|
أسئلتنا الجذرية وأجوبتنا المسؤولة
"رزمة أوسلو تفككت" على حد تعبير مارتن انديك سفير الولايات المتحدة الأميركية في الكيان الصهيوني، والذين يرفضون لملمتها وإنعاشها ليسوا الفلسطينيين الذين وقعوها، بل "الإسرائيليون" الذين فرضوها ثم رفضوها بعد أن حققوا أغراضهم منها؛ وعلى رأس ما حققته لهم من أغراض:
أ- اعتراف معظم العرب "بإسرائيل" رسمياً أو ضمنياً.
ب- تبدل الموقف الدولي من الكيان الصهيوني على أرضية ذلك الاعتراف والإعلان الذي مهد له، وهو القائل بأن القضية الفلسطينية سويت وأن "السلام" حل في فلسطين، وبين العرب والصهاينة أيضاً.
جـ- انكشاف البيت الفلسطيني من الداخل أمام الكيان الصهيوني، ولا سيما بنية منظمة التحرير، وكذلك البيت العربي الذي ازداد تداعياً بعد تدخل "إسرائيل" المباشر في شؤونه.
ولأن "إسرائيل" ومِن ورائها الولايات المتحدة الأميركية، اكتشفت نقاط الضعف في الأشخاص والمواقع والسياسات والعلاقات والتوجهات /عربياً/ فإنها أخذت تعيد النظر بحساباتها وسياساتها على أرضية تعزيز الصهيونية: نظرياً وعملياً.. روحياً ومادياً، وتحقيق نقلة نوعية سريعة في الأداء الاستعماري ضمن هذه المرحلة من مراحل المشروع الصهيوني.
وهكذا تسارعت أعمال ومطالب "إسرائيلية" منها:
1- توسيع الدائرة الجغرافية للقدس والإسراع في تهويدها، وإخلائها من سكانها من العرب إن أمكن.
2- التمهيد لإحداث خلخلة أو زلزلة في الأبنية العربية: الإسلامية والمسيحية في القدس، ولا سيما المسجد الأقصى، وذلك تمهيداً لإقامة الهيكل في الذكرى الألفية الثالثة لما يسمونه "مدينة داود".
3- الاستيطان السرطاني في مناطق الضفة الغربية، وامتلاك الأراضي وهدم البيوت الفلسطينية.
4- جعل عربة الحقد والموت تدور داخل المجتمع الفلسطيني بفعل سلطة الحكم الذاتي حيث يطلب من السلطة إثبات قدرتها ومصداقيتها في القضاء على التيار الفلسطيني المناوئ لأوسلو داخل فلسطين ثم خارجها، وتحول صراع الفلسطينيين التاريخي ضد العدو الصهيوني وتحويل بنيانهم النفسي والوجداني وكذلك صراعهم من التمركز حول القضية الفلسطينية ومطلب التحرير وتقرير المصير بحرية واستعادة الأرض والحق والكرامة؛ إلى صراع داخل المجتمع الفلسطيني.
- سلطة ومعارضة، وحدة وتعدد، عسكر وحرامية..الخ- للوصول بالأجيال الفلسطينية إلى نوع من الإلهاء والإحباط والنسيان في آن معاً.
وإذا نجح الكيان الصهيوني في تنفيذ الأعمال العاجلة المدرجة على جدول أعمال الحكومة في هذه المرحلة، وكذلك في تحقيق التحول في توجه المجتمع الفلسطيني واهتماماته؛ - والقرائن تشير إلى أنه سينجح في ذلك كله مع وجود استعداد غير محدود لدى سلطة عرفات لاستبدال القدس بمطار تحت السيطرة الإسرائيلية التامة يقلع منه بطائرة ويهبط فيه- إذا نجح في ذلك فإنه سيقسم المجتمع الفلسطيني نهائياً إلى قسمين أو أكثر، لكل قسم منه سياسات وتوجهات واهتمامات وبرامج مغايرة لتلك التي للآخر أو مناقضة لها، مما يؤسس لصراع فلسطيني- فلسطيني وفلسطيني- عربي، وعربي- عربي حسب الدعم والولاء والتبني، وهذا هو المطلوب صهيونياً وأميركياً.
وعلينا /فلسطينياً وعربياً/ أن نعي ذلك وندركه جيداً، وأن نواجه هذا الواقع من جهة، وذاك الرهان الصهيوني من جهة أخرى.ولن نصل إلى نتائج إيجابية- فيما أرى وأقدر- على الصعيدين: الآني والمستقبلي، التكتيكي المرحلي والاستراتيجي المبدئي، ما لم نطرح على أنفسنا أسئلة جذرية نتحمل مسؤولية الإجابة عنها بإدراك تام شامل لتبعات ذلك واستحقاقاته ومستلزماته.
وعلى رأس تلك الأسئلة:
- هل أوسلو- حتى لو انتعشت هي حل ممكن ومقبول فلسطينياً وهي تنص على عدم إمكانية عودة أكثر من نصف الشعب الفلسطيني إلى فلسطين /عرب 48و67/؟! وهل أهل أوسلو يمكن أن يعودوا إلى حضن الثورة وطريقها إذا اكتشفوا خيبتهم وواجهوها؟! وهل يكونون قيادات ثورة ما بعد أوسلو- إذا قامت- أم يلتحقون بقياداتها؟!
- هل المشروع الصهيوني تغير أو يمكن أن يتغير سواء في سياسات العمل أو الليكود، ليتوجه نحو سلام حقيقي في المنطقة؟! وما هو السلام الحقيقي أصلاً؟! هل هو ذاك الذي يعطي فلسطين للصهاينة ويبقي للفلسطينيين سلطة جمع القمامة وقمع الشارع أم هو سلام يستقر فعلياً باستقرار الشعب الفلسطيني كله سيداً فوق أرضه التاريخية؟! وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر جذرية وهو: هل يمكن التعايش أصلاً مع المشروع الصهيوني- العنصري- الاستيطاني، فلسطينياً وعربياً؟! وهو مشروع يهدف إلى تحقيق غاياته الاستعمارية الكبرى عبر نقاط مرحلية مدروسة؟!
وإذا كان الجواب سلبياً: أي أنه لا يمكن التعايش مع الكيان الصهيوني ومشروعه الاستعماري، فما هو السبيل لمواجهته؟! هل يكون ذلك بالرفض الكلامي ومضغ العجز ومراكمة التخلف والذل، أم باختيارات أخرى تمكن من السير في طريق الإعداد والاستعداد لمواجهة واعية بأدوات علمية وإمكانات عملية تحقق نتيجة إيجابية ولو بعد قرن من الزمان؟!
ومن أين نبدأ تلك المسيرة، مسيرة المواجهة؟! هل نبدأ من الشارع العربي الراهن المخترق بأشكال مختلفة، اللاهث وراء الأمن من جوع وخوف وسراب الحرية والكرامة، الغارق في أزمات وإحباط وصراعات شتى؟! أم يكون ذلك ابتداء من المدرسة والطفل والجيل الصاعد؟! ومن الذي يشرف على المدرسة والطفل والجيل أليس هم الغارقون في شواغل الوضع الراهن ومآسيه وصراعاته وفساده؟!
إذن؟! هل أسئلتنا تسد المنافذ أم أنها تدقق في الوقائع لتجد المخرج؟ وهل تراكم اليأس أم تبحث عن الأمل بواقعية جارحة؟!
لن يأتينا الخلاص إلا من أنفسنا ومن داخلنا، وكل خلاص مستورد له ثمن، وقد يكون الثمن أشد فداحة من الثمن الذي يعرض علينا الآن في محنتنا الحاضرة وامتحاننا في صراعنا مع العدو الصهيوني.
لن يكون الخلاص إلا من داخلنا، بالاعتماد على وعينا وإيماننا وإمكاناتنا وصداقاتنا وثرواتنا؛ ولكن كيف السبيل إلى بداية نظيفة تمهد طريق السلامة والخلاص؟!
لا أرى سوى الاعتماد على دور الثقافة التي تشكل رافعة وعي معرفي منقذ من جهة ومسؤولية قومية عن الحاضر والمستقبل وأمانة التاريخ من جهة أخرى، ولا أرى سنداً ومحشِّداً للثقافة في أدائها، وعامل مصداقية لها سوى المقاومة المستمرة للعدو، بالسلاح والوعي، حيث تجدد المقاومة استمرار الحق والتعلق به وتشد الوجدان القومي وتنبهه وتحيي الذاكرة وتغنيها، وتستلهم الثقافة من المقاومة أداءً نوعياً وإبداعاً في المجالات كلها بغية الوصول إلى استعادة الثقة ومواصلة السير على طريق العلم والعمل به من أجل امتلاك القوة المحررة، وتحرير الإرادة الخلاقة التي توظف القوة توظيفاً بناءً.
إن لدى شعبنا الإيمان والقدرة والأمل، وما زالت هناك عناصر كثيرة قادرة على أن تبدأ السير في طريق البناء الصحيح، نعم لقد تراكم الردم فوق جوهر كثير من النفوس ولكن ذهبها لم يصدأ و لن يصدأ.وعلينا أن نختار بسرعة، ونعرف معنى اختيارنا وتكاليف ذلك الاختيار، والمدى الذي علينا أن نذهب إليه والثمن الذي لا بد من دفعه نتيجة ذلك الاختيار.
ولنسر من بعد بخطاً ثابتة، بطيئة ربما، ولكن ثابتة، لا تراجع فيها ولا كساح، لنقطع مفازات لا بد من قطعها بالنسبة إلى الأمم التي لا تقاس أهدافها وأعمار صراعاتها بأهداف الأشخاص وعمر صراعاتهم وقصر نظرهم وما يصابون به من إرهاق؟! الأمة تاريخ ممتد في الماضي ومستمر في المستقبل، وهي شعب وحضارة، أجيال وأرض، شخصية وكرامة، وعليها أن تهيئ لماهيتها وشخصيتها وبقائها قوة تحمي وتحرر وتحفظ الثقة والكرامة، وليس لنا من خيارات منقذة سوى خيار الدفاع عن البقاء والحق، وامتلاك وسائل ذلك الدفاع وأدواته، والاقتناع بإمكانية تحقيق ذلك والعمل من أجل تحقيقه، وإلا فهناك ظلام مريع ينتظر من يتطلعون إلى غد مشرق، وهناك ذل لا حدود له أمام من يتعلقون بالكرامة ولا يملكون مقومات تحقيقها والحفاظ عليها.
فلنلق أسئلتنا الجذرية، ولنبحث بشجاعة عن أجوبتها، ولنتحمل مسؤولية الاختيار، فليس أمامنا سوى تلك المواجهة، وكل تأخير لها وللأداء على طرقها خطأ فادح ينطوي على خطر أفدح.
دمشق في 20/5/1997
الأسبوع الأدبي/ع562//24/آيار/1997.
|