|
الأجيال رهان المستقبل
متى يصبح عرب اليوم أكثر عروبة مما هم عليه اليوم! أي أكثر وعياً بانتمائهم وتمايزهم عن (الغير) واستقلاليةً في المسار والقرار!
سؤال لا تنحصر مسوغات طرحه فيما أصاب السياسة والاقتصاد من تهافت وتبعية، وإنما ينسحب بكثافة أيضاً على الثقافة بمفهومها الشامل، وعلى التربية والفنون والآداب من بين ما تشمله الثقافة. ولا يكمن داء العرب في تاريخهم الحديث وفي صراعهم مع الاستعمار والصهيونية، وفي سعيهم من أجل امتلاك مقومات التقدم؛ لا يكمن ذلك الداء في قدرتهم على الأداء والاستيعاب بمقدار ما يكمن في توزعهم على جبهات الخصوم ونقلهم معركة الخصم إلى داخل حدودهم الجغرافية والسياسية والنفسية؛ وكذلك في استعداد كثرة كاثرة منهم لأن يكونوا مطايا الخصوم بشكلٍ أو بأخر وخناجرهم التي تمتد إلى خواصرهم من أقرب المسافات، ومن أكثر المواقع أمناً بالنسبة لهم.
في فترة النضال القومي ضد حملة التتريك كان سدنة الاستعمار البديل يقاتلون بمنطق الغرب وأدواته وأسلحته، ويخوضون معركته الطاحنة ضد مقومات الهوية والقومية العربية : اللغة والدين، ولم يكن أي من أولئك يوفر العقل العربي تاريخياً، بل يحرمه حتى من أبسط معطياته وقدراته وعطاءاته التاريخية، ويبسط رؤية الاستشراق الاستعماري على الشخصية العربية كلها.
وكان المدافعون عن الأصالة والعروبة يضطرون لخوض حرب في جبهتين جبهة الأعداء وجبهة الأصدقاء، وكان الضعف أبرز النتائج التي تجنيها الأمة من ذلك كله.
وفي فترة النضال ضد الاستعمار الغربي كان الموالون له والمنتفعون من استمراره والمرتبطة مصائرهم بهيمنته يؤسسون لتوطين التبعية له في أعماق التكوين الفردي والجمعي بوسائل كثيرة؛ ويساعدهم استعداد من نوع ما، أو قابلية للاستعمار من نوع ما، لدى تيارات وشرائح تكره الاستعمار ولكنها لا تعنى كثيراً بالتفريق بين ركائزه الفتاكة غير المرئية التي احتضنت تبعية بديلة وبين العودة الواعية إلى الذات مع انفتاح على العلم والحياة يبقيها أصيلة وعصرية وقادرة على الأداء في آنٍ معاً.
وجاءت الحصيلة العامة لذلك:
- توهج وجداني، وطني وقومي، مجرد من القدرة التي تؤهله لإثبات حضور نوعي، باستقلالية قادرة على حماية ذاتها وامتلاك أدواتها على أرضية من العلم والوعي المعرفي.
- وتطلعات وطموحات كبيرة، مشروعة وموضوعية، لا تملك إلا أن تعتمد على من تقاومهم من الخصوم، لكي تحقق عملياً ما تصبو إلى تحقيقه، مما يعارض مصالحهم ويحرر مصالح الأمة وقرارها.
وفي فترة الصراع مع العدو الصهيوني كان السوس في قلب الساق التي تقوم عليها الشجرة، ظاهراً وباطناً كان يعمل، منذ بدأت المعارك الأولى على أرض فلسطين من أجل فلسطين؛ فكان هناك من يفاوض العدو ويرى فيه شريكاً أو حليفاً، في الوقت الذي يقود فيه الجيوش ليحرر الأرض منه ومن مشروعه الخبيث.
وحتى يوم الناس هذا يوجد نوع من الازدواج والانقسام في عقل العربي وشارعه وقراره، وإرادته، نوع من ازدواجية الوجه والقناع وتعارض الوجدان والمنطق الذي تشكل حوله فخاً أو بيت عنكبوت، يظهر في القول والعمل، ويتجلى في كل ساحة وفي كل مساحة من ساحات العرب ومساحات أرضهم؛ نوع من الازدواج يضج فيه التعارض والتناقض، ويجعل القدرة العربية والرؤية العربية في حالة تضاد:
- أنظمة ترى استقرارها وأمنها ومصالحها مرتبطة بالغرب و " إسرائيل ".؟!
وأنظمة ترى أن استقرارها وأمنها ومصالحها ومستقبل الأمة كله مهدد من قبل الغرب "وإسرائيل".
