|
القضية والشباب العربي
ـ1ـ
شباب قضية ما وحيوية حضورها وتأثيرها وتجددها يتعلق بإقبال الشباب عليها وتجديد اهتمام الأجيال بها، واستعداد تلك القطاعات البشرية لتحمل تبعات الصراع والمضي قدماً في تقديم التضحيات على طريق تحقيق الأهداف الرئيسة لتلك القضية ومتابعة نهج الذين ضحوا من أجلها.
ومستقبل الصراع العربي الصهيوني، الذي انبثق عن القضية الفلسطينية واستمر بسببها، لا يخرج عن هذه المقولة- الأساس ولا يشذ عنها؛ فمستقبله مرتبط باستمرار اهتمام الشباب العربي بالقضية وبجوهر الصراع الذي نشأ عنها وبأهدافه ونتائجه .
وعلى ذلك فإن طرح السؤال المتعلق بمستقبل الصراع العربي الصهيوني والقضية الفلسطينية بوصفها قضية قومية بكل الأبعاد والمفاهيم والتبعات والنتائج، إن طرح ذلك السؤال على شباب العرب اليوم وعلى أجيالهم الصاعدة، يشكل أهم مدخل لرسم صورة المستقبل وتلمس نوع الاهتمام والمشكلات في مجتمع الغد.
ويجوز لنا أن نطرح السؤال على أرضية الشك في تبني الشباب والأجيال القادمة للقضية بنفس الأهداف والاستعداد الذي لنا ولمن سبقونا، انطلاقاً من حجم المتغيرات وما يرافقها من ضخ إعلامي مركز لإحداث تغيير في البنية الفكرية والنفسية والاجتماعية للمجتمع العربي من جهة ولسبر غور الالتزام القومي والوطني، على أرضية السائد من مفاهيم وتوجهات واهتمامات، في عصر يشهد انتفاضات التغيير، ولدى أجيال تعصف بها أزمات ومشكلات ومعلومات تجعلها عرضة لكل الاحتمالات.
ولا ينطوي الشك الذي ننطلق منه على تسليم مسبق بأن طينة الشباب العربي الأصيلة قد تغيرت وأنه تنكر أو يمكن أن يتنكر للقضايا العربية ولتضحيات الأجيال التي تحملت تبعات ذلك الصراع الذي نتج عنها منذ نشأته، ولكنه مدخل على أرضية موضوعية تستدعي الاستعداد لمواجهة كل ما يقدمه العقل والمنطق من معطيات واستنتاجات.
ومن الأسئلة التي تتفرع على جذع ذلك السؤال الأساس أكتفي هنا بطرح سؤالين:
1- هل الشباب العربي، والأجيال الصاعدة، ما يزال يؤمن بعروبة فلسطين، كل فلسطين، وبأن عليه أن يرفض الاحتلال الصهيوني، ويقاوم ذلك الكيان العنصري المزروع في المنطقة بالقوة؟! أم أنه يسلم بأن لـ"إسرائيل" حقاً في الوجود والبقاء، وأن لها جزءاً من فلسطين التاريخية- صغر ذلك الجزء أم كبر- وأن التعايش معها والقبول بها هو الاختيار المستقبلي الذي اختاره؟!
هناك من يزعم أن هذا السؤال لم يعد قائماً أصلاً، فالعرب خضعوا لتوجه عام- عربي ودولي- يسلم بوجود "إسرائيل"، والتنازع الآن هو حول جزء من فلسطين محتل وأرض عربية احتلت بسبب القضية الفلسطينية وما دار من صراع قومي حولها، وأن مشاكل المستقبل ليست حصراً في الانسحاب والتوجه السلمي الشامل لدى جميع الأطراف. وطرح هذا السؤال يعني عدم تسليم بما يعتبره (البعض) من المسلمات، وإثارة لبعض وجوه جوهرية من القضية ووضعها أمام الشباب ليناقش ويتفحص ويختار .
