صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

قراءة .. في(أضواء) حزيران

بعد قيام دولة الكيان الصهيوني بالقوة والغدر والتواطؤ، على حساب الفلسطينيين، أصبح هدف القيادات الصهيونية والإسرائيلية تحقيق المرحلة الثانية في المشروع الصهيوني-الاستيطاني، وهي الحصول على اعتراف الدول العربية بالوجود الشرعي لإسرائيل، وفرض ذلك الاعتراف أو انتزاعه بكل الأساليب والأشكال الممكنة ومنها قوة القهر؛ مع الاستمرار في تكثيف الاستيطان وتهيئة المناخ الآمن له، وقضم ما يمكن من الأرض العربية.‏

ولم يكن موضوع امتلاك القوة وتحرير الإرادة الصهيونية في مجال استخدامها غائباً عن ذهن تلك القيادات ولا ثانوياً في خططها، فقد بدأت تؤسس منذ مطلع الخمسينيات لقيام قوة نووية في الأراضي التي احتلتها بشكل مواز لإقامة صناعات حربية متنوعة ومتطورة.‏

وبمساعدة فرنسا بالدرجة الأولى تمكّن الإسرائيليون من إقامة مفاعل ديمونة النووي " الكاماغ " في صحراء النقب، ذلك الجهد الذي أشرف على تأسيسه وتابعه بعزم وإصرار شمعون بيريس.‏

وفي 27 أيار 1967، أي قبل حرب حزيران بأيام معدودة "أصبح نظام التسلح النووي ساري المفعول، ولكن الموضوع ظل من المحرمات في إسرائيل، التي لم تكن ترغب في رؤية جيرانها يسلكون الطريق ذاتها سواء أكانوا قريبين منها أم بعيدين عنها" كما يقول ديروجي وكارمل.‏

وكان الإرهابي أرئيل شارون أكثر المنادين باحتكار " إسرائيل " للسلاح النووي ومنع وصوله إلى أيدي العرب والمسلمين من شمال إفريقيا حتى الباكستان، وتشكل تيَّاراً يعمل في هذا الاتجاه أدى بعد أكثر من عقدين من الزمن إلى ضرب مفاعل تموز النووي في بغداد.‏

وهذا الهدف الاستراتيجي العام للغرب والصهيونية، هدف منع العرب من امتلاك سلاح نووي، كان يواكبه خط استراتيجي آخر يهدف إلى منع توطّن الصناعات العسكرية في أي بلد عربي من أجل أن تبقى حالة الضعف والاعتماد على الغير مستمرة، ولكي يبقى قرار العرب السياسي والعسكري بيد صانع السلاح ومورّده من جهة ومالك القوة وموجهها من جهة أخرى؛ وهكذا يجد العرب أنفسهم محاصرين بالخوف والقهر والإحباط، يملكون عاطفة جياشة وشعارات فضفاضة ورغبة عارمة في التحرير، ولكنهم يفتقدون الأدوات والأجهزة والقوة المحررة، والرؤية المنقذة، ومقومات القرار العربي المستقل؛ فتبقى " إسرائيل " في حالة نمو وتوسع وهيمنة ويبقون هم في حالة تآكل وتراجع وتهافت، إلى أن يستسلموا للأمر الواقع ويعلنوا الاعتراف بشرعية الاحتلال. وفي ظل هذه الهيمنة والبرمجة المخطط لهما بدقة وعناية كانت تجري محاولات لانتزاع اعتراف بعض الحكام العرب بـ "إسرائيل"، عن طريق الترهيب والترغيب، ويتم الضغط والتحرك لتحقيق ذلك بكل الوسائل الممكنة.‏

وعندما امتلك عبد الناصر القدرة على تصنيع أنواع بسيطة من الصواريخ -الظافر والناصر- بمساعدة بعض الخبراء الألمان، وتحرك على أساس قومي ليجعل الآخرين يدركون أن العدوان على سورية هو عدوان على مصر؛ وبذلك أعطى للقومية العربية حضوراً فاعلاً وبعداً عملياً يوحيان بإمكانية تحرك عربي على محور قادر على الاستقطاب وقادر على أن يبدأ التحرير؛ عندما حدث ذلك جاء عدوان حزيران بكل ما حمل من تواطؤ ومرارة وخسارة فادحة، مادية ومعنوية: الأرض والبشر والكرامة، ولكن ذلك العدوان لم يحقق انهياراً عربياَ شاملاً واستسلاماً للعدو وطلباً للصلح على أرضية الاعتراف بنتائج العدوان في سيرورته التاريخية، بل على العكس من ذلك جاء رد الجماهير العربية يومي العاشر والحادي عشر من حزيران 1967 على استقالة الرئيس جمال عبد الناصر وإعلانه عن تحمله وحده نتائج ما حدث، جاء ذلك الرد بمثابة استفتاء قومي عام يقول برفض الاستسلام لمنطق الهزيمة ووقائعها، ويؤسس للتمسك بالرموز القومية والخط النضالي، ويؤكد استمرار المعركة مع العدو من أجل التحرير؛ وكانت حرب الاستنزاف على القناة، وكان الإعداد لمعركة قادمة.‏

وتحت وطأة رد الفعل المتضاد الذي حصل في الوطن العربي وفي الكيان الصهيوني، لم يكن من الممكن أن ينشأ حوار على أرضية الهزيمة والشعور بالإهانة عند العرب، والغطرسة الهائلة لدى اليهود، تلك التي تجلت في قول موشيه دايان بعد انتهاء حرب حزيران:‏

"إنني أنتظر اتصالاً هاتفياً من الملك حسين، لسنا في عجلة من أمرنا، إذا كان العرب يريدون التفاوض فهم يعرفون بأي رقم يتصلون.".‏

لم يكن خافياً يومها أن الإسرائيليين على استعداد للتنازل عن الأرض التي احتلوها /سيناء والجولان والضفة الغربية وشرقي القدس/ في مقابل حصولهم على اعتراف عربي بهم وإقرار بشرعية وجودهم دولة في المنطقة، وقد قال بن غوريون صراحة: " إذا كان لي أن أختار فأنا أفضل السلام على الأرض المكتسبة.".‏

وبدأ التركيز الصهيوني-الغربي- على الأردن لتحقيق خرق عربي وإعلان اعتراف، وبذلت محاولات لعقد لقاء مع ممثلين لمنظمة التحرير، ولكن تطور الأحداث، وسخونة المواجهة على القناة، والمناخ العربي العام، ثم تصاعد فعل المقاومة انطلاقاً من الضفة الشرقية لنهر الأردن، حيث تمركزت قوى الثورة الفلسطينية بفصائلها، كل ذلك جعل الملك حسين: "يُسِر لرئيس وزراء " إسرائيل " إيغال آلون في لقاء سري تم بينهما على ضفاف البحر الأحمر بأنه لا يستطيع القيام بأية مبادرة سلام مع " إسرائيل " قبل أن يضع حداً أولاً للسلطة التي تمارسها المنظمات الفلسطينية على أراضيه وبشكل موازٍ لسلطته.".‏

وكان الجهد الصهيوني يركز، في موقع آخر، على مقولة الوطن البديل، ويشجع على أن تقوم دولة الفلسطينيين في شرقي الأردن ليتخلص الصهاينة من شبح الفلسطيني الذي يطاردهم، ولينشئ صراع فلسطيني-أردني في اللحمة الاجتماعية يريح " إسرائيل " من تهديد على جبهة طويلة. وقد ابتلع بعض الفلسطينيين هذا الطعم، وعمل الإسرائيليون والغربيون على تغذية نزوع الملك حسين إلى المواجهة، وأثمر ذلك كله: أيلول الأسود وتبعاته وتفاعلاته عربياً، ورحيل منظمة التحرير عن الأردن، ووفاة عبد الناصر، وموجة عارمة من الغضب العربي مشوبة بمرارة الإحباط. ولم تترك الأحداث اللاحقة وبعض الحقائق الراسخة على الأرض، فرصة لذوي الميول والتوجهات الاستسلامية لكي يمارسوا دورهم ويعلنوا عن اعترافهم بالعدو الصهيوني: فالمد القومي لم ينحسر بعد، والرأي العام العربي قوة لا يستهان بتأثيرها، والقوى العربية في المنطقة، لا سيما مصر وسورية والعراق، ويقظة عربية في الخليج، وتأثير حركة التحرر العربية، وتحالفات العرب مع السوفييت، كل ذلك جعل الوقت غير ملائم لتحقيق مثل تلك الاختراقات المؤلمة في الجسد السياسي العربي؛ ولكنه لم يمنع، في الوقت ذاته، من امتداد الجسور وانفتاحها بين " إسرائيل " وبعض من تركز على دورهم في الوطن العربي من رموز وأنظمة.‏

وبدأت الخشية القائمة على انعدام الثقة أو تخلخلها بين الحكام العرب تزيد من حدة اندفاع المندفعين في تيار الاعتماد على العدو الصهيوني والغرب في حماية أنفسهم وأنظمتهم من أشقائهم العرب. وأسس هذا مع الزمن خلية الفتك السرطانية الأولى في جسد المد القومي والتضامن العربي وإن كانت حتى ذلك الوقت بطيئة التحرك، قليلة التأثير، تعمل بسرية تامة. وعلى هذه الأرضية، أرضية الشك بالأخ، وتثمير العلاقات بالغرب وتأكيد الولاء له، والاعتماد على " إسرائيل " لتأمين الحماية والتدخل المباشر عند الضرورة، وإقامة علاقات سرية معها وتمتين تلك العلاقات على حساب المصلحة العربية العليا، على هذه الأرضية نستطيع أن ندرك بشكل أفضل موقف الملك حسين والمرامي البعيدة لموقفه حين طلب من توماس بيكرنغ سفير الولايات المتحدة في الأردن أن يؤمن له لقاء مع غولدا مائير "وفي 25 أيلول 1973 -أي قبل حرب تشرين أكتوبر بعشرة أيام فقط- التقى غولدا مائير في تل أبيب، وكان ذلك لقاءه السري التاسع حتى ذلك التاريخ مع الإسرائيليين (.....) لقد أراد الملك حسين، قبيل رأس السنة العبرية، أن ينبه السيدة الحديدية -حسب قول المصادر العبرية حرفياً- إلى أن الرئيس حافظ الأسد وضع كافة قوته في حالة تأهب قصوى ونقلها إلى الحدود الأردنية والجولان. (....) وأنه لا يظن أن السوريين قادرون وحدهم على دخول الحرب -أي أن المصريين معهم- ولكنني أؤكد لك أنهم مستعدون للقتال."‏

فها هو كشف مطلق بحسن النية وفصم العرى العربية من جهة، وفعل يرمي إلى إحباط كل عمل عربي يؤذي " إسرائيل " ويؤثر في نفوذ الغرب في المنطقة ويخلق جبهة عربية أو قوة عربية ذات تأثير واسع على الساحة القومية، تستطيع أن تقف موقفاً محرراً مشرفاً، أو توحي بأهمية ذلك الموقف وبإمكانية اتخاذه.‏

وكان هذا الفعل وسواه عربون ولاء مكشوف وإعلان استعداد للقيام بخطوات الاعتراف تحت مظلة السلام، وتحقيق أهداف " إسرائيل " بالحصول على اعتراف عربي بها تلك التي لم تتحقق في حرب حزيران بإعلان الاستسلام.‏

وقعت حرب تشرين، وحقق الجيش المصري العبور الرائع وتحطيم خط بارليف، وحقق الجيش السوري الوصول إلى شاطئ بحيرة طبريا ومرصد جبل الشيخ وخاض حرب استنزاف وحده استمرت أكثر من سبعين يوماً بعد ثغرة الدفرسوار وما نشأ عنها وتلاها من أفعال وتلميحات وأقوال.‏

كان السادات قد أراد تحريك القضية وسبق له أن أجاب على سؤال لغونار يارينغ في 8 شباط 1971 بقوله: " إنني مستعد للتوقيع على اتفاقية سلام مع " إسرائيل " مقابل إعادة سيناء." ويبدو أن كيسنجر لمَّح بإمكانية ذلك بعد أن تحقق للعرب في حرب تشرين/أكتوبر شيء من رد الاعتبار ومجاوزة المهانة التي خلفتها هزيمة حزيران.‏

من خيمة الكيلو /101/ بدأ اتجاهان يؤديان في النتيجة إلى السير في طريق كانت " إسرائيل " تريد السير فيها في الأيام الأولى التي تلت حرب حزيران وهي طريق إجبار العرب على الاعتراف بها مقابل إعادة الأرض، التي غدت بعد النتائج النهائية لحرب تشرين/إعادة أرض/ مما احتل في حرب حزيران.‏

وقد تغير المنطق " الإسرائيلي " وازداد تشدداً استناداً إلى متغيرات في المنطق الأميركي ومنطق بعض العرب، وأحوال عربية ظهرت في حرب تشرين وبعدها.‏

فقد اقتنع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما بعد التضامن العربي الذي استمر ستة أشهر فقط بعد حرب تشرين وتجلى خلالها بشكل جزئي، بأنه لا بد من:‏

1- السيطرة التامة على منابع النفط وضخه وتسعيره وتسويقه. ولذلك بدأ بتشكيل قوة التدخل السريع منذ ذلك الوقت.‏

2- إلحاق هزيمة نهائية بالقومية العربية التي تخلق روحاً عربياً متماسكاً متحدياً يحرض على التحالف لتحرير فلسطين، بإضعاف الثقة بين العرب وتدمير أشكال تعاونهم.‏

3- استنزاف المال العربي الذي يدعم المقاتل العربي من جهة، والذي قد يستخدم لإقامة صناعات عسكرية متطورة، أو للحصول على أسلحة غير تقليدية.‏

4- الإعداد لشغل العرب عن " إسرائيل " وعن قضية التحرير، بحروب عربية-عربية وحروب عربية إسلامية. والوصول إلى حالة من التمزق والشك والإحباط تقود للاستسلام.‏

5- استثمار الوضع الناشئ في مصر، بعد الفجوة التي حصلت بين السادات والسوفييت، واستثمار استعدادات السادات لفصل مصر عن العرب، وجعلها تصل إلى سلام مع " إسرائيل " على أرضية الشعور بالرضا والكرامة بعد العبور المشرف من جهة، والتكاليف الكبيرة للحرب وما تركه التهديد الذي رافق وصول القوات البرية الإسرائيلية -بمساعدة أميركية مطلقة- إلى بعد مئة كيلو متر عن القاهرة.‏

وبدأ كيسنجر -السوس الصهيوني الفظيع- بدأ عملية نخر في البنية السياسية العربية من جهة، وإعداد الاستراتيجية الأميركية الجديدة وتنفيذها مع الحلفاء والأعوان والأتباع من جهة أخرى، وهي استراتيجية ترمي إلى جعل الولايات المتحدة تسيطر -مستقبلاً- على منابع النفط سيطرة مباشرة لتضمن مصالحها الحيوية، ولتتحكم بالآخرين، حتى بأوربا الغربية واليابان، فيما يتعلق بأكبر مصدر للطاقة.فجاءت أحداث لبنان /1975/ ومشروع فصله عن عروبته والتشكيك التام بانتمائه للعروبة، والدعوة إلى طرد الفلسطينيين منه وإقامة دولة مسيحية فيه تصبح توأماً للدولة اليهودية، فتسدان معاً ساحل المتوسط عن بلاد الشام -إن أمكن ذلك- وتسمحان بقيام فسيفساء من الكانتونات الطائفية يشكل حزاماً أميناً لإسرائيل، ويقدم سابقة تفتيت للبعد الاجتماعي والتماسك الوطني في كثير من الأقطار العربية.‏

واستمرت الحرب المجنونة في لبنان، على هذه الأرضية خمس عشرة سنة تحصد الوجدان والتضامن العربيين، وتحصد العلاقات الأخوية العربية، كما تحصد البشر وكان الموساد وراء كثير مما حدث في بداياته، ثم كانت " إسرائيل " بكل جلاء ووقاحة وراء كل ما حدث منذ البداية حتى يوم الناس هذا، فالقصف على لبنان يستمر في الجنوب الذي تحتل " إسرائيل " جزءاً منه وتقيم فيه سلطة عميلة لها هي سلطة أنطوان لحد وريث سعد حداد.‏

وأتى الاجتياح " الإسرائيلي " للبنان ودخول بيروت عام 1982 وتنصيب بشير الجميل رئيساً ودخول القوى المتعددة الجنسيات إلى لبنان حلقة في المشروع الرهيب الذي صرح كلود آرنو عام 1968 لإسحق رابين بأن الفاتيكان يوافق عليه "وهو إقامة دولة كاثوليكية فوق جزء من الأراضي اللبنانية." /القرن الصهيوني- ديروجي وكارمل ..أتى كل ذلك ليحقق أهدافاً مؤلمة منها:‏

أ- إقصاء منظمة التحرير عن /أرض فتح/ وعن لبنان، وشل دورها، وجعلها هامشية ما أمكن فغادرت إلى تونس.‏

ب- امتحان اتفاق كامب ديفيد من قبل "الإسرائيليين" والأميركيين، فبقيت مصر على الحياد في موضوع الاجتياح المر الذي كبد سورية والفلسطينيين واللبنانيين خسائر فادحة.‏

