صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

( أوسلو )على فراش الموت

اتفاقية أوسلو في الحضيض، انتهت أو كادت تنتهي، وأهلها يعلنون أنها على فراش الموت في النزع الأخير ؛ ويبدو أن الراعي الأميركي لا يستطيع منحها فرصة الحياة حتى لو أراد، ولا يريد أن يطلق عليها رصاصة الرحمة، لا يستطيع ولا يريد وليس ذلك في مصلحة من يملكون زمام القرار الأميركي، وهم الصهاينة أو المتصهينون؛ فأوسلو صنعة صهيونية أدت أغراضها في تمريغ جباه بعض الفلسطينيين في الوحل، وفتح الباب أمام الملك حسين لتوقيع اتفاق وادي عربة، وجر أخْطِمَة كثيرين من العرب إلى أعتاب المحتل الصهيوني مهرولين في مسعى غير مقدَّس، ملبين داعي الضلالة والمذلة، مهللين لغير الله، ناصرين عدوهم على المقاومين من أشقائهم، يوم سمَّتهم الصهيونية إرهابيين فحلت عليهم " لعنة " أميركية شدت ثلاثين من دول العالم بينها ثلاث عشرة دولة عربية إلى شرم الشيخ في مؤتمر كان ضد الأمة العربية وكُرِّس لتشويه المقاومة الوطنية الفلسطينية للاحتلال ولخدمة الإرهاب الصهيوني المدعوم أميركياً !؟‏

" أوسلو " على فراش الموت، والتطبيع الذي رافقها ونتج عنها يتراجع، والمطبعون على كل مستوى وصعيد : من تجار الأفكار والمواقف والمبادئ إلى تجار الدولار والسلع والمواد الأولية، ومن أهل غرناطة إلى أهل كوبنهاغن ومن ناصرهم وشد على أيديهم وتجشم الصعاب من أجل نصرتهم؛ هؤلاء جميعاً في حلكة ليل كأن على رؤوسهم الطير، خشية موت " السلام " وعودة المقاومة والحس الوطني وما قد يجره ذلك على أصحاب المشأمة.‏

" أوسلو " على فراش الموت والرصاص القاتل جاء من مصادر متوقعة تماماً نذكر منها :‏

1 ـ المشروع الصهيوني ـ التلمودي ـ العنصري المستمر، الذي حققت "أوسلو " له شيئاً مرحلياً هو اعتراف كثير من الدول العربية بـ " إسرائيل" واستعدادها لذلك الاعتراف ؛ ولهذا الأمر دلالاته البعيدة والعميقة : استراتيجياً ونفسياً وسياسياً.‏

2 ـ المقاومة الوطنية الفلسطينية التي كان عمادها وركنها الأول : حماس والجهاد الإسلامي، والشباب الفلسطيني الرافض للاستسلام.‏

3 ـ القدس بما تمثله في الوجدان العربي والإسلامي، وبما تحمله من أبعاد تاريخية وروحية وثقافية ؛ وبما لها من تأثير في الوجدان الجمعي للناس.‏

4 ـ الإرهاب الصهيوني ـ الأميركي المتحالف ضد هذه الأرض وأهلها وتاريخها وعقيدة أهلها السماوية، على أرضية من المصالح والخطط الاستعمارية ـ العقائدية ؛ ذلك الإرهاب الذي انتشر في أرجاء فلسطين كلها، الممهورة بخاتم " أوسلو " وغير الممهورة بذلك الخاتم. وقد أراد ممارسوه، الذين ينتزعون الأرض من أصحابها الأصليين والذين يمولون ذلك الانتزاع ويغطونه سياسياً ودبلوماسيا وعسكرياً عند الضرورة .. أرادوا أن ينهبوا الأرض من تحت أرجل أهلها الفلسطينيين بالاستيطان الصهيوني بأسرع ما يستطيعون، بعد أن حققت لهم اتفاقيات الإذعان التي وقَّعوها مع المفرّطين بفلسطين وأهلها ومقدساتها ما يريدونه منها.‏

