|
التـهديد والتحدي
الكيان الصهيوني يطلق تهديدات متتالية ضد سورية، ويعزز قدراته القتالية وتحالفاته الاستراتيجية في الوقت الذي يتابع فيه عمليات التوسع والاستيطان؛ ويقوم بمناورات عسكرية يعد لبعضها بتعاون وطيد مع القوات التركية والأميركية .
ويركز في هذه الأيام، التي يحيي فيها ذكرى الكذبة - الأسطورة، ذكرى إبادة " ستة ملايين "يهودي على أيدي النازيين، يركز على امتلاكه قوة عسكرية وأسلحة ذات قوة تدميرية شاملة، وعلى حقه في أن يمتلك من ذلك الكثير لأنه بهذه الوسيلة استطاع أن يفرض وجود " إسرائيل " وأن يفرض سلاماً على بعض العرب، كما يقول بملء الصوت، وأن هذه الوسيلة: القوة هي الكفيلة بجعل الآخرين ينصاعون لمعطيات العصر " الإسرائيلي " ومقولاته وسياسته.
وينبغي ألاّ نضخم ذلك التهديد إلى حد التهويل والفزع، فنحن نعرف أهداف العدو وحروبه النفسية، ونعرف جيداً أسطورة الجيش الذي لا يهزم وكيف انهزم في حرب تشرين. وكان يمكن أن تكون هزيمته نهائية لولا الدعم الأميركي المنقطع النظير في تلك الظروف، وما بيّته السادات من خطط ترمي إلى تحريك القضية وليس إلى تحرير الأرض العربية المحتلة وحسم الصراع مع العدو لمصلحة الأمة .
نعم ينبغي ألا نضخم ذلك التهديد، فلدينا خبرة وقدرة وثقة بالنفس والحق، ولكن ينبغي أيضاً، وبالقدر ذاته من الأهمية والاهتمام، ألا نقلل من شأن ذلك التهديد ومما يقوم به العدو من إعداد واستعداد وتهيئة لمناخ سياسي وإعلامي يكون ملائماً لتحقيق خططه وأهدافه، ولا سيما جهده الذي ينصب على موضوع تطوير الأسلحة وإنجاز البرامج العلمية والعسكرية التي تعزز قدراته النووية وغير النووية وتمكنه من امتلاك أسلحة تؤمن له تفوقاً مطلقاً ورداً محكماً على ما يفترض وجوده من أسلحة لدى (الغير) .
وهنا تبرز بإلحاح قضية فضح توجهات العدو التوسعية والعدوانية وتعرية ما يرمي إلى تحقيقه من أهداف وخطط من جهة؛ وإيجاد مصادر إسناد وتسليح ودعم عربية ودولية تمكننا من حشد طاقة لا غنى لنا عنها لرد كل عدوان محتمل ومواجهة التهديدات بثوابتنا المبدئية وحقوقنا التاريخية.
إن التسيق العربي والتضامن ولو في حدوده الدنيا وقيام مسؤولية قومية في كل موقع قادر على الأداء، كل ذلك لابد من التركيز عليه، لأن حلقة الأصدقاء تحمي وتعزز الثقة والقدرة.
بعد أسابيع يقيم العدو الصهيوني مع حليفه التركي والأميركي مناورات بحرية في المتوسط، ولا يخفى على أحد أنها موجهة لتهديد سورية ولاستعراض قوى بحرية عملت تلك القوى على تطويرها لتؤدي دوراً عملياتياً وسياسياً في الضغط على جبهة لا تتوفر لها إمكانات الأسطول الأميركي والغواصات النووية التي حصلت عليها " إسرائيل " من ألمانيا / ثلاث غواصات / بعد حرب الخليج الثانية، وأسلحة بحرية أخرى من مصادر متعددة.
وفي جبهة البر والجو من الشمال والجنوب يعمل العدو الصهيوني على حشد قوى في الهجوم والدفاع، بالتعاون مع تركيا والولايات المتحدة الأميركية؛ يرمي إلى جعلها مؤثرة تماماً في المواجهة ليس في سورية فقط وإنما في دول قد تفكر بمساعدة سورية مثل إيران .
وهذا التخطيط العدواني يبيّت ضربة محتملة تبدأ من لبنان أو من أي موقع آخر ليجبر سورية على القبول بما لا يمكن القبول به، ويرمي إلى أن يجعلها معزولة وعاجزة.
لقد رد الرئيس الأسد على هذا التهديد بثقة في مؤتمره الصحفي الأخير مع الرئيس مبارك في القاهرة، وقال :" إن سورية لم تشعر بزلزال ولن تشعر به " وهذا هو جوهر الثقة الذي ننطلق منه، ولكن العدو المدجج بالأسلحة لا يكتفي بالتهديد، ولا يتوقف تهديده عند تطلع محصور بإملاء مواقف وسياسات، وإنما يذهب في الأهداف والتطلعات إلى حد منعنا من امتلاك أي سلاح وتهديدنا بالتدمير بحجة أننا نمتلك أو نعمل على أن نمتلك أسلحة كيميائية، في حين يمتلك هو الأسلحة النووية ويطور الصواريخ والطائرات كما يمتلك الأسلحة الكيميائية.
وعند هذه النقطة نجد أن الأمر لا يتوقف عند حدود الصراع الحالية، عند الأرض المحتلة والمطالبة باستعادتها، وإنما يمتد ليشمل المستقبل. فالعدو يريد أن يحرم سورية وأي بلد عربي أو إسلامي من امتلاك سلاح استراتيجي رادع في المستقبل سواء أكان ذلك على أرضية السلم أم على أرضية الحرب .. والتالي أنه يريد ألا تقوم لأحد قوة في المنطقة ليبقى الجميع قيد حصاره وتهديده وسيطرته المطلقة.
وهو يرمي إلى منع أي دولة عربية أو إسلامية، لا سيما سورية، من امتلاك قوة تمكنها من التفكير مستقبلاً بالخروج على الهيمنة والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، ليجبرها على أن تكون جزءاً من أدوات العصر الصهيوني مستقبلاً.
فالرهان إذاً ليس على الحاضر، واستعادة ما احتل من أرض وما انتهك من حقوق في الماضي. إن الصراع يشمل المستقبل كله، ويشمل تخطيطاً شاملاً للسيطرة على الاحتمالات كلها التي تكمن في أسرار الغيب .
وهذا الأمر يطرح الموضوع علينا كعرب بشكل واضح وسافر لنختار الاختيار الذي يتوقف عليه وجود نوعي لنا، وضمان لحق أي حق ننادي به، كما يتوقف عليه كل ما يتعلق بالكرامة والشخصية والحضور الفاعل بين الأمم .
فهل نفلح في مواجهة على أرضية العلم والإيمان وامتلاك مقومات القوة وأدواتها، تلك التي لا يقوم وجود فاعل من دونها ؟!.
السؤال بثقله، والتحدي بأبعاده جميعاً، ملقيان علينا. على عقولنا وضمائرنا..على وعينا وانتمائنا القومي...على وجودنا التاريخي، وتطلعنا المستقبلي كله. فما بين التهديد وتحدي التهديد : نكون أو لا نكون .
دمشق 6/5/1997
الأسبوع الأدبي/ع560//10/آيار/1997.
|