مع أنظمة في المنطقة لاسيما مع الأردن وتركيا. وجعل هذه الدولة قادرة عملياً على أن تفعل ما تشاء دون أن تخشى أحداً، وأن تهدد من تريد دون أن يتعرض تهديدها لمساءلة أو لانعدام مصداقية من أي نوع.‏

2- زيادة الحصار والضغط على الدول العربية التي تتململ من هذا الوضع، وتركيز الضغط على سورية والمقاومة الوطنية في جنوب لبنان وفلسطين المحتلة، ومحاصرة هذه القوى حتى لا تحصل على أية قوة : مادية أو معنوية، تمكِّنها من الصمود في وجه الاحتلال والعدوان والتوسع الاستيطاني الصهيوني، ومواجهة الضغط السياسي والاقتصادي والأمني الذي يمارس لمصلحة المشروع الصهيوني والدولة الصهيونية بغية قتل الأمل وتفتيت الإرادة وفرض الاعتراف بالعدو وتطبيع العلاقات معه، وإقامة ما يسمى " السلام " بالشروط والمفاهيم والمواصفات الصهيونية - الأميركية؛ وعزل القوى العربية الرافضة للاستسلام عن محيطها العربي، وإحداث ما أمكن من التخريب في بناها الداخلية، على صعيد الفرد والمجتمع والدولة، في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ؟!؟.‏

وحيال هذا الوضع نسأل بمرارة ومسؤولية : ما هو الممكن المقبول أخلاقياً وقومياً، الذي يمكن أن نفعله أو نقبله؟! وما هو العمل الذي يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للوضع العربي المتردي مما هو فيه ؟!.‏

- هل ينقذ القدس، والمقدسات المسيحية والإسلامية فيها، اجتماع للجنة القدس، ولمجموعة المؤتمر الإسلامي الدولية؟! وماذا تفعل أكثر من إصدار البيانات والإدانات والشجب والتصريحات؟!‏

هل هي على استعداد لمقاطعة المحتل الصهيوني ووقف تطبيع العلاقات معه؟! ابتداء من إسلام الأنظمة في المغرب وانتهاء بتركيا ومروراً بمصر العربية وبعض دول الخليج العربي ؟!.‏

هلي هي على استعداد لاتخاذ موقف من المصالح الأميركية في المنطقة والولايات المتحدة هي التي تنفذ المشروع الصهيوني التوسعي وترعى إرهاب الدولة الذي تمارسه " إسرائيل " !! هل هي على استعداد للقيام برد سلبي على ذلك ينحو منحى تنمية علاقات التعاون الاقتصادي والثقافي فيما بينها على الأقل؟!.‏

إنني أشك في قدرتها على ذلك، وفي رغبتها أصلاً في اتخاذ خطوة عملية على تلك الطريق، مع اقتناعي بأنها يمكن أن تفعل شيئاً مؤثراً إذا قررت المضي إلى أبعد من الكلام في وسائل الإعلام .‏

- هل يضع حداً للاستهتار الصهيوني - والأميركي ضمناً - بالعرب موقفٌ عربي مرتجى يهدد على الأقل بسحب السفراء والقناصل من " إسرائيل العزيزة عملياً " على بعض قلوب المسؤولين العرب الذين يصرخون في وجهها أحياناً ويتوددون لها في كل حين؟! أشك في أن ذلك الذي غدا مضحكاً مبكياً في آنٍ معاً، مما يجدي فتيلاً ولكنه " هشة " في وجه الكلب الذي سينهش غداً عروشهم وقلوبهم ويلقيهم صرعى عند أقدام من يتجبر ويتكبر وهو نذل الأمم وجبانُها تاريخياً ؟!.‏

