|
دروس من مأساة حــزيران
تجتاحنا اليوم مرارة الذكرى الثلاثين لمأساة حزيران وتعتِّق في حلوقنا الغضب والألم وشيئاً نادراً من الإحباط. فعدوان الساعات الست الأولى من صباح الخامس من حزيران، مكَّن العدو الصهيوني الذي شنه على المطارات بدعم شامل من حلفائه الغربيين، مكّنه من استباحة الأجواء العربية ومهد لاحتلاله أرض سيناء والضفة الغربية والجولان وشرقي القدس، ومكَّنه من توجيه ضربة أقسى للهيبة العربية وللحلم والوجدان العربيين. ولا أذكر أن في تاريخ الأمة العربية لحظة ذروة تعانق فيها القهر والتصميم على قهر القهر، كتلك التي وصلت إليها يوم أعلن عبد الناصر مسؤوليته عن الهزيمة وأعلنت الجماهير العربية تمسكها به قائداً ليصنع النصر. لم تكن مصر وحدها هي التي تزحف وتهتف وتبكي، بل كانت قلوب الناس في الوطن العربي كله، تزحف وتهتف وتبكي.
لقد رد الشارع العربي على الإهانة بقرار واضح هو التمسك باختيار التحرير، وإبقاء رموز العمل القومي من أجل الوحدة والتحرير على رأس تلك المسيرة التي أراد العدو الصهيوني وحلفاؤه القضاء عليها.
وحين أعلن موشيه دايان، من موقع صلف وغرور عاشهما الكيان الصهيوني حتى حرب تشرين، حين أعلن في اليوم التالي لحرب حزيران قائلاً: "إنني أنتظر اتصالاً هاتفياً من الملك حسين، لسنا في عجلة من أمرنا، إذا كان العرب يريدون التفاوض فهم يعرفون بأي رقم يتصلون".
ولم يتصل عبد الناصر كما لم يتصل أي مسؤول في سورية، أما الملك حسين فلم يكن بحاجة إلى مثل ذلك التذكير من دايان فهو على اتصال سري رسمي بهم منذ عام 1963. وبدأ الاستعداد للرد على عدوان حزيران بإعداد الذات والقدرات، لا سيما على الجبهتين المصرية والسورية؛ وبدأ بالمقابل تحصين العدو لمواقعه التي احتلها فأشاد خط بارليف على قناة السويس بارتفاع 15 إلى 25 متراً وعرض ألفي متر وتحصينات مذهلة، وجدار ناري يغطي قناة السويس بأمواج من اللهيب النفطي عند الضرورة. ولم تكن تحصيناته على الجبهة التي أقامها في الجولان المحتل بأقل من تلك التي أقامها على قناة السويس. وأكثر ما هيأه العدو كان أسلحة متطورة على رأسها الطائرات وعتاداً حربياً، يتدفق كل ذلك عليه من الغرب الاستعماري، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، من دون حدود أو قيود.
كان العرب الذين نذروا أنفسهم للتحرير واستعادة الحق والكرامة يعملون في اتجاه، والعرب الذين نذروا أنفسهم لخدمة العدو وإضعاف أمتهم يعملون باتجاه آخر، على أرضية ما خلفته حرب حزيران من مآسي وما تركته من وقائع على الأرض. وفي الوقت الذي أدخل فيه عبد الناصر اثنتي عشرة بطارية صواريخ سام مضادة للطائرات ليردع العربدة "الإسرائيلية" في الأجواء المصرية، ويهيئ عملياً للوضع الذي حقق نجاح العبور في حرب تشرين؛ كان الملك حسين "يسر لرئيس وزراء " إسرائيل " إيغال ألون في لقاء سري تم بينهما على ضفاف البحر الأحمر أنه لا يستطيع القيام بأية مبادرة سلام مع " إسرائيل " قبل أن يضع حداً أولاً للسلطة التي تمارسها المنظمات الفلسطينية على أراضيه وبشكل موازٍ لسلطته".
وكانت معركة الكرامة التي قاتل فيها الجيش الأردني بشرف وشهامة واقتدار ضد العدو الصهيوني الذي أراد أن يفاجئ قوات منظمة التحرير ويبيدها، كانت مدخل " إسرائيل " -بالتواطؤ مع الملك- للتخلص من الوضع الذي خلقته المنظمة في الأردن وهو الذي يمنعه من "القيام بأية مبادرة سلام مع إسرائيل".