جـ- إحداث فجوات عميقة، على الصعيدين الشعبي والرسمي بين الدول العربية والجماهير العربية.‏

د- التأسيس لنزعات طائفية مدمرة للتماسك الوطني في أقطار ومجتمعات عربية.‏

وعلى جبهة أخرى فتحت نار مدمرة بين العراق وإيران كان الغرب يغذيها ويستنزف مشاعر الناس من خلالها، لقد استمرت ثمان سنوات واستقطبت حولها أموال الخليج والشارعين العربي والإيراني، وفتكت عميقاً جداً ببعض اللحمة العربية-العربية وببعض اللحمة العربية-الإسلامية وهيأت الأجواء لضعف إنهاك شديدين. وقد لعب الطرفان " الإسرائيلي " والأميركي بشكل خاص، -إضافة للغرب وسائر تجار السوق السوداء- دوراً خطيراً في استنزاف الطرفين وتغذية الحرب واستثمار نتائجها.‏

وما إن وصلت إلى نهايتها المعروفة حتى كان العراق يملك قوة شكلت بنظر " إسرائيل " والغرب خطراً على المنطقة لابد من وضع حد له، وزاد الطين بلة نزوع العراق إلى تصفية أمور معينة بالطرق العسكرية.‏

وكان اجتياح العراق للكويت الذي تم على أرضية من المتغيرات الدولية بعد أن كان حلف وارسو والاتحاد السوفييتي قد وصلا إلى مرحلة التفكك بعد التآكل؛ وبغياب الاتحاد السوفييتي، ودخول الولايات المتحدة على رأس حلف يقود تحرير الكويت تكرس وضع جديد مزق الشارع العربي إضافة إلى الأنظمة العربية، وأدى، بعد تدمير العراق، وفرض ما تم فرضه عليه، وتلاشي كل قدرة لروسيا الاتحادية على تحقيق التوازن الذي رجح تماماً لصالح الولايات المتحدة الأميركية وحليفها الرئيس في المنطقة: إسرائيل، أدى الوضع إلى سيطرة منطق فرض حل على العرب ينتج عنه اعتراف بـ "إسرائيل"، وما سمي "سلام في المنطقة".‏

بعد حرب الخليج الثانية وما كرسته من نتائج، وما ساد من وضع عربي ودولي لم يكن أمام العرب الذين يقولون بالتحرير أي حليف أو أية قوة تمكنهم من تحقيق ذلك على الأرض في وضع سياسي وعسكري واقتصادي مختل تماماً وميزان قوى شامل يعمل لمصلحة عدوهم. وعندما دخلوا مدريد، راضين أو مكرهين، دخلوها على أرضية سياسة عربية اختارت التسوية أو الحلول السلمية منذ قمة فاس، ودخلوها على أرضية واقع عربي ودولي يشير إلى النتائج التي يمكن أن يفضي إليها مؤتمر مدريد والمفاوضات الناتجة عنه، ودخلوها جميعاً وقلوبهم شتى؛ وللبعض قنوات اتصال خفية، وأعضاء الوفد المشترك -الأردني، الفلسطيني- على شفا جرف هارٍ لما كان ولما هو خاف في اتصالات كشف عنها لاحقاً. أصبحت " إسرائيل " بقوة الراعي الأميركي المنحاز واللاعب الوحيد في تلك الساحة الذي حيَّد عرباً، واستفرد بعرب، وأغرى عرباً، أصبحت " إسرائيل " قادرة على فرض أوضاع على الأنظمة العربية بعيداً عن سطوة الجامعة العربية- إذا كان قد بقي لها سطوة - وبعيداً عن ضغط الرأي العام العربي الذي تلاشى أو كاد، وبعيداً عن التماسك القومي الذي كرس الجهد الإعلامي والسياسي الغربي-الإسرائيلي لإظهاره على أنه سراب وأن دعوة الوحدة العربية خيال وأن الناس في واد آخر ووراء مصالح ومطامح وأحلام أخرى فرضها ما يسمى "النظام العالمي الجديد" أو يبشر بها ويكثر خلفه المهرولون.‏

لقد غابت أسلحة العرب الرئيسة كما لم تغب من قبل، وقال الساسة الأميركيون "وداعاً للقومية العربية" وداعاً للأمة العربية. وكان ذلك على أرضية الضعف الواضح والعري البادي والخلافات التي شقت قلب العربي وغيبت وجدانه في دخان النفط المحترق والمأساة المتراكمة الأداء.‏