- سياسة وثقافة تريان في العدو الصهيوني وحليفه الغربي شريكين وحليفين؛ " وتحْرَدَان" منهما أحياناً من باب الدلال عليهما والعشم فيهما، وستر العورة من العرب " الأغراب "؛ دفعاً للشماتة؛ وتمارسان فعلاً يومياً مدروساً على الصُّعُد كافة، سراً وعلناً، موجهاً ضد الأمة بكل شرائحها ومصالحها " لتنضج وتعي وتعقل " فتقبل واقعية عصرية تقول:
1- فلسطين أصبحت " إسرائيل "، بعاصمة " أبدية " موحدة هي القدس، وللعرب والمسلمين منها ما "للفاتيكان" في روما.
2- الفلسطينيون الموجودون خارج فلسطين يجب توطينهم في الأرض العربية، ونسيان حق العودة.
3- " إسرائيل " " أقوى من أن تؤخذ بالحرب "، والعالم اليوم استقر على هذا الوضع الذي نحن فيه بقيادة أميركية أبدية. وعليكم أن تدركوا أن هذه هي نهاية التاريخ، ولا يوجد أي احتمال للتغيير مستقبلاً وإلى أبد الآبدين، وعليه فكل ما تقولون به وما تقومون به من استنكار ورفض، وتأخير في الركوع هو نوع من عدم النضج وعدم الوعي والضوضاء الوطنية التي لا مسوِّغ لها.
4- العالم - عالمنا نحن أبناء المد الغربي في أجسامكم منذ حملة نابليون حتى اليوم - أصبح لنا وأمامنا على هذه الصورة فاقبلوه قبل أن يرفضكم .
5- لا أمل لكم ولا حلم، ولا قدرة على امتلاك علم أو قوة تغيرون بها من واقع الأمور شيئاً، وليس أمامكم إلا التسليم والاستسلام، قبل فوات الوقت وزيادة عدد الفرص الضائعة، وأنتم خبراء بإضاعة الفرص؛ فلا تكرروا ذلك، وافعلوا ما نقوله لكم قبل أن يضيع منكم ما تملكون اليوم التنازل عنه !!.
6- إن ازدهاركم وتحديث مجتمعاتكم وعقولكم، وخروجكم من أزماتكم كلها رهن بهذا الاستسلام، الذي يزدهي أمامكم بثوب السلام فترفضونه وتقتلونه وتشردونه بالممارسات " الإرهابية ." !؟
وسياسة وثقافة تريان في العدو الصهيوني وحليفه الغربي شريكين وحليفين عنصريين استعماريين لا يمكن القبول بهما والتعايش معهما، لأن في ذلك نقضاً للوجود العربي كله بكل مقوماته السياسية والاقتصادية والثقافية.
وهما عدوان تاريخيان يريدان الأمة العربية مجردة من هويتها وخصوصيتها ومن كل مشروع تحريري أو تحرري لها يقيم لها قواماً بين الأمم.
وتريان أنهما تقاومان من أجل أبسط أنواع الوجود القومي، ضد صليبية جديدة متصهينة هذه المرة، تريد الوطن العربي : إسلاميَّيه ومسيحيّيَه، وتريد نفطه وروحه معاً؛ صليبية وصهيونية تؤسسان لمنعه من مجرد التفكير بامتلاك قوة تحرره وتجعله حاضراً بأي شكل من أشكال الحضور .
وهما ـ أي السياسة والثقافة المعنيتان ـ ترفضان واقعية انهزامية تروِّج لها ألسنة عربية بدعم ومشاركة من الحلفاء التاريخيين لتلك الألسنة، التي أخذت تتجرأ على كل شيء باسم العقل والمنطق!؟! لأن كل المغالطات التي يسوقها الأعداء وحلفاؤهم في الداخل لا تصمد أمام امتحان المنطق السليم وحقائق الحياة، واستقراء التاريخ وتجارب الأمم .
- فهزيمة الإرادة وتفتيت الأعماق، وإلحاق العقل العربي بالغرب .. هو ما يرمون إلى إجبار الأمة على التسليم به والانهيار تحت ركامه؛ وذلك هو الموقع الاستراتيجي الذي إذا صمد يصبح رافعة التغيير المستقبلي وأداته ومنطلقه، ولذلك فإن هذه الجبهة العربية تدرك قيمة هذا الموقع من جهة وتدرك معنى التركيز الصهيوني عليه من جهة أخرى. ومن صمود هذا الموقع : صمود الإرادة والأمل والإيمان بالحق والمستقبل وقوانين الحياة التي لا تعرف الركود، يبدأ الرد المنطقي على منطق الهزيمة، ومن عناصره نذكر :
1- فلسطين عربية؛ و" إسرائيل " حربة المشروع الصهيوني - الاستعماري الغربي الذي يستهدف الأمة، ولا يريد ما يسميه السلام إلا بوصفه مرحلة تؤسس لمراحل المشروع الأخرى.
2- لا يوجد وطن بديل للفلسطينيين،إنه مرفوض فالوطن لا يستبدل، ومن حقهم أن يعودوا إلى وطنهم.
3- كل ما يتم تحت خيمة السلام هو تزييف لكل مفاهيم العدل والحق والسلام، وجيل المحتالين والإرهابيين الجديد من الصهاينة، يملك القوة ولكنه لا يملك الحق؛ وعلينا أن نملك القوة لنملك الحق، وليس هذا مستحيلاً.