خلاصة القول : إن " أوسلو " على فراش الموت، وإن أهلها في مأزق، وإن كل علاج يُقدَّم لها يزيدها اعتلالاً، فما بني على باطل سيؤول أمره إلى فساد وباطل .‏

قد لا يشيَّع ذلك الجثمان السياسي النتن قريباً، وقد لا يدفن أبداً ؛ ولكن ذلك لا يعني أنه لم يمت، فبعض الموتى بقيت جثثهم عقوداً من الزمن محشوة في عيون الأحياء ومع ذلك بقوا من الأموات ؟!؟ ولكن حين يحل موعد تشييع تلك الجيفة السياسية / أوسلو / علينا أن ندرك جيداً أن مرحلة جديدة من النضال والعمل قد بدأت، وأنها لن تكون أقل خطورة وقسوة من سابقاتها من المراحل في عمر الصراع العربي الصهيوني، وإن كانت أكثر قدرة على بعث التفاؤل بين صفوف العرب الذين رفضوا " أوسلو " وقاوموها، واكثر قدرة عل تحريك الفكر وبعث الوعي في تقديري .‏

المواجهة بين العرب والصهاينة سوف تكون دموية، وفي أرض فلسطين ستنبعث الانتفاضة بشروط ومواصفات مغايرة لتلك التي كانت عليها يوم انطلقت عفوية شعبية في المرة الأولى ؛ سيزداد الاستيطان حدة وانتشاراً وتسارعاً، وستشهد القدس مزيداً من التهويد، وسيعاني أهلها أكثر مما عانوا سابقاً من القمع والتشريد والطرد والضغط ؛ ولكن هذا لن يكون بلا ردود أو بلا مردود.‏

الفرز سيبدأ، على أرضية سليمة وصلبة ودقيقة وفي مجال رؤية واضحة، بين المفرّطين بالأرض والحق والمتآمرين على القضية والمتحالفين مع العدو الصهيوني من جهة وبين الرافضين من العرب لمسيرة الاستسلام والتنازل عن الحق التاريخي للأمة والخضوع من جديد لعقود من التبعية والذل والقهر والزحف على الرُّكب والرموش.‏

سوف تتجلى المهانة وعند تلك الحدود بالضبط تبدأ مرحلة الوعي العربي بإدراك الفارق الذي علينا أن نتجاوزه بين قدرات العدو التدميرية وقدراتنا الدفاعية، بين مشروعه العدواني ومشروعنا الدفاعي ؛ إذ على أرضية التحدي والمواجهة الساخنة والتهديد تنكشف القدرات والحاجات وتوضع الأمة أمام المحك الحقيقي ويوضع أبناؤها أمام الاختيارات الصعبة. وهناك يطرح السؤال التاريخي نفسه على العرب بقوة وقسوة : " هل تملكون القوة لكي تحفظوا الحق، أم تتنازلون عن الحق والكرامة معاً وتغدون ـ أو تبقون ـ لأعدائكم تبعاً " ؟!؟ هل معركتكم مع الصهيونية هي أول المعارك وآخرها لتكتفوا بالتجاوز عن حقكم في هذه المعركة راضين بسلامة البائسين ؛ أم أن للصهيونية أطماعها التي لا تنتهي في أرضكم ومشروعها التوسعي المعلن وبرنامجها المتكامل للهيمنة على المنطقة وتشويه هويتها والقضاء على إرادة أهلها ؛ وأن المواجهة معها مفتوحة في كل وقت وكل موقع وبكل سلاح !؟ وهل كان تاريخ أمتكم خالياً من الصراع مع الأمم، وهل هي مطمئنة إلى أنه لن يكون بينها وبين أي من الأمم صراع في المستقبل يحتاج إلى القوة التي تحفظ وجوداً، وتصون حقاً، وتحمي مصالح وأرضاً وحضارة وقراراتٍ وإرادة ؛ أم أن ذلك التاريخ كان ممتلئاً بالصراع ولن يخلو منه أبداً، وأنه ليس من نهاية للتاريخ وليس من نهاية لاحتمالات الصراع؟!‏

إن أمة العرب أمة تعرضت وستبقى معرضة لمن يطمع بها ويريد أن ينال منها، وليس لها إلا امتلاك القوة للدفاع عن نفسها وعن مصالحها وثقافتها وشخصيتها وحضورها بين الأمم، وهذا أوان الوعي بذلك والعمل على تدارك كل تقصير في مجالاته ؛ ولا يدفع نحو الاقتدار واكتشاف قوى الذات والإبداع في المواجهات مثلّ التحديات والمحن والشدائد والحروب، فهي تظهر معدن الفرد وجوهر الشعب وفعل الإيمان وعبقرية الإنسان ؛ فهل نحن متعظون بما مر بنا من أيام وعبر، وبما مر بسوانا من الأمم من تلك الدروس والأيام والعبر؟!‏

نعم ستكون شِدَّة وسيكون امتحان وستكون محنة، ولكن أي أمة من الأمم لم تدفع ثمن حضورها الكريم في التاريخ دماً ومعاناة وتضحيات؟! وأي أمة تنال ما تريد من حرية ومنعة وازدهار، وتحقق ما تتطلع إليه من تقدم، من دون أن تدفع ثمناً غالياً لذلك كله؟!‏

نعم ستكون هناك شدائد ومواجهات ومحن وحروب، وصبيب دمع ودم، وسيكون ذلك قاسياً ومكلفاً وبغيضاً ؛ ولكن علينا أن نختار بين الهزيمة والاستسلام وما يجلبانه ويعنيانه ويحتِّمانه من دفع ثمن ذلك الاختيار الذليل كل يوم أرضاً ودماً وتخلفاً وانصياعاً وخوفاً من الموت والقهر وموتاً في ظل الذل والقهر ؛ علينا أن نختار بين ذلك وبين النصر والعز والمنعة، والقوة التي تحمي وتحرر وتصون التقدم والبناء، فضلاً عن صونها للكرامة والحق والوجود والأمن.‏

حين يشيَّع جثمان " أوسلو " النتن سوف تكون كل الاحتمالات مفتوحة، وفي مقدمتها استعادة الوعي والتضامن العربيين، واكتشاف الذات والقدرات والإمكانيات والصداقات، وسيكون من الممكن التحديق في دوامة الخواء الذي كنا نتغلغل في فضائه ويتغلغل في نفوس بعضنا ونحن نتقدم على طرق مدريد واتفاقيات الإذعان، ومدى البؤس الذي كان ينتظرنا ويحيط بنا : البؤس الناتج عن إغلاق باب الأمل والتسبيح بحمد قوة قهَّارة هي قوة السيد الأميركي المحكوم بالمصلحة الصهيونية والأسطورة التلمودية والرسيس الصليبي القديم المتجدد، ذلك الذي اكتوت بناره المسيحية المشرقية وتبرأت منه .‏

لقد أعلن اليهود بلسان نتنياهو أنهم يريدون القدس، كل القدس، عاصمة أبدية لهم، وأنهم لم يقولوا أبداً ولن يقولوا أبداً بحق من أي نوع للفلسطينيين أو للعرب أو للمسلمين في القدس، لا في كامب ديفيد و لا في مدريد ولا في " أوسلو " ولا في وادي عربة ولا في الخليل آخر فروع " أوسلو " ؛ وهاهي الجرَّافات "الإسرائيلية " تعمل على تهويد ما تبقى من المدينة المقدسة، وهاهي الأنفاق تُحْفَر تحت مقدسات العرب والمسلمين فيها وفي مقدمة تلك المقدسات المسجد الأقصى الذي يتجه قرار السلطات الصهيونية إلى تفجيره من الأنفاق التي تحفرها تحته لتقيم "الهيكل " على أنقاضه ؛ ولا يبدو أن اليهود سينتظرون حتى نهاية هذا القرن ليتموا ذلك فموعده كما يتمنون ويخططون وينفذون أقرب من ذلك بكثير، قبل احتفالهم بما يسمونه ذكرى مرور ثلاثة آلف سنة على القدس ـ الهيكل. والقدس عربية عريقة وأقدم مما يصفون، والهيكل قلعة يبوسية ـ عمورية ـ كنعانية قبل أن تكون يهودية، والقدس لم تكن عاصمة تاريخية لليهود كما يهرف بذلك صانع الأكاذيب العنصري الحقود بيبي نتنياهو ؟!؟.‏

أما الأسباب والأكاذيب والذرائع، التي يمكن أن تقول بها الصهيونية لفعل ذلك وتغطيته سياسياً وإعلامياً، فحدث عنها ولا حرج ـ هناك الزلازل والمجانين والمتطرفون والمؤمنون بالأكاذيب والأساطير الصهيونية التي حشيت بها أدمغة الغربيين وكونت شيئاً من ذاكرتهم ـ فكل تاريخ الصهيونية الأسود قائم على ذلك النوع من الأكاذيب والأساطير، التي تنقلب مع الزمن والتكرار والاجترار إلى " حجج تاريخية " ووقائع مرعية الاعتبار!‏

" أوسلو " على فراش الموت، ولكن لا يظنن أحد أن رموزها سوف تموت معها، ذلك لأن تلك الرموز أدت دوراً وقد انتهى ذلك الدور الذي كانت فيه خدمة جلى للصهيونية " وإسرائيل "، وكل من الصهيونية و"إسرائيل" لن تتخليا عن عملائهما وستكافئان من يدمر شعبه وأحلام ذلك الشعب وآماله من أجلهما ؛ وهذا ما سيفوز به رموز " أوسلو "، كلهم أو جلُّهم. وعلى من تأخذهم في ذلك ريبة أو شكوك أن يتذكروا أن جهاز الموساد ووكالة المخابرات الأميركية /C.I.A / كانا الجهازين الأكثر حرصاً على حماية " الرمز " عرفات ؛ وأن الحكومة " الإسرائيلية " قدمت في عهد رابين وعوداً مرعية التنفيذ بأنها ستكون الحامية لعرفات والضامنة لأمنه ولمستقبل أسرته ؛ ومن المفيد أن نضيف إلى ذلك حقيقة الحساب المفتوح في تل أبيب بقيمة نصف مليار شيكل ـ حوالي مئتين وخمسين مليون دولار أميركي ـ باسم عرفات، وهو ما أعلن عنه قبل أيام في "معاريف"، ولا يحرك ذلك الحساب إلا بمعرفة " إسرائيل " وموافقتها.‏

ولكن يبقى السؤال الأبدي ـ الأزلي الذي ينتصب شامخاً أمامنا : هل تموت القضايا العادلة والشعوب المناضلة ويضمحل شبح الشهادة والتضحيات وتبقى الرموز البائسة منفوخة مبتهجة أم أن العكس هو الذي أثبت التاريخ صحته ؟!؟‏

إن الشعوب تبقى وراية الحق تبقى عنواناً ومرجعاً لمن تعنيهم العدالة والحرية والشهادة، والقيم التي تبقى غاية للنضال وللشرفاء محبي العدل والأوطان والحرية من أبناء الشعوب ؛ أما المعتدون والقائمون على الرقاب بقوة الحراب فمصيرهم إلى زوال، حيث يرتفع نشيد الحرية والعدالة في أرجاء الأرض قرناً بعد قرن معلناً انتصار الحق والشعب وعدالة السماء، وصدق رؤية من يؤمن بها ويعمل لها من أبناء الأرض.‏

وإن غداً لناظره لقريب.‏

دمشق في 8 / 4 / 1997‏

الأسبوع الأدبي/ع557//12/4/1997.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244