|
دعوة باتجاه التأمل والشرق
بيننا وبين الغرب تاريخ من المعاناة المرة، بل تاريخ من اللغة التي تتجسد في كل قرن وتضحيات نكون نحن العرب فيها الجانب الذي يدفع ويخسر. والغرب هو الذي يأخذ ويكسب. صحيح أنه لم ينهنا ولم يبد إرادتنا ولم يصل إلى القضاء على شخصيتنا الثقافية بكل مقوماتها ولن يستطيع، ولكنه لا يكف عن المحاولة ولا نكف عن الاستجابة.
وسواء نتج ذلك عن جهل بنا أو تجاهل علينا، فإن الحصيلة حالة من الاستنزاف وحالة من التبعية، وسيل من النهب والابتزاز لا ينتهي تدفقه بأشكال مختلفة .
ويبدو أن معسكرات الغرب عبر العقود المترامية في قرنين وأكثر من الزمن تتبادل الأدوار والقوى والنفوذ، وتبقى بينها وشائج المصالح وثوابت الأهداف فيما يتعلق بموقفها منها. فحين كانت القيادة بريطانية - فرنسية كان الموت والتمزق والاستعمار والنهب وإقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، وحين أصبحت القيادة أميركية ازداد عدد الشركاء في توجيه الأذى وتراجع ذئب لذئب أشد عن جزء من الفريسة، ولكنها بقيت بين الذئاب .
وفي كل يوم يمر يزداد العرب ارتماء على أعتاب السيد الغالب، ويزدادون تلهفاً على إرضائه والخضوع لإرادته - إلا من رحم ربك منهم - ولكل أعذاره وأسراره وأهدافه ومسوغات فعله، ولكن النتيجة تكون وبالاً على الأمة وأجيالها وحقوقها ومقدساتها .
وبعد مرور كل هذه العقود المرة من زمن الإباحة والاستباحة، زمن الاستشهاد لاسترداد الموقع والموقف وزمن الاستبداد لتدمير الموقع والموقف نتساءل على أبواب " الفيتو " الأميركي العريق ضد الحق العربي، وعلى أبواب التنسيق الغربي وتبادل الأدوار لتحقيق الأهداف : الصهيونية - الغربية المشتركة في وطن العرب وضد وجودهم وثقافتهم وآمالهم وعقيدتهم، نتساءل هل من إرادة للخروج من الشرنقة؟! وهل من رؤية لمسالك امتلاك تلك الإرادة ومقومات ممارستها؟!
المعطيات المادية والموضوعية، من منظور الواقعية، تقود إلى واقعيتين:
1- واقعية انهزامية ترمي إلى توظيف تلك المعطيات - عربياً ودولياً، نفسياً واجتماعياً - لتدمير الإرادة وفرض القبول بالمشروع الصهيوني - الغربي، وبكل أشكال الهيمنة والإذلال؛ لأنه " ليس بالإمكان أبدع مما كان " في مواقع التسليم والانهزام والاستسلام لتبعية مطلقة للمركزية الغربية - الصهيونية، والاكتفاء بدور العبد بين يديها.
وهذه الواقعية تحشد المعطيات والوقائع في الميدانين : العربي والغربي - الصهيوني، لتؤكد على ضرورة الفوز بشهقة أخرى قبل الموت الذي تؤدي إليه حالة السبات التي ترى أن تستمر، ويعمل أهل هذه الواقعية الانهزامية على تكويم تلال الردم في وجه أضعف شعاع ينبعث من آخر النفق العربي المظلم .
2- واقعية تفاؤلية، إيجابية، تعمل على توظيف تلك المعطيات الواقعية الموضوعية، ضمن منظور تاريخي يستفيد من عبر تاريخ الأمة العربية وتاريخ الشعوب، ومن طبيعة حركة الحياة التي لم تعرف استقراراً أبدياً واستمراراً أبدياً لحالة ضعف أو حالة قوة عند شعوب حية وعند من يملكون إرادة التغيير .
ويعمل أهل هذه الواقعية على زيادة حجم الأمل المنبعث من آخر النفق العربي المظلم، ويرون أن السبات المطلوب .هو الوصفة الغربية الصهيونية لقتل ما تبقى من الإرادة العربية، وأن الخروج من حالة السبات والتحرك الواعي في مختلف الجهات كفيلان بتقديم البديل الموضوعي للذل والاستسلام والموت، وهما المقدمة الموضوعية لتفكير وعمل مغايرين يؤديان إلى وضع مغاير للراهن المرفوض؛ وأن مقومات ذلك وكل ما يحتاج إليه من إمكانيات أولية متوافر بموضوعية لدى الأمة العربية .
على أرضية الواقعية الانهزامية فرخت أوسلو ثقافة تسوغ المنطق الصهيوني وتسوقه وتروج له، وتدعو المثقفين العرب إلى المشاركة في ذلك الموضوع تحت لافتة جديدة من تلك التي تكتب بحبر غرناطة وكوبنهاغن، وبأقلام يملكها جيداً ويتحكم بمدّها ومدادها ومددها عناصر الموساد من أمثال ديفيد كمحي، والـ "C.I.A " من أمثال مارتن انديك .
وفي الجامعات والمدن التي شهدت شرف الانتفاضة تدعو تلك الثقافة إلى عمل ثقافي عربي - ودولي يقول بالاستسلام بدلاً من مئة سنة قادمة من الحروب؛ ويقول بقبول الأمر الواقع في جبل " أبو غنيم " مقابل تنفيذ مطار فلسطيني تحت السيطرة الصهيونية كان قد تم الاتفاق على إقامته في أوسلو، ويقول بالرضا بنسبة 9% من الضفة الغربية بعد أن تحمّلنا كل ذلك الذل في المفاوضات بدلاً من حزم الحقائب والعودة إلى النضال مع الأمة وقيادتها في ميادينه ؟.
مداخل كثيرة لتسويغ الهزيمة وشَرْعَنَة الاحتلال، وتسويق منطق القوة الأميركية التي تصنع الإرهاب وترعاه وتمارسه، وتزرع القهر في نفوس العرب وتتعهد نموه. ومداخل كثيرة أيضاً لتشويه صورة العربي المقاوم والمسلم المتمسك بالمقدسات والحقوق، والأمة التي يرى أبناؤها ضرورة التمسك بالحق التاريخي الذي لهم في فلسطين مما لا يمكن التنازل عنه والسكوت على سلبه!؟!.
فما الذي يمكن أن نقوله ونحن نرى ما نرى ونسمع ما نسمع ويركع منا من يركع على ركبتين من ذل ويزعم أنه يمثل الأمة؟! ماذا نفعل ونحن نرى تراكم الخجل في فضاء نفوسنا يزداد من مواقف من يخجلون من قتال الأعداء العنصريين المحتلين، ويزدرون إرادة كل أنظمتنا وحكامنا وأقطارنا وأجيالنا ؟!.
على الأرض يجب أن نقاوم الإحباط ونستشعر قوة الملايين التي نحن لسانها وألمها ووجدانها، تلك التي ترفض أن تعيش قروناً قادمة من الذل وتتحول إلى عبيد يقبلون اتفاقيات العبيد؛ وعلى أن نحول إرادة الصمود إلى متاريس قتال على جبهات الثقافة والمقاومة والبناء وتحرير الإنسان العربي وإرادته وتنمية وعيه؛ وعلى الأرض علينا أن نبدأ بسؤال أنفسنا كل يوم ماذا حققنا لنكون أقوى وأفضل وأقرب إلى روح العصر ومتطلباته وأسلحته وأدواته على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما؛ وعلى الأرض علينا أن نحاور الأنظمة العربية بلغة أخرى، ونغير في خطابنا وسلوكنا لنكون حاضرين عند رسم صورتنا ومصيرنا وقرارات تتصل بذلك المصير، ولا يكون الغياب. والغياب فقط نصيبنا حتى ونحن نقدم مقومات الحضور ومادته الخام. وأظن أن في مقدمة ما يتوجب علينا فعله أن نبحث عن مخارج مما نحن فيه فالعالم - القرية يتسع كلما ضاق في عين المعلومات والفضائيات، أظن أن حوارنا مع الغرب ينبغي أن يستمر ولكن بعد الخروج من التبعية وشرانق الوهم، وأن حواراً استكشافياً ومصيرياً ينبغي أن يبدأ مع الشرق بحلقاته المتداخلة : حلقة الحضارة العربية - الإسلامية ومن يمثلها فقد أصبحت عمقنا الاستراتيجي وجبهتنا المشتركة والجبهة المستهدفة من الصهيونية والغرب؛ وسوف نكتشف في هذه الجبهة الكثير ونوظف من عناصر القوة ما هو مؤثر ومفيد ومصيري؛ ويكفي أن ينهض فيها صوت مشترك يستشعر مصيراً مشتركاً ويتلفت إلى ماضٍ يصب في الحاضر، وحاضر تستشرف منه صورة المستقبل .
وحلقة البعد الروحي والمعاناة المشتركة من ظلم الغرب، والمنافع والمصالح المتبادلة التي يسلبها من كل منا الغرب المتغطرس، ذاك الذي يشهر سيف القوة والمادة ويقتل في الحياة المعاني السامية لكثرة ما يشوهها ويتاجر بها ويوظفها ليحوز الدنيا وليجعل الآخرين فيها تبعاً وأدوات تنمي سلطته وثرواته وهيمنته المطلقة .
وحلقة القوى المستقبلية المحتملة / اقتصادياً وبشرياً وربما علمياً وعسكرياً، فلم لا والشرق فيه كل ذلك المدى من العطاء الذي لا يحد والإمكانات التي لا تحصى؟! الشرق هو الصين الواعدة، واليابان، والهند، وأندونيسيا، وماليزيا، وكوريا، وباكستان، وإيران، وكل الأفق الذي يفتحه انتماء العرب الفعلي إلى شرقهم الغني وكل ما يمكن أن يفعلوه معه. ليست هذه دعوة للقطيعة مع الغرب ولكنها دعوة لقراءة متأنية للعلاقة التاريخية وللمستقبل في ضوء خطط الغرب وبرامجه واستراتيجياته، ودعوة لمعرفة الآخر وتقويم الذات وقدراتها من خلال تلك المعرفة، إنها دعوة لقراءة جديدة للعالم اليوم في ظل ما يقدمه العلم والتطور وما يبشر به المستقبل المفتوح على العلم والتطور .
إن الثقافة تبني المعرفة، وتبني الوعي والقيم وصورة الغد في ضوء المعرفة، ويبدو أن الغرب الذي نتيه منذ عقود في دوامات التبعية لمركزيته الثقافية لا يرى في الثقافة إلا أداة لتنمية الصراعات القائمة على امتلاك المادة والثروة والطاقة بقهر الآخرين، وهو لا يرى في الآخرين شركاء في المصير الإنساني والشرط الإنساني وإنما يرى فيهم قوى محتملة ينبغي أن يقهرها باستمرار لينهبها باستمرار، وهذه الروح الفاسدة المريضة تؤثر في عالمنا بشكل فتاك وقد تسرق الشرق من أهله و من قيمه ومن تاريخه، وسوف يردّ ذلك وبالاً على الإنسان والحضارة والحياة .
فهل ننظر إلى المكان الذي تشرق منه الشمس، ويتدفق منه نهر الفجر كل صباح بدلاً من أن نغرق أبصارنا وبصائرنا وأرواحنا دائماً في عتمة الغروب وما تحمل من زحف جحافل الظلام ؟!
إنها دعوة للتأمل وطرح الأسئلة على الذات، ودعوة لقراءة ممكنة لعالم لا تشوهه الصهيونية والإمبريالية الأميركية .
الأسبوع الأدبي/ع554//22/3/1997.
|