2- هل الشباب العربي المنهك حتى العظم بقضايا مثل: تأمين فرصة العمل، والمسكن، وإقامة الخلية الاجتماعية "الأسرة"، وتأمين لقمة العيش، والوصول إلى نوع من العلاقات السليمة في مجتمعه : سياسية- اقتصادية- اجتماعية- يوفر له قدراً من الرجاء؟؟ هل ذلك الشباب الذي تطحنه ظروفُ المجتمع الاستهلاكي وشروطُه، والذي مضى بعيداً في تطلعاته المشتقة من معطيات ذلك المجتمع.. هل هو على استعداد الآن لتحمُّل تبعات حروب جديدة، وتقديم تضحيات قاسية، والسير في طريق الصراع لعقود جديدة من الزمن؟! وهل التفكير بالحرب تفكير له ما يسوِّغه في عصر تعلن فيه القوى الفاعلةُ والمؤثرة في سياسة العالم وقراره بأنه مضى زمن الحروب؟! وهل نملك أدوات الحرب وعددها والقدرة على خوضها؟! وهل هناك من سبيل لاستعادة ما نريد استعادته بغير الحرب؟!
في معرض تلمُّس أبعاد السؤال الأول وما قد تبنى عليه الإجابة من معطيات، لابد لنا من التذكير بالأمور الآتية بإيجاز شديد:
إن حقوق الأمم والشعوب، لا سيما ما يتصل من تلك الحقوق بالأرض والمقدسات، لا يذهب بالتقادم، ولا يجوز التنازل عنه بسبب عدم قدرة جيل على استرداد تلك الحقوق أو بعضها.
إن فلسطين- كل فلسطين- أرض عربية: وهي أرض العرب العموريين بفروعهم، وفلسطين جزء من سورية الطبيعية ومن ثم بلاد الشام؛ ونحن عندما قاومنا الاستعمار ورفضنا مشاريعه وثرنا على تجزئته لوطننا وشعبنا لم نفعل ذلك لنقدس ما ترك لنا من تجزئته لوطننا وشعبنا .. لم نفعل ذلك لنقدس ما ترك لنا من تجزئة وأنظمة وحدود، ولا لنحتفظ بتفاصيل ما رسمه لنا من مخططات لا تهدف إلا إلى إضعافنا وتمرير مخططاته- مخططات الصهيونية- في وطننا.
فهل ترانا نقول في أي قطر عربي تنشأ فيه مشكلة تلك قضية ذلك القطر، ومادام فريق من أبنائه - يمثل أبناءه أو لا يمثلهم- قد اختار اختياراً فهو صاحب الحق في ذلك الاختيار؛ حتى لو كان اختياره يلحق أشدَّ الضرر بالأمة والحق التاريخي والمستقبل؟! إن قضية فلسطين منذ نشأت، والمشروع الاستيطاني الصهيوني منذ بدأ خطواته الأولى في ظل الإمبراطورية العثمانية؛ إن تلك القضية وذلك المشروع نشأا في الإطار القومي وفي إطار تخطيطٍ استعماريٍ شاملٍ لترسيخ ذلك المشروع، كما أن الوعي القومي كان يفترض أن تكون المسؤولية عن تلك القضية مسؤولية شاملة.
ولأنه لم تتم مواجهة قومية بالمعنى الصحيح والدقيق والشامل، فإن البعد القومي للقضية من جهة ودخول الصراع على أساس عربي شامل من جهة أخرى، هو مما يستدعي وقفة ومناقشة وموقفاً، لا سيما من قبل الشباب والمسؤولين عن الوعي والذاكرة والوجدان، عن التربية والسياسة والإعلام.
إن الأمم لا تتنازل عن حقوقها الثابتة وقضاياها العادلة لمجرد أنها أُرهقت، أو أُرهق جيل من أجيالها؛ ولا تنهزم الأمم وتيأس بسبب صراع عادل يقيمه الإيمان ويدعمه، وإنما يهزمها الإحباط والضياع وتفكك الأواصر وتفتت الإرادة وتشتت الرأي وزوغان الرؤية؛ وصراع أي أمة من أجل حق من حقوقها وعدم تنازلها عن ذلك الحق وتقديمها التضحيات من أجل استرداده كل ذلك يبني شخصيتها وقدرتها وخلقية أبنائها لتدافع عن كل حقوقها، ولتصون وجودها على مراحل من التاريخ، والتاريخ لا يتوقف عند الانتصار في قضية أو الانهزام في معركة فاحتمالات المواجهة بين الشعوب والأمم احتمالات مفتوحة دائماً، هكذا يفيدنا التاريخ، وهكذا ينبغي أن يكون الاستعداد.
وعليه فإن محاكمة جيل ما، أو فئة ما، لموضوع هذا الحق من حقوق الأمة أو ذاك يجب ألا تبنى على أساس التعب- والتنازل- والحسابات الآنية الضيقة الأفق، وإنما ينبغي أن تبنى على أساس من الوعي التاريخي والمستقبلي الشامل بالحق واستمراره وبالقدرة على استرداده والمحافظة عليه وامتلاك مسوغات الدفاع عنه ومقومات ذلك الدفاع.
إن الأجيال العربية لم تختر الحرب مع الصهاينة وإنما فُرضت عليها تلك الحرب فرضاً؛ وإن المشروع الصهيوني مشروع توسعي -استيطاني- استعماري مستمر، وهو مرحلي الأداء والخطط والبرامج، وكل مرحلة تهيئ لما بعدها، ولا مسوغ أبداً للقول بأن سلام- الاستسلام سوف يؤدي إلى سلام دائم في المنطقة، فإسرائيل ليست كياناً مسالماً، وجوهر الصهيونية معاد للسلام.
كما أنه لا يوجد منطق مقنع في القول: إن العالم اليوم ليس مع الحرب وأن عهد الحروب قد انتهى، وأنه علينا أن نخضع لمنطق القوة المنتصرة لأنه منطق العصر الذي أرسى أمور الدول والأمم والشعوب على ما آل إليه أمر العالم بعد انتهاء الحرب الباردة بانتصار الولايات المتحدة الأميركية على الاتحاد السوفييتي.
- فالحرب مستمرة على الحقوق والشعوب والدول الصغيرة والضعيفة بكل أشكالها: الحرب الساخنة والحرب الباردة، وحروب الاستنزاف الاقتصادي، وفرض التبعية وأشكال الغزو الثقافي، وإلحاق العالم برؤية وحيدة الطرف للعالم تفرضها مصالح الولايات المتحدة الأميركية، والقوى المتحالفة معها.
الحرب تشنها علينا نحن العرب " إسرائيل " والولايات المتحدة كل يوم، وعلى من لا يرى استمرارها أن يدقق جيداً ليراها ساخنة وباردة في كل الميادين تستهدف الأرواح والأرض والمقدسات والاقتصاد والثروات والطاقة والقرار السياسي والإرادة العربية، وتستهدف الشخصية الثقافية والعقيدة الدينية، والأجيال المقبلة تحديداً.
وإذا كنا نرفض الحرب ولا نؤمن بها، ونختار السلام- حتى لو كان البعض يختار سلام الاستسلام- فإن الحرب مستمرة ضدنا ـ ضده ـ مفروضة علينا بشكل أو بأخر، وإذا كنا نرفض الاستعداد لها هروباً من تحمل تبعاتها فإننا سنواجهها عاجزين؛ أمّا إذا أردنا الاستعداد لها ونتذرع بعدم القدرة على ذلك لأن الهوة أصبحت سحيقة بين تقدم الأعداء وتخلفنا نحن؛ فإن هذا المنطق يقود إلى ما يلي:
- اليأس فالهزيمة من الداخل قبل أية مواجهة.
- القبول بالذل وبكل ما ترمي الأمم إلى فرضه على العربي.
- انحلال الإرادة فالأمة، واحتلال الأرض، وجعل أبنائها عبيداً.
- عدم السير في طريق امتلاك القوة على أرضية العلم والإيمان تأسيساً على اليأس وهزائم الأعماق.
وكل هذا لا يؤدي إلى ما يشكل أية أرضية إنسانية سليمة من أي نوع لأفراد أو مجتمع أو أمة من أي نوع. فضلاً عن أن تلك حالة يراد فرضها علينا لإدخال اليأس على نفوسنا وجعلنا نتهاوى قبل هبوب الريح.
إن استعدادنا لدخول معترك امتلاك القوة على أرضية العلم والتَّقَانَة هو الأساس الذي ينبغي أن نبني عليه توجهنا وتربيتنا وقرارنا السياسي وعلاقاتنا الاجتماعية، لأن امتلاك القوة شرط من شروط قيام الأمم والدول، ومن شروط حماية وجودها وحماية مصالحها والدفاع عن حقوقها وثرواتها وحدودها، ولا يمكن أن تقوم توازنات مثالية في العالم دون روادع مادية، منها روادع القوة.
وما إعلانات الإمبريالية الأميركية- والصهيونية عن عالم بلا حروب، في الوقت الذي تشنان فيه الحروب من كل نوع على العرب، إلا استخداماً لأساليب الحرب النفسية في حرب ما زالت مستمرة ضد هذه الأمة.
وعلى من يريد أن يتقصى حقائق التوجه الاستعماري لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل أن يقرأ جيداً نتنياهو وما يمثل، وصموئيل هنتنغتون وما يمثل.
إن امتلاكنا للقوة أمر ضروري وحيوي لكل المواجهات المحتملة، وهو المخرج لنا مما نحن فيه من حالة استنزاف وخضوع وضياع؛ وانعدام التوجه نحو ذلك أو التشكيك في جدوى ذلك التوجه، هو ما يعمل على ترسيخه الطابور الخامس الذي يعمل بين ظهراني الأمة، بإيحاء وتمويل ودعم من القوى التي تشن علينا الحرب المستمرة، حرب الاستعمار والاستيطان والاستنزاف والتفتيت والتيئيس، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني.
أما سؤال هل ننجح في ذلك أم لا فهو سؤال المستقبل، ولا أومن بجدوى مصادرة المستقبل ولا أقر بحق أحد في فعل ذلك؛ ولدي كل ما يعزز الثقة بإمكانية الشباب العربي، من خلال قدرات الأمة وتوجهها السياسي العام، على تحقيق تقدم في هذا المجال والوصول إلى نتائج طيبة تؤدي إلى حماية الذات والحقوق، وصوغ مستقبل أكرم على أرضية الأمل.
ـ2ـ
في القسم الأول من هذا الموضوع "القضية والشباب العربي" طرحت سؤالين، تلمست الإجابة على أحدهما، وبقي الثاني قيد المتابعة وهو:
" هل الشباب العربي المنهك حتى العظم بقضايا مثل: تأمين فرصة عمل، والمسكن، وإقامة الخلية الاجتماعية "الأسرة" وتأمين لقمة العيش، والوصول إلى نوع من العلاقات السليمة في مجتمعه: سياسية- اقتصادية- اجتماعية توفر له قدراً من الرجاء، هل ذلك الشباب الذي تطحنه ظروف المجتمع الاستهلاكي وشروطه، والذي مضى بعيداً في تطلعاته المشتقة من معطيات ذلك المجتمع.. هل هو على استعداد لأن يتحمل تبعات حروب جديدة، وتقديم تضحيات قاسية، والسير في طريق الصراع عقوداً جديدة من الزمن؟! وهل التفكير بالحرب تفكير له ما يسوّغه في عصر تعلن فيه القوى الفاعلة والمؤثرة في سياسة العالم وقراره، أنه مضى زمن الحرب؟! وهل نملك أدوات الحرب وعددها والقدرة على خوضها؟! وهل هناك من سبيل لاستعادة ما نريد استعادته من حقوق بغير الحرب؟!.
أبدأ من حيث انتهيت في تفريعات هذا السؤال مؤكداً حقيقة تعززها استقراءات عديدة للحوادث والتجارب والمسجل من خبرة الإنسان والمتناقل الراسخ في التقاليد منها، وهي أن حقاً لا تدعمه القوة معرض للضياع، وأن قوة لا تستند إلى الحق قد تغير الواقع وتفرض حقائقها. وإذا ما تمكنت قوة غاشمة من فرض واقع على الأرض وعززت فعلها ذاك بإعادة تكوين الذاكرة والوجدان لدى أجيال أصحاب الحق، فإنها تلغي حضوراً لتاريخ وتحيّد فعاليته، وتمهد لصنع تاريخ يملك قوة التأثير ما استمرت قوتها في الحضور عبر الواقع الجديد الذي خلقته.
وإن بقاء الحق حياً في وجدان أهله وذاكرتهم، وبقاء التاريخ حاضراً مؤثراً يؤدي حتماً إلى فعل يتنامى ليملك قوة تعيد تغيير الواقع ليستعيد التاريخ سياقه الطبيعي.
وعليه فإن صاحب الحق المنتهك مطالب بأمرين رئيسيين:
- إبقاء التاريخ فاعلاً عبر تكوين مستقر للذاكرة والوجدان.
- السعي لامتلاك قوة تمهد لاستعادة الحق وإعادة السياق الطبيعي للتاريخ.
ولن يكون ذلك دون امتلاك قوة معنوية ومادية، ولن يتحقق ذلك دون خوض صراع من أوجهه المشروعة والمقرة تاريخياً: الحرب. ولن تتراجع قوة غاشمة عن غيها وعما حققته باستعمال العنف إلا بتأثير قوة تجعلها تراجع حساباتها وتضع حداً لعدوانها عبر تدقيق في موازين القوى ونتائج الاشتباك، وإذا لم تفعل ذلك سلماً أُجبرت على فعله بالحرب.
وعليه فإن القوة هي عنصر الحسم الأول وأداته، وهي التي تردع نزوعاً عدوانياً متنامياً، أو تجبر صاحبه على التعقل بتأثير الخوف أو الحسابات الدقيقة لنتائج الأفعال التي يفكر بالإقدام عليها، وهي التي تضع حداً للأطماع التي تحرك الأقوياء لابتلاع الضعفاء أو إخضاعهم؛ وربما من هذا المنطلق تساعد- في عالم نشأ على مقولات القوة ونتائجها- على لجم الطيش والعودة إلى العقل من جهة، وإلى تدفقه على أرضية الطغيان من جهة أخرى، أي لدى فقدان القوة الرادعة.
فالقوة لا توقف زحفها إلا قوة، وما أخذ من حق بالقوة لا يعيده إلاّ تأثير قوة! إن سلماً وإن حرباً؛ وتاريخ الأمم حافل بالصراع من أجل الحقوق، ولكن لا يوجد في التاريخ إلا استثناءات لا يعتد بها، أعاد فيها قوي حقاً لآخر تحت تأثير الحكمة ومحبة السلام، وما يتم من ذلك دون حروب يتم حتماً تحت تأثير موازين القوى وحساباتها.
وانطلاقاً من ذلك، وبناء على تجاربنا مع العدو الصهيوني عبر تاريخ الصراع المرير المديد، واستناداً إلى مسيرة "السلام" الخائبة التي بدأت رسمياً منذ مؤتمر مدريد، نرجح أن استعادة حقوقنا المغتصبة وأراضينا المحتلة من قبل الكيان الصهيوني لا تتم بغير حرب، والحرب لا تتم من دون امتلاك لأدواتها وفي مقدمتها القوة بأنواعها.
فهل نملك أدوات الحرب وعددها والقدرة على خوضها؟!
إن مؤشرات ميزان القوى بين العرب والكيان الصهيوني تشير إلى امتلاك العرب لقوة تقارب قوة العدو في مجال الأسلحة التقليدية؛ وهناك تفاوت لمصلحة أحد الطرفين في بعض الأسلحة. أما الأسلحة والمعدات وأنواع القوة الأخرى التي تدخل في مجالات ما هو غير تقليدي من الأسلحة: أي تلك التي توصف بأسلحة التدمير الشامل، فإن العدو يملك منها ما لا نملك، وعلى رأس ذلك السلاح النووي؛ كما يملك الأسلحة الكيمياوية التي يملك بعض العرب شيئاً منها، وله في مجال أقمار التجسس والتصنيع الحربي، ووسائل الاتصال، والقدرة المعلوماتية الحديثة ما يتفوق به على العرب؛ وإذا أضفنا إلى ذلك الدعم غير المحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة الأميركية له، وما يقدمه الغرب له عند الضرورة، وقدرة رأس المال والإعلام المهيأة لتعزيز قدرته، أدركنا أن ميزان القوى مختل لمصلحة الكيان الصهيوني.
وتتجسم هذه الفجوة بيننا وبينه في ضوء المعطيات الآتية:
1- إن ميزان القوى الذي تُقدَّم لنا مؤشراته يقوم على ما يملكه العرب من مقومات القوة العسكرية في مقابل ما يملكه الكيان الصهيوني، ولكن العرب ليسوا رأياً واحداً وقراراً واحداً وقلباً واحداً في الحرب، ولم يكونوا كذلك في أية معركة خاضتها بعض الأقطار باسم القضية وحق الأمة ضد العدو الصهيوني. وعلى ذلك فإن الحساب ينطوي على خلل، وتقوم به مراكز الدراسات العسكرية والجهات المعنية بهذه الأمور لإحداث المزيد من التضليل ولإيجاد مبررات أكثر لدعم قدرة الكيان الصهيوني القتالية، وتعزيز عدوانه واستيطانه ومشاريعه التوسعية.
2- إن العرب لا يملكون مصادرهم المضمونة من الأسلحة التقليدية؛ فهم لا يصنعونها من جهة، ويعتمدون في تأمينها على الغرب صاحب القرار والموقف المنحاز لمصلحة العدو الصهيوني من جهة أخرى. وعلى ذلك فإن الخلل سيبقى مستمراً في مجال تأمين الأسلحة التقليدية وصيانتها وتحديثها ما لم يملك العرب قدرة على التصنيع الحربي تمكنهم من تحرير قرارهم بتأمين مطلق لاحتياجاتهم، ولن يتأتى لهم ذلك من دون قرار سياسي وقدرة اقتصادية وتحالفات متينة تمكنهم من نقل التكنولوجيا وتوطينها في أرضهم وقيادتها - في كل مراحلها- من قبل أبنائهم.
3- إن العرب لا يأخذون بخيار القوة لتحرير الأرض، ويأخذون بخيار التسوية أو التصفية وما إلى ذلك من تعابير تدل على توجهات ثابتة: أو استراتيجية كما تقول قراراتهم وعليه فإن مجرد التوجه الشامل نحو امتلاك قوة تعزيزاً لأحد اختياري الحسم: سلماً أم حرباً، غير موجود في صلب القرار والإرادة لدى الأقطار العربية بقدر متوازن وبشكل مستقر وبتوجه ثابت.وهذا بحد ذاته يجعل التوجه نحو ذلك الاختيار الحيوي مفقوداً أو ضعيفاً إلى درجة الهزال.
وهذا كله، في نهاية المطاف، يجعل ميزان القوى مختلاً- على أرض الواقع وفي صلب التوجهات السياسية والفكرية والاستراتيجية العربية- لمصلحة العدو الصهيوني الذي يعزز قدراته القتالية في كل ساعة ويعزز صناعاته العسكرية، التقليدية وغير التقليدية، وهو يتبجح بالسلام وبتوجه ثابت نحو السلام.
ولا نجد في منطقه ذاك خروجاً على طبيعته، ولا تراجعاً عن برامجه المعلنة، ومشروعه المستمر: فطبيعته عدوانية عنصرية، وبرامجه الاستيطانية مستمرة عبر خطة واضحة لإسكان خمسة عشرة مليوناً في الأرض العربية المحتلة وتلك المرشحة للاحتلال أو الاستيطان، ومشروعه الاستعماري ماضٍ نحو أهدافه في الهيمنة على الوطن العربي أمنياً وسياسياً واقتصادياً. وسواء تحقق ذلك بالحب أم بالسلم، فهو يريد تحقيقه على أرضية امتلاك القوة وتعزيزها؛ وذاك منطق يستفيد من قراءات للتاريخ على أرضية رفض للأخلاق واستهتار بالحقوق المشروعة للشعوب، وأخذٍ بمقولات حق القوة، وإزراء بقوة الحق وما يستند إليه الحق من أخلاقيات وروحانيات.
وهذا الواقع الذي يسعى بأنياب وأظافر، ويجرحنا بشفراته صباح مساء، ويجعلنا ننزف كل يوم، وتختطف من بيننا أرواح كل يوم، وتستنزف طاقتنا على غير هدى في كل لحظة؛ هذا الواقع يجبرنا على مواجهة شق جوهري من السؤال الذي طرحنا: أعني: هل التفكير بالحرب تفكير له ما يسوغه في عصر تعلن فيه القوى الفاعلة والمؤثرة في سياسة العالم وقراره أنه مضى زمن الحرب؟!
إن الحقائق المحيطة بنا، وما يجري فعلياً على أرضنا، أرض الأمة العربية كلها، وما يخطط لنا؛ كل ذلك يشير إلى أن الحرب أو الابتزاز باسمها، أي التهديد بالقوة وإحداث شعور بضرورة الاختيار بين القهر أو الموت؛ تحت تأثيرها، من الأمور القائمة والمستمرة، ولا يفيدنا فعل النعامة شيئاً، فرأس في الرمل وعينٌ مغمضة لا تعنيان غياب الجسم الحي المكشوف تحت الشمس.
إن الحرب، أو تحقق نتائجها تحت ظلها الأسود، أمرٌ مفروض علينا؛ وإن الحرب لم تلغ من التاريخ البشري الراهن، وإن القهر والاستغلال والنهب وحتى القتل الذي يتم باسمها أو تحت مظلتها من الأمور المستمرة في عالم اليوم الذي يعاد ترتيبه تحت تأثير القوة ولمصلحة من يملكها ومن اشتط كثيراً في توظيفها ليحقق أطماعه ومصالحه وشهوة التسلط لديه.
وإذا كانت الحرب مستمرة ضدنا بأشكال مختلفة، وتشن علينا يومياً: سراً وعلناً، فما معنى أن نبتلع الوهم الكبير الذي يرمي إلى تخديرنا للفتك بنا، ونسكت على الكذبة التي تكبر وتتدحرج في شوارعنا ومعارج نفوسنا، وتزداد ثقلاً واتساخاً كل يوم، وتخنق الأمل والإرادة في أعماقنا؟!
إن معناه ألا نستعد لمواجهة ما يراد بنا، وأن نخضع لما يراد لنا، وأن نقدم ما يطلب منا، وأن نزداد تهافتاً وضياعاً وعجزاً، وأن نغرق تماماً في أعماق التيه، وأن نخسر العامل الأهم: عامل الزمن، ليحقق أعداؤنا تفوقاً نهائياً ونرتمي نحن في مستنقع استسلام نهائي.
إن الحرب النفسية والإعلامية والثقافية والسياسية والاقتصادية مستمرة ضد أمتنا، ومستمر ضدها النخر والتخريب والتفتيت، في الوقت الذي يزداد فيه قضم الأرض ونهب الثروات، والسيطرة على القرار، وتعزيز الحضور الفعلي للقوة العسكرية الغربية- الصهيونية بأشكال مختلفة؛ كما تستمر الحرب الساخنة، والحرب السرية القذرة ضد من يقاومون المشروع الصهيوني واتفاقيات الإذعان ووجود الاحتلال ومشاريع الغرب لتخريب البُنَى العربية.
الحرب مستمرة بكل الأشكال وغيابنا أو تغييبنا عن حقائقها هو أعتى أشكال تلك الحرب، وعلينا أن نستيقظ لنتخلص من ذلك الكابوس ولنحس الرؤية.
إننا لا نعشق الحرب، ولا نريدها، وليست لنا أطماع مرضية وتطلعات طغيانيَّة، نحققها بواسطتها، ولكنها مفروضة علينا من الطغاة والمستعمرين والعنصريين والحاقدين على أمتنا وقوميتنا وعقيدتنا، والمنكرين لتاريخنا ولدورنا الحضاري.
بقي أن نسأل بعد ذلك: ما هو الثمن؟! وهل هناك أمل؟! وهل من جدوى لما قد نأخذ به من توجه؟! وعلى عتبة هذا التساؤل أقول: الإنسان ليس مجرد معدة، والأمم ليست قطعاناً، والحياة ليست كأي نوع من الوجود، وحضارات الأمم وعقائدها وشخصياتها الثقافية ليست غباراً؛ والوجود الآمن والكريم لفرد أو مجتمع أو وطن أو أمة لا يتحقق في هذه الغابة البشرية من دون ثمن؛ وما لا يريد أن يدفع ثمن الحرية والكرامة والأمن والحضارة سيجد نفسه خارج ذلك كله، ويمكن أن يعيش عيش السائمة، وهو الذي يقرر ويختار، ولكل اختيار قيمة وثمن.
والثمن قد يكون باهظاً، ولكن الأمل موجود لمن يقرر أن يدفع ثمن الوجود الحي والكرامة؛ فالإنسان لا يخوض صراعاً من أجل أهداف إنسانية مشروعة دون ثمن ودون أمل؛ أما موضوع الجدوى وسائر التبعات، فلذلك مجال آخر إن شاء الله.
دمشق 14/5/1997
الأسبوع الأدبي/ع559،561//3،17/آيار/1997.
|