|
الولايات المتحدة ترعى الإرهاب
الإرهاب بالمعنى السياسي في العصر الحديث بدأ مع الثورة الفرنسية، ونظّر له ومارسه روبسبير وأعوانه، واتخذته الثورة البلشفية نهجاً لتصفية الخصوم ومن سمتهم أعداء الثورة أو أعداء الشعب؛ وتنوعت أساليبه وأغراضه بتعدد الجهات التي مارسته وتنوع بيآتها وأهدافها ووسائلها. ولمن يمارسه أو يحرض على ممارسته مسوغات، وأخطر ما في مسوغاته إدعاء الشرعية والحق والعصمة، والصدور في ممارسته عن أيديولوجيات وإسناده بدفاع عن الحق والعدل والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة؛ حيث يتم سحق كل ذلك أو تشويهه بسحق الإنسان وتشويه صورته لأغراض خفية تتعلق بمصالح أو مخططات تفوح منها رائحة الحقد والاستلاب والعدوان على الآخر أو ممتلكاته، وتخويفه بقصد ابتزازه أو اغتصاب حقوقه. ويكاد يكون إرهاب الأيديولوجيا وإرهاب الدولة أغنى أنواع الإرهاب وأشدها فتكاً وإخلالاً بقيم الحياة ومقوماتها وشرطها الإنساني الذي يجمع بين بني البشر، أو يفترض أن يجمع بينهم، وكلما كانت الجريمة الإرهابية ضخمة وبشعة وواسعة التأثير، كلما ازداد حجم التسويغ لها والسكوت عليها والتضليل الذي يرافقها، لا سيما إذا قامت بها قوى كبرى، أو تحالف قوى بشكل جزئي أو كلي، وأبرز أنموذج لإرهاب الدولة البشع والمغطى "خلقياً وقانونياً وإعلامياً وسياسياً" ببهرجة لا ذوق فيها هو أنموذج إرهاب الدولة الصهيوني الذي ترعاه وتدعمه وتباركه الولايات المتحدة الأميركية. وفي مباشرة للقول من أقصر السبل أطرح السؤال الآتي: هل الولايات المتحدة الأميركية التي تبشر بنظام دولي جديد وتعلن أنها حامي الديمقراطية والمدافع عن حقوق الإنسان والحريات العامة هي دولة ترعى الإرهاب؟!
والجواب عندي بصريح العبارة وواضحها: نعم إنها ترعى الإرهاب وتمارسه وتدعمه تحقيقاً لمصالحها وهيمنتها ومخططاتها، وتقوم بذلك اعتماداً على قوتها الشاملة وتحالفاتها وسيطرتها على المنظومات الدولية، لا سيما مجلس الأمن الدولي؛ وهي تمارس إرهاب الدولة الأعظم في العالم مطمئنة إلى قوتها من جهة وإلى تمكنها من قلب الحقائق وتشويه الوقائع والكيل بمكاييل مزدوجة لقضايا واحدة من جهة أخرى !! ولن أتوقف عند ممارسات عبر تاريخ قريب تمت في هذا المجال: من عدوان وضغط وحصار وتخويف وشن حملات إعلامية وسياسية والقيام بعدوان ساخن، وإنما أركز على حالة واحدة مستمرة تبرز ذلك النوع من الإرهاب الذي ترعاه الولايات المتحدة الأميركية بحزم واقتدار وهو الإرهاب الصهيوني الذي تمارسه "إسرائيل" ضد العرب في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان والجولان، في ظل مسيرة مدريد على الخصوص.
فإذا كان الإرهاب بإيجاز هو شديد عدوان على الأفراد والممتلكات والحقوق والحريات أو تهديد لها فإن حركة الاستيطان-الاستعماري- الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة تنتزع ملكية الأفراد الواقعين تحت الاحتلال وتهدد مقدساتهم في القدس وعلى رأسها المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة، ولا تحفظ حقاً من حقوقهم؛ وتقوم بقتل من يعترض مشروعها الذي يؤدي حتماً إلى طرد الأشخاص من بيوتهم وأراضيهم إن لم يقتلوا، وتجريدهم من حقوقهم ووضعهم في السجون بذرائع مختلفة، وتعريض أمنهم وأمن أسرهم للخطر. وهي تفعل ذلك للاستيلاء على الأرض- الوطن من أجل زرع أشخاص آخرين فيه مجلوبين من خارج المنطقة ليشكلوا قوة قهر وعدوان وسلطة قمع وإرهاب ونهب لشعب المنطقة وخيراتها. والولايات المتحدة الأميركية، التي دعت إلى قمة شرم الشيخ من أجل مقاومة الإرهاب- بعد عملية بيت ليد الفدائية المشروعة ضد قوة الاحتلال الصهيوني- وأشرفت على نشاطات وندوات عديدة حول الموضوع، وجرت ثلاثين دولة لتضع معلوماتها ودراساتها وقواها الأمنية بمواجهة المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال التي تسميها إرهاباً، الولايات المتحدة الأميركية التي تنادي بتجفيف مصادر الدعم المالي للإرهاب- ونحن معها في ذلك- لا تلتزم أبداً بتجفيف مصادر الدعم المالي للإرهاب الصهيوني الفعلي وإنما على العكس من ذلك تشكل المصدر الأغزر لدعم ذلك الإرهاب، بينما تجفف مصادر تمويل المقاومة .
فهي تضع عشرة مليارات دولار أميركي على شكل ضمانات قروض تحت تصرف "إسرائيل" لموضوع الاستيطان الذي هو عدوان صريح وإرهاب كامل يمارس يومياً ضد الشعب الفلسطيني وضد المواطنين في الجولان وجنوب لبنان وضد حقوق دول أعضاء في الأمم المتحدة. كما تسمح بجباية الأموال من الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن تشجيع عمليات الابتزاز الصهيوني الدولية للأموال- سويسرا آخر الأمثلة- لتكون تلك الأموال في خدمة الاستيطان. تفعل ذلك في الوقت الذي تمنع فيه حتى الجمعيات الخيرية العربية من تحويل أموال لمن قتل معيلوهم وهُدمت بيوتهم بفعل الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان.
وهذا الفعل الأميركي هو رعاية صريحة للإرهاب ودعم مستمر له في منحيين مدروسين جيداً:
- منحى تقوية الإرهاب الصهيوني وتمويله وتغطيته سياسياً ومالياً ودبلوماسياً وإعلامياً، وتسويغه وتقديمه مبهرجاً للناس تحت لافتات "إنسانية" وقانونية، حتى عندما يهدد "السلام" الذي تدعي حرصها عليه، واتفاقيات الإذعان التي رعتها وفرضتها، وأخرها فرع الخليل من اتفاقية أوسلو الذي يهددها نتنياهو ببناء مستوطنة في جبل أبو غنيم جنوب القدس.
- ومنحى إضعاف صمود العرب بوجه الإرهاب الصهيوني وفرض حصار مالي واقتصادي وعسكري عليهم، وتشويه مقاومتهم الوطنية المشروعة للاحتلال والإرهاب الصهيونيين وفرض الهزيمة الداخلية واليأس عليهم.
وهما منحيان يتكاملان ويشكلان محورين لسياسة واحدة تعمل على إبادة شعب وسرقة وطن وتفتيت أمة بوسائل الإرهاب جميعاً وبقوة القهر لإحلال قوة استعمارية استيطانية عنصرية مكانه.
وهذه السياسة الأمريكية التي تعتمد تشجيع الإرهاب الصهيوني وتتبناه تنسجم في منطلقاتها العنصرية مع التوجهات والممارسات الصهيونية العنصرية، لأن كلاً من الدولتين: الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني قامت على أساس إبادة السكان الأصليين: الهنود الحمر، والفلسطينيين- وسلب وطنهم وتشريدهم، أو إلحاق الهزيمة الروحية بمن تبقى منهم على قيد الحياة.
إن المطلوب هو أن تدرك الإدارة الأميركية أن العالم يعي أنها الراعي الأكبر لهذا النوع من الإرهاب، وأنه لا يُخدع أبداً بما ترفعه من شعارات"إنسانية" لتغطية جرائمها البشعة وتواطؤها مع الأنظمة العنصرية: بريتوريا بالأمس و"إسرائيل اليوم"، ومن يتواطأ مع العنصرية ويغذي الإرهاب ويقف بوجه المقاومة الوطنية للاحتلال ويشوه صورتها هو أكبر وأول ممثل للإفلاس الروحي، ولا يحق له أن يتكلم باسم الحق والحرية والعدل والسلام، فضلاً عن تجرُّئه على الآخرين واتهامهم بالإرهاب. فهل تعي الإدارة الأميركية أن العالم يعرف من هي، أم أن ذلك كله لا يهمها أصلاً؟!
أظن أن الشق الأخير من التساؤل الأخير هو القائم والمأخوذ به فعلاً هناك، وعلى العالم المعني بالحقوق والحريات والعدالة والأمن والسلام، أن يتضامن ويتعاون ليتخلص من تحالف التنين وأسماك القرش، وإلا فالنظام القادم سيغرقنا في مستنقعات الدم والرعب.
الأسبوع الأدبي/ع555//29/3/1997.
|