الزمن لم يستقر نهائياً على : أميركا زعيم أبدي للعالم و" إسرائيل " حاكم أبدي للعرب. وعندما نأخذ بهذا المنطق تبدأ عملية الانتقال على أرضية الإيمان والوعي والعلم من حالة التهافت التي يراد لها أن تتفاقم إلى حالة وقف الانهيار ثم البناء.
4- القدس كانت منذ اليبوسيين العرب عربية وسيبقيها الوعي بأهمية الحق وبأهمية القوة التي تحميه عاصمة لفلسطين. وكل عدوان عليها واحتلال لها تمَّ عبر التاريخ لم تضع له حداً سوى القوة. وأهل الواقعية الانهزامية يركزون على غرس التبعية والإحساس بالدونية واليأس والإفلاس في نفوس أجيال الأمة حتى لا تلتفت تلك الأجيال إلى حقيقة الحقائق :
امتلاك الوعي والعلم والإيمان، وامتلاك القوة؛ ذلك وحده هو مدخل التغيير وهو مدخل ممكن. وليست هذه الواقعة هي نهاية التاريخ ولن تكون، فليس للتاريخ نهاية. وانتصار الرأسمالية الأميركية الصهيونية نهاية لتاريخ صراع وليس نهاية للتاريخ.
5- لن يكون ازدهار واستقرار وتعايش وتقدم مع وجود احتلال ومشروع صهيوني نقيض. لأن ذلك يؤسس أولاً لهدر الكرامة والتقوقع في الذل ومع الذل لا يكون تقدم ولا تكون سعادة ولا يكون وجود عزيز كريم لائق، والحياة وجود حر عزيز كريم لائق .
ولأن المشروع الصهيوني تهديد مستمر واستنزاف مستمر وخوف مستمر.
ولأنه أساساً دفن شامل للحق والشرعية ولمعنى الوجود، وأمة تتنازل كل يوم عن جزء من جسمها وروحها وأرضها وشخصيتها سيؤول بها الأمر إلى الامحاء.
فهل نقبل باسم الواقعية الانهزامية، والمطالب الاستعمارية الغربية الصهيونية امحاءً لمجرد أن " الآن " لا يمكِّننا من تحقيق نصر حاسم!؟ والمستقبل مفتوح على كل الاحتمالات ويجب أن يبقى مفتوحاً عليها جميعاً؟!
لا مجال لإغلاق الباب أمام الأمة باليأس وقوة القهر ومنطق الانهزام، ولا يكون امتلاك شيء مما ينقذها بالكلام فنحن نؤمن وندعو ونعمل ليتغير الحال والوضع الراهنان، ولا يمكن أن يستقر ذلك إلى أبد الآبدين.
6- الأمة ليست أنظمة مهزومة وثقافة مهزومة تآختا وحولتا الشعب إلى كتلة من جوع وخوف وإحباط. ومنطق سياسة وثقافة تريان بعيون العدو هو منطق العدو الذي يخوض حرباً من خلال الطابور الخامس، من الداخل، وهي من أخطر الحروب على المستقبل والحق والأجيال .
منطقان يشلان العرب منذ زمن طويل :
منطق سياسة وثقافة يرتبطان بالعدو ويعتمدان عليه ويعيشان حالة تبعية مطلقة يريدان إشاعتها في الأمة كلها بدفع من الغرب والصهيونية هذه الأيام .
ومنطق سياسة وثقافة يريان عكس ما يرى المنطق الأول، ولكنهما في حالة حرب استنزاف مفتوحة منذ عقود، وفي حالة تشتيت للقوة بفعل عناصر كثيرة من أهمها أن السوس داخل الساق ينخر فيه، والعدو يحمل فأسه وينهال على الشجرة ضرباً.
فمتى يكون العرب اليوم مع العرب حقاً، ليصبح لطاقة العرب كلها فعل منقذ في إطار رؤية قومية سليمة منقذة. إن ذلك يحتاج إلى جهد ثقافي وسياسي مركَّز، ولا يحتاج لمناخ الإحباط، وللنظر في سلسلة النقائص التي تتكاثر للأسف في مجتمعنا.
إنه يحتاج إلى أن نركز على صنع الوعي وإقامة صروح الأمل ' ويحتاج أول ما يحتاج إلى أن تكسب الأجيال العربية الصاعدة التي يتم الرهان الأول عليها وعلى اهتماماتها وما ترفض وما تقبل من هذا المنطق أو ذاك، وما تحتمل وما لا تحتمل من تبعات الصراع العربي الصهيوني وتكاليفه الباهظة.
وإنه لرهان ينبغي أن يخاض بكثير من الجدية والمسؤولية والوعي والاهتمام، لأنه رهان المستقبل العربي كله، والصراع المشروع من أجله .
22/4/1997
الأسبوع الأدبي/ع558//26/4/1997.
|