وفي هذه الظروف، وبالتوافق معها تماماً كان العدو الصهيوني يعزز قدراته في كل مجال ويبتز تحت اسم السلام وتحت اسم التهديد "بالإبادة" الذي تعرض له من قبل العراق.‏

وقد حصل على أسلحة متطورة ومساعدات مالية خيالية ومستوطنين من روسيا الاتحادية التي تعاني من ضائقات كثيرة، واستطاع أن يلعب لعبة المنتصر تحت غطاء حليفه الأميركي المنتصر.‏

وإذا كان واقع الأمر، كما عبر عنه أحد رجال الكونغرس الأميركي، يتجلى في أن الكونغرس الأميركي أرض محتلة من قبل اللوبي الصهيوني، فإنه يصبح أكثر وضوحاً حين ندرك من خلال الوقائع أن مجلس الأمن أرض محتلة من قبل الولايات المتحدة الأميركية. ولنا أن نقرأ في ضوء ذلك تأثير اللوبي الصهيوني والمصلحة "الإسرائيلية" في القرار الأميركي ومن ثم في القرار الدولي وهكذا اختل الميزان العام لمصلحة العدو، وتراكض عرب من العرب على أعتاب العدو الذي أخذ يصطاد منهم من يمكن اصطياده.‏

وكان حذر الأردن شديداً وحرصه بادياً على ألا يوقع اتفاق صلح قبل الفلسطينيين، وكان بالمقابل سعي عرفات على انتزاع رضا الولايات المتحدة واعتراف " إسرائيل " به شديداً إلى درجة أنه اعتبر اتفاق أوسلو الذي يقدم كل شيء لإسرائيل فتحاً مبيناً، وما إن وقع على الاتفاق المهزلة الذي غذى أطماع " إسرائيل " أكثر فأكثر، حتى وقع الملك حسين اتفاقية وادي عربة.‏

وهكذا حققت " إسرائيل " أكبر نصر في تاريخها منذ إنشاء الدولة بقوة القهر والغدر والتواطؤ الدولي، وبدأت تحاصر البؤر العربية المقاومة: سورية ولبنان والمقاومة الفلسطينية وبقية الأقطار العربية الرافضة لمسيرة الاستسلام، بدأت تحاصرها مع حليفها الأميركي أو أداتها الأميركية لتفرض عليها سلام الاستسلام.‏

وإذا كان عدوان حزيران كان يهدف في المحصلة إلى فرض اعتراف بإسرائيل على العرب وردت الجماهير العربية بالرفض في ظل الهزيمة يوم ذاك، فإن حرب الخليج الثانية، التي أتت حلقة في سلسلة تتالت منذ حرب حزيران 1967 أدت إلى أن تحقق " إسرائيل " ما تطلعت إلى تحقيقه في حزيران بعد أن تحققت متغيرات عربية ودولية، وتهافت التضامن العربي، وتكسرت جسور الثقة بين الأنظمة والحكام في الوطن العربي، وظللت القلوب والأرواح غمامات من الإحباط، خالها البعض أنها نهاية للتاريخ، بينما التاريخ لا نهاية لما تسجله في صفحاته أمم تتعلق بالحياة والحق والكرامة. إن ما تبقى من جزر عربية صامدة، وما تبقى من وجدان شعبي عربي رافض للاعتراف بالعدو الصهيوني ولتطبيع العلاقات معه، وما تبقى من وعي معرفي وصلابة روحية وحقائق تاريخية تجسدها شرائح ثقافية عربية؛ كل ذلك يقدم أملاً ويجعل ولادة إرادة ومعرفة ووعي مغاير للسائد هو من الأمور الممكنة، بل الحتمية. لأن حركة الحياة وقانونها المستمر على أرضية التغيير، يرفضان أن يستقر العالم على هذا الوضع إلى الأبد، وأن يبقى العرب في هذا الواقع المر إلى الأبد أيضاً .‏

من هنا يحق لنا أن نحلم بالتغيير، ونتعلق بالأمل، وندعو إلى عمل مغاير يؤدي إلى واقع مغاير يجعل العربي يتطلع إلى تحرير الأرض كل الأرض واستعادة الحق والكرامة والحرية والموقع الحضاري المشرف بين الأمم.‏

دمشق 10/6/1997‏

الأسبوع الأدبي/ع565//14/حزيران/1997‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244