- هل يعلن العرب على الأقل - على الرغم من عرفات عريف القناصل- وفصائله المقاتلة بخمس نجوم، أن القضية الفلسطينية تحتفظ استراتيجياً ببعدها القومي، وأن أوسلو لا تغني عن مدريد والمرجعية الدولية، وأن هذه لا تغني عن الوجدان الشعبي العربي وما يستقر فيه من حق وانتماء ومسؤولية تاريخياً؟! إن شيئاً من هذا يجعل الأنظمة العربية أكثر قدرة على التعبير عن انتمائها للشعب العربي، وأكثر قدرة على التماسك والصمود أمام إغراء الهرولة على أعتاب من يهدمون المقدسات ويستعبدون القدس، وأن شيئاً من هذا كفيل بأن يلفت نظر العالم إلى حقيقة أن العرب لم ينسوا ما كان يصدر عنهم من تأكيدات البعد القومي للقضية عبر التاريخ الطويل المرير الذي استقطب جهودهم في هذا القرن .‏

- هل تسمح الأنظمة العربية بمد شعبي يضع حداً للفاسدين المفسدين الذين يتعاملون مع العدو في شراكات تجارية وصناعية وثقافية ويربحون في سوق يبيعون فيها قضيتهم وأمتهم ودم شهدائهم ومستقبل أوطانهم وأجيالهم مقابل مال تعرف الصهيونية كيف تسحبه من أيديهم في الدقيقة التي يقبضونها فيها، حيث يودع هناك في المصارف الصهيونية بعيداً عن الوطن المسروق والشعب المستغفل ؟!.‏

- هل يقوم عمل عربي حكيم أصيل مسؤول مخلص وبناء، يعزز الوعي العربي والمسؤولية القومية والقوة الروحية والبنية الخلقية والاجتماعية، ويؤسس لعمل عربي مشترك في مجالات المواصلات والاتصالات والمصالح المتبادلة للأفراد والأقطار، ويقيم شبكة من الصلات المصيرية التي تجعل كلاً منا - فرداً أو قطراً - يشعر بأن مصيره ومستقبله مرتبط فعلاً بمصير أخيه ومستقبله؟! وينمي عملاً دفاعياً يقوم على امتلاك القوة على أرضية من العلم والإيمان، ويغير صيغ العلاقة القائمة على الشك وتَجَذُّر القطرية لتقوم على الثقة والمشروعية القومية التي تأخذ بتلازم العروبة والإسلام، والانطلاق من مسؤولية تاريخية حيال صراع ذي أبعاد تاريخية مع أعداء يريدون الأرض ويستهدفون الشخصية والهوية وحيوية الوجود والمصير .‏

إن نتنياهو الذي يمثل الصيغة الأجلى للمشروع الصهيوني في الوقت الحاضر، يقدّم الأنموذج المستمر الذي يجسد ملامح ذلك المشروع وأساليب تحقيقه وقدرة أصحابه على تشويه التاريخ والحقائق، وفرض الوقائع على الأرض وإجبار العرب والعالم على التعامل معها. وسؤال الأسئلة الآن هو : هل ندفن رؤوسنا في الرمل، ونتغاضى عن كل ما يعلن من أهداف وما يتم من ممارسات، ونبقى على أمل بسلام مع وجود السيادة الصهيونية والمشروع الصهيوني، ونستسلم للوجه الآخر للصهيونية وهو الإدارة الأميركية ووعودها، ونقنع أنفسنا بأنها وسيط " نزيه " بينما هي الأعتى في التصميم على تنفيذ المشروع الصهيوني والأقدر على تطويع العرب وتسخيرهم لخدمته وقبوله والإقبال عليه ؟!.‏

إن التدقيق في هذا السؤال، والإجابة الموضوعية عليه، والرغبة في مواجهة ما يلقيه من تبعات تضعنا على بداية طريق تحرك طويلة وشاقة، ولكنها طريق قد تفضي بنا في يوم من الأيام إلى التحرير واستعادة الإرادة والمبادرة على ما في ذلك من مشاق وما دونه من عقبات، ولكن السير في طريق مضنية طويلة أفضل من التيه وابتلاع سموم الوهم والخضوع لأنواع الإذلال .‏

ولنا كل مقومات الأمل والتفاؤل في قدرة أمتنا على السير في طريق منقذة وسليمة ومفضية إلى الخلاص بعمل مغاير لأسلوب العمل الذي نتبعه، وبالكف عن ابتلاع الوهم والوقوف تحت شمس الحقيقة المحرقة وعندها نواجه الاختيار الحق .‏

الأسبوع الأدبي/ع553//15/3/1997.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244