إن غياب الضابط الأردني المسؤول عن كتيبة الدبابات المرابطة بالقرب من الكرامة والذي كان قد أمر بترك الرَّتْل " الإسرائيلي " يتقدم، وحلول ضابط أردني آخر محله لسبب طارئ، وهو الأمر الذي لم تعلم به القيادة العليا، هو الذي جعل الجيش الأردني يخوض معركة مشرفة يلقن فيها العدو الصهيوني درساً قاسياً ويرسم على وجوه القيادات الصهيونية الدهشة من مفاجأة تامة. وهو الذي كرس بقاء المنظمة في الأردن لفترة أخرى وأعطاها مداً أدى إلى حوادث أيلول.
وهكذا كان يتم الإعداد والاستعداد لإضعاف الصف العربي والموقف العربي بشكل عام من مواقع يفترض فيها أن تعزز مسيرة الرد على هزيمة حزيران.
فكانت أحداث أيلول 1970 التي فتحت بشفرتين عربيتين موجهتين صهيونياً، وريداً عربياً مازال ينزف حتى اليوم ووضعت عبد الناصر في آخر محنة، على درب الامتحان الصعب، قادته إلى رحلته النهائية وفي قلبه حسرتا الانفصال وحزيران، قبل أن يحقق ما هيأ له من رد على المأساة.
وتابعت سورية مع خليفته /السادات/ مسيرة فرضتها الجماهير العربية في العاشر من حزيران 1967 هي مسيرة الرد على الهزيمة.، وتابع خط عربي آخر مسار التواطؤ على حق الأمة في التحرير والكرامة.
وبينما كانت ساعة الصفر العربية تقترب، والاستعدادات الأخيرة تتخذ للبدء بحرب تشرين/أكتوبر/ التحريرية 1973؛ وكان جهد الشعبين والقيادتين في القطرين العربيين مصر وسورية ينصب على تحقيق أوسع تضامن عربي ممكن وأفضل مناخ سرية لتنفيذ أول مبادرة عربية تنطلق بقرار عربي خالص لشن حرب التحرير، حرب العرب على المحتل ووضع الإهانة الذي وضعتهم فيه مأساة حزيران "التقى الملك حسين في 25 أيلول 1973 غولدا مائير في تل أبيب، وكان ذلك لقاءه السري التاسع حتى ذلك التاريخ، وكان معه زيد الرفاعي رئيس وزرائه" واجتمع معها ثلاث ساعات في اجتماع لم يحضره سوى مردخاي غازيت رئيس الموساد.
وصل ليقرع ناقوس الخطر، ويخبرها باحتمال وقوع نزاع وشيك، "لقد أراد الملك حسين -حسب المصادر الصهيونية-الإسرائيلية- قبيل رأس السنة العبرية أن ينبه السيدة الحديدية إلى أن الرئيس حافظ الأسد وضع كافة قوته في حالة تأهب قصوى، ونقلها إلى الحدود الأردنية والجولان". وعندما سألته: "لكن هل السوريون ينوون إعلان الحرب وحدهم ودون مساعدة المصريين؟! أجاب: "لا أظن أنهم قادرون وحدهم على دخول الحرب ولكنني أؤكد لك أنهم مستعدون للقتال.". *
لم يستطع ذلك وسواه أن يمنع المفاجأة في حرب تشرين، ولم يكن ذلك الفعل أو سواه مما يمكن أن يشل إرادة العرب المصممين على استعادة الأرض والحق؛ وكان وهم العدو وغروره اللذان خلفتهما هزيمة العرب في حزيران، وكذلك استهتاره بالوضع العربي وبالإمكانات العربية، ومعرفته بحالة التمزق والتردي التي يمثلها أمثال من يقدمون له التقارير ويكشفون له ما استتر من حال الأمة العربية، كان كل ذلك مما ساعد مصر وسورية على تحقيق المفاجأة والبدء برد ناجح على مأساة حزيران المرة في تشرين التحرير.
ولو صدقت النيات، وتكاتفت الأيدي العربية، وكان هدف السادات الرئيس التحرير الشامل وليس تحريك القضية للوصول إلى مفاوضات سلمية بدأت في خيمة الكيلو/101/ لكان وضعنا بعد تشرين أفضل بكثير مما كان عليه.
لم يغسل تشرين كل آثار حزيران، ولم يلغ نهائياً رسيس الإحباط في القلوب والعيون، ولكنه رفع الرأس، وأقام القامة، وأعاد الثقة، وخط في سماء العرب قوس أمل بإمكانية تحقيق النصر عندما يحزمون أمرهم، وأزال الكثير من الأساطير وفي مقدمتها: "أسطورة الجيش " الإسرائيلي " الذي لا يقهر.".
فعبور قناة السويس، وتحطيم خط بارليف، ووصول الجنود السوريين إلى مرصد جبل الشيخ وضفاف بحيرة طبريا، وخوضهم بعد ذلك وحدهم حرب استنزاف ضد العدو استمرت أكثر من سبعين يوماً، يضع في تناول كل ذي عقل وإرادة وعزم معطيات وإمكانيات عربية لا يمكن تجاهلها عندما يقرر العرب، كل العرب، خوض معركة التحرير واستعادة الأرض والحق والكرامة.
لقد تهافتنا كثيراً بعد ثقة تشرين، واستعدنا الثقة بأنفسنا بعد هزيمة حزيران؛ ولم تكن المعادلة المقلوبة غير ذات معنى وغير ذات قيمة، وغير ذات مدلول؛ فلنبحث فيما يقيم قوام الروح على مبدأ الحق والخلق القويم والثبات على المبدأ، ولنبحث في زوايا النفوس والبيوت والمؤسسات عن سوس ينخر القوى ويعري السواعد من قدراتها ويطمس الرؤية ويعمي القلوب، ولنبحث في كتاب التطبيع الذي تلا كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، عمن وعمّا، يفتت الإرادة، ويعشي الرؤية، ويُذْهب الأمل، ويقتل العزيمة، ويصدّر للأجيال العربية قيماً تزين لها الاستسلام والخضوع لعدو صهيوني عنصري يعمل على مشروع استيطاني استعماري مستمر يرمي إلى تحويل وجودها كله إلى وجود هزيل تابع ذليل، وجود العبيد المتخلفين الذين يخدمون "أسياداً" لم يكن تاريخهم أصلاً إلا تاريخ الذل والبؤس والعري الخالص عن كل قيمة خُلُقية أو إنسانية.
إن حزيران المر يقدم لنا درساً فيه من فصول المأساة ما فيه، ومن فصول التصميم على مجاوزة الهزيمة والمأساة ما فيه.
فلندرس جيداً، ولندرك جيداً، ولنتعلم جيداً، حتى يبقى طريق المستقبل واضحاً أمام أجيالنا، وحتى لا تنهزم فينا الإرادة والأعماق قبل خوض المواجهة الصعبة.
دمشق في 4/6/1997
* ذكر ذلك ديروجي وكارمل في كتابهما : القرن الصهيوني. وذكره بصيغة تكاد تكون حرفية شارل أندرلين Charles Enderlin في كتابه : سلام أم حروب Paix ou guerres صـ 364 من الترجمة العربية التي قام بها صياح الجهيم للكتاب ـ منشورات : دار الفاضل بدمشق / 1998 وقد أضفت توثيق أندرلين بترجمة الجهيم عند إعداد هذا الكتاب للنشر بعد الاطلاع عليه تشرين التاني 1998، وكان النص قد نشر كما هو في أعلاه في 4 / 6 / 1997 بناء على توثيق من كتاب ديروجي وكارمل. وقد جاء النص وفق أندرلين : " في 25 أيلول 1973، تلقت إسرائيل أنباء جديدة عن تحركات للجُند في مصر وسورية. وفي ساعة متأخرة من المساء، هبط حسين ملك الأردن في طائرة مروحية قرب مسعدة.
كان يقود الطائرة بنفسه. وكانت تنتظره فيها مروحية إسرائيلية لتقوده إلى " مدراسة". قاعدة الأجهزة الخاصة في شمال تل أبيب. كانت غولدا هناك، تدخن السيجارة تلو السيجارة، كان هذا اللقاء هاماً بالنسبة إلى الإسرائيليين. كان الملك الأردني في مصر، في الأسبوع الفائت. وكان الأمنُ مضموناً على أيدي رئيسي " الشين بيت" المسؤولين عن تنظيم هذا النوع من الزيارات السرية: بـ (بز يوفين هازاك) و( رافي مالكه). وفي غرفة ملاصقة، كان خبراء الاستخبارات العسكرية يتابعون تسجيل المحادثة، ولاسيما المقدّم (زوسيا كنيزر)، رئيس قسم الأردن. انتفض عندما سمع حسين يتوجّه بالقول إلى غولدا مئير:
" نحن نعلم من مصادر حسنة أن جميع وحدات الجيش السوري مستنفرة، وهي جاهزة للانتقال إلى العمل. استعمل الملك في الإنجليزية عبارة :"jump off position"، ولم تنتشر في جنوب سورية سوى فرقة واحدة للدفاع عن هذه الحدود، في حال حاولت إسرائيل القيم بهجوم مضاد".
ماذا يعني ذلك؟
- لا أدري إن كان ذلك يعني شيئاً أم لا. لدي بعض الشكوك، لكني لستُ متأكداً.
- هل تستطيع سورية أن تشنّ هجوماً دون مصر.
- أعتقد أنها ستتصرف وحدها. أعتقد أن مصر ستنضمّ إلى سورية في حالة الحرب".
الأسبوع الأدبي/ع564//7/حزيران/1997
|