|
في الوطن أمل وشجــــن
الوطن العربي ما يكفي لإثارة الشجن، وفي الوطن العربي ما يكفي لتضخم كتلة الإحباط التي تَكْرُج في حلوقنا ودروبنا وتزداد ضخامة كلما تحركت؛ وفي الوطن العربي أيضاً ما يبعث على التمسك بالأمل والتفاؤل باستعادة بعض وجوه التضامن والمبادرات الإيجابية.
في الوطن العربي دعوة لعقد المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة على الرغم من قرار مؤتمر وزراء الخارجية العرب الأخير بوقف التطبيع مع العدو على أرضية الممارسات العنصرية المستمرة، وتزايد مظاهر التهويد والاسيتطان، والاستهانة بكل ما وقعت عليه "إسرائيل" مع عرب تراكضوا إلى أبوابها وأعتابها منفردين.
ولكن في الوطن العربي مقاومة لهذه القمة، ودعوة لإلغائها أو مقاطعتها إذا ما دعيت إليها "إسرائيل" لأن تلك القيمة تأتي في إطار المفاوضات المتعددة الأطراف التي هي خط مواز ومكمل للمفاوضات الثنائية، وبما أن المفاوضات الأساس توقفت فإن من الطبيعي أن تتوقف المفاوضات المتعددة المكملة لها؛ ولكن عرباً من العرب لا يرون هذا الرأي وينفخون في البوق الإسرائيلي-الأميركي جهد المستطاع.
السعودية التي دعت إلى مقاطعة القمة الاقتصادية المشار إليها لم تستطع أن تردع قطر عن الاستمرار فيها، وهما في مجلس التعاون الخليجي الذي من المفترض أن تحكمه قواعد عمل وعلاقات تواصل وتضامن أشد من تلك التي تربط بلدانه بالأقطار العربية الأخرى.
فهل يتم ذلك على أرضية اتفاق لتوسيع دائرة المناورة عربياً ودولياً؟! وهل يتم ذلك بتأثير "الأميركي" الذي يحكم ما يريد أن يحكم هناك، ويشكم من يريد أن يشكم هناك أيضاً؟! أم تراها المصلحة النابعة من قصر نظر قومي عام تجعل من الخروج على إجماع الأمة ظاهرة متفشية في هذا الزمن؟!
الأردن العزيز يؤكد على أنه سيحضر القمة وعلى أنه يدعم عقدها، ويذهب إلى حدود المحاجّة دفاعاً عن تصرف سبق وأن قام بمثله؛ وهو لا يكتفي بذلك ولا يتوقف عنده، بل يمضي إلى ما هو أبعد، على الرغم مما جرى في الخليل من أحداث وإساءات للمسلمين وللإسلام ولأبناء الأمة العربية، وعلى الرغم أيضاً مما يتم من ممارسات صهيونية لا حدود لعنصريتها وعدوانيتها واستهتارها بكل الحقوق والمقدسات العربية-الإسلامية.
الأردن يقول، على لسان أحد كبار مسؤوليه، إنه مستثنى من وقف التطبيع مع العدو لأنه مرتبط بمعاهدة مع ذلك "الصديق الذي له" العدو الذي لأخوته؟!؟ ويشير إلى أن مقررات المؤتمر الأخير لوزراء خارجية الدول العربية بهذا الشأن لا يلزمه بشيء، فقد استثناه هو ومصر بسبب اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة الموقعتين مع إسرائيل.
ولا يرى المسؤول الأردني أن قضية الاتهام بالهرولة إلى أعتاب العدو الصهيوني تشمله فهي -من وجهة نظره- تنال المطبعين من الخليجيين، وحجته في ذلك أنه قد وقع اتفاقية للتطبيع مع "إسرائيل" وانتهى أمره في ذلك الشأن، ولا يجوز اتهامه مطلقاً بالهرولة(!؟!) فهو قد هرول ووصل وقبّل "كعبته" وطاف حولها ثم انعطف من هناك ليمارس ولهاً صوفياً في ما يراه البعض معابد السلام المقدسة التي تقوم الصهيونية بأمور السَّدَانَة فيها.
والأردن العزيز، يعزز علاقاته يومياً بالكيان الصهيوني على أرضية اتفاق "وادي عربة" غير آبه بما جرى ويجري مع أخيه الذي وقع اتفاق "أوسلو"، فكيف يراد منه أن يهتم بالمحتل من الأرض التي لا تعنيه، أو بالشعب المشرد من أرض فلسطين قبل توقيعه لاتفاق "السلام"؟!
بالأمس القريب استضاف "الكعابنة" أمنون شاحاك رئيس أركان جيش العدوان الصهيوني، استضافه في عمان ليشهد الأخير مناورة عسكرية أردنية جرت في قاعدة الأزرق قرب عمّان؛ وقبل شهر تقريباً كانت الأميرة عائشة بنت الحسين المسؤولة عن النساء العسكريات في الجيش الأردني في ضيافة المسؤولين عن المجندات الإسرائيليات واتبعت دورة قصيرة هناك، كما أعلن عن ذلك والدها في زيارة سابقة لـ "إسرائيل" .
ويتم كل هذا ويستمر، ويتصاعد التنسيق العسكري والتعاون والتبادل الاقتصاديين على الرغم من توزيع ملصق في الخليل يسيء للرسول "ص" والقرآن الكريم، ويجرح مشاعر المسلمين كافة. كما يجري هذا في الوقت الذي وجه فيه صهاينة آخرون إساءة للعذراء مريم بتركيب صورة لها تظهرها برأس بقرة وجسد العذراء مريم.
ويتم هذا في ظل "لاءات" نتنياهو، وفي ظل حملة التهويد الشاملة للقدس، والتوسع في الاستيطان، والاستمرار في قصف جنوب لبنان، والتهديد العلني الموجه من قبل قيادات عسكرية وسياسية "إسرائيلية" لسورية يمحوها من الوجود بأسلحة غير عادية تملكها "إسرائيل" ولا تكشف عن قدراتها أبداً(؟!؟!)
النظام الأردني، في الأردن العربي العزيز، يقوم بتنسيق عسكري وأمني، في إطار انضمامه سرياً على ما يبدو، إلى التحالف التركي-الإسرائيلي برعاية أميركية، ويسير في هذا الاتجاه، ويتزود بالسلاح، وهو مطمئن بوحي اطمئنان المشرفين على تسليحه بأن هذا السلاح لن يوجه "لصديق معاهد" وإنما لشقيق من أهل دار الإسلام، والبيت العربي، ولكنه -أي ذلك الشقيق- لم يهرول بما فيه الكفاية ليصل "قبل أو مع" العدّاء الأردني الذي قصد قدس الأقداس وليس من الأهمية بمكان تحديد هذا الشقيق الآن، ولكن المؤشرات تحدد أنه في الجوار، والجوار: سورية التي ترفض الانصياع للمشروع الصهيوني، أو العراق الذي عانى وما يزال يعاني من الحصار، وطلب وما يزال مطلوباً تمزيق وحدته أرضاً وشعباً، ليصبح -إن أمكن- ثلاث دول تنشأ على أساس طائفي، أو للفلسطيني فيما إذا فكر خلف للمندوب السامي في غزة أن يخرجوا على الطاعة الإسرائيلية، أو يعبثوا بالورقة الشعبية الفلسطينية في الأردن.
توظيف مدروس منحوس لقوة كنا نرجوها سنداً فصرنا نخشاها رَمَداً في البصر والبصيرة.
في الوطن العربي ما يعشي الرؤية، وفي الوطن العربي أيضاً ما يشجع على السير قدماً في طريق الصمود والتشبث بالمبادئ والحقوق الثابتة ونظافة الأهداف ونقاء السرائر: وفي الوطن العربي تنتشر حالة من يقظة تدفع باتجاهها أسئلة تلقى على النفس، سواء في إطار الأفراد أو التجمعات البشرية، أو الأنظمة والأقطار؛ أسئلة تتصل بالمستقبل انطلاقاً من الحاضر، وأسئلة تستقرئ التاريخ القريب في ضوء النتائج والممارسات التي أسفرت عنها المفاوضات والمعاهدات مع العدو الصهيوني، والانصياع الشامل للإرادة الأميركية-الصهيونية.
ولكن دوامة الأسئلة التي قد تخلق وعياً بالذات والمعطيات ومقومات المواجهة وما يتوافر منها على أرض الواقع، ودوامة الأسئلة التي تسفر عن جلاء التحديات وتحديدها واكتشاف العجز الراهن في مواجهتها وعدم القدرة على التخطي، في حال استمرار الوضع الحاضر على ما هو عليه؛ دوامة الأسئلة تدفع باتجاه حركة بحث من منافذ وعن إشراقة نور تتدفق من نوافذ في الروح وفي الأطر المادية للحياة في آنٍ معاً.
والرهان يجري على المستقبل، والمستقبل جذره الأجداد وساقه نحن وفروعه وأغصانه الشباب وتألقه الواعد براعم في طور التفتح وأجنة في الأرحام، ونطف في الأصلاب. والمستقبل اختيار واع لأهدافه ووسائله وأدواته على أساس من وضوح الهوية والشخصية، وفهم لمن نحن، وماذا نريد، وكيف نحقق ما نريد؟!
إن أخطر حلقة في الرهان هي تلك التي تربط بين: أنا وحفيدي، هي اختيارات الشباب واهتماماتهم ومسؤولياتهم وتطلعاتهم وما يفكرون به ويعملون عليه.
ويبدو لي أن أشكال الغزو والتخريب والنخر المستمر لمقومات التكوين وقيمه بالنسبة لأجيالنا، قد فعل في شرائح من تلك الأجيال فعلاً مدمراً، ولكنه على التحقيق لم يأت على كل شيء، ولم يجتث الأصلاب القوية والجذور التي يمكن أن تدفع فروعاً إلى الحياة إذا ما شمل النخر الساق كلها وانهارت نهائياً.
وعلينا أن نكون حاضرين بوضوح ووعي وإقناع في ساحة يطرح فيها الشباب أسئلتهم وتتجاذبهم فيها مغريات وأفكار، وتعصف بهم حالة كئيبة يقدمها الماضي القريب والحاضر الضبابي؛ علينا أن نكون حاضرين في هذه الساحة لنقدم أجوبة، ونجدد ذاكرة، ونمسح الغبار عن وقائع وحقائق، وندفع بالحسنى باتجاه اختيارات سليمة تبقي الشخصية والانتماء والهوية والحقوق في أعلى مراتب الاهتمام والتطلع بالنسبة للأجيال العربية الصاعدة.
إن مما يؤسف له تماماً أن تقوم معسكرات سنوية لشباب "عرب وإسرائيليين" يختارون بعناية فائقة، ويتابعون من قبل جهات ومؤسسات معنية تحت اسم "بذور السلام" وسواها من المؤسسات التي تعمل على تكوين قيادات المستقبل في المنطقة؛ في حين ننادي بالأمة العربية، والقومية العربية والوحدة العربية، ولم نفلح في إقامة لقاءات دورية بين شباب عرب على شكل ثنائي دائم ومستمر بين وافدين من قطرين أو وافدين من أقطار عربية يختارون ويتابعون وتتمّ مساعدتهم ليمسكوا بزمام الأمور مستقبلاً بوعي شامل لانتمائهم والتزاماتهم والتحديات المطروحة عليهم. في الوطن العربي طاقة هائلة لشباب يفتك بجزء منها نظام التعليم ونوع التربية ويفتك بجزء آخر الفراغ أو الحاجة القتالة، ويمتص يومياً من وقتها إعلام لا يقدم إليها ما يبنيها ويخرج بها إلى دائرة الفعل القومي المنقذ، على أرضية العلم والإيمان.
في الوطن العربي طاقات شبابية هائلة تنصرف عن القراءة وعن الكتاب بشكل ملحوظ، وتنصرف إلى اهتمامات تؤدي إلى التفسخ والاغتراب والاكتئاب والضياع، أو إلى حالة من الثورة الهدامة القائمة على الجهل من جهة وعدم الرضا المشروع من جهة أخرى.
وفي الوطن العربي طاقات شابة هائلة تغلق أمامها أبواب الأمل: بعمل وأمان وتكوين خلية اجتماعية سليمة على أرضية من توافر الإمكانات الضرورية والظروف الموضوعية للتعبير عن الذات وتحصيل الاحتياجات والتعلق بالأهداف المنشودة التي يوصل إلى الاقتناع بها حوار يقوم على المنطق في جو من الحرية والاحترام والمسؤولية.
في الوطن العربي سحق مدروس للزمن الذي يمكن أن نحوله إلى إنتاج لا حدود لضفافه، وللأمل الذي يحول الطاقة البشرية إلى طاقة إبداعية في مناخ واعد بكل ما هو خلاق ومنقذ وكريم وأصيل. وعلينا، في ظل الأوضاع والتحديات والمعطيات الراهنة، أن نواجه أسئلة الحاضر والمستقبل، أسئلة الأجداد والأحفاد، أسئلة الجذور والبراعم. إن حالة الشجن التي يضعنا فيها الوضع العربي الراهن، لا سيما في مجالات التضامن والتعاون الاقتصادي والأداء النوعي في مجالات العلم والتَّقَانَة، وفي المجالات الاجتماعية والثقافية؛ لا تلبث أن تنقلب إلى كابوس ثم إلى إحباط ثم إلى يأس إذا لم نبادر إلى معالجة ما يمكن معالجته من شؤونها وتفاصيلها، غاياتها ووسائلها، أدواتها وممارساتها.
إن المخارج ممكنة، وهي موجودة على شكل مشاريع أدى إليها الاجتهاد، وعلى هيئة أفكار ورؤى وأمانٍ وتطلعات، ولكن ينقصها أن نحول النظري منها إلى أعمال مبرمجة، وأن ننفذ ما تم الاتفاق، أو ما يتم الاتفاق، على أن فيه المصلحة والخروج من المأزق والسير في طريق الخلاص على هدي واطمئنان وثقة.
والمدخل إلى ذلك مواجهة شجاعة لأسئلة ووقائع واختيارات، وإقبال مسؤول على فعل مدروس، يبرمج وينفذ بمشاركة الجهات المعنية على قاعدة شعبية واسعة تماماً ومراقبة -من حيث الأداء والالتزام- بشكل دقيق بهدف الترشيد لا التقييد، وبهدف الدفع نحو الأمام وليس تكثيف الحواجز والقيود والسدود، وبهدف تألق القدرة الإبداعية وليس بهدف ردم الركام فوق طاقة خلاقة تتفتح، ومسؤولية تشق طريقها إلى التجسد في فعل منقذ يساعد على استعادة الحق والأرض والمكانة، وإقامة بعض محطات على طريق مشروع حضاري ننشده ونعمل على أن يكون لنا ولسوانا، على أرضية قيم العروبة والإسلام، قيم الحق والخير والعدل والحرية والمساواة.
إن في الوطن العربي لشجناً كبيراً وإن في نفوس أبنائه لطاقة هائلة، وفي منارات مشرقة في أرجائه فيض الأمل. فهل نحسن العمل والاختيار قبل فوات الأوان؟!
إنه سؤال يؤسس لألف سؤال وسؤال، ولكنه يدفع باتجاه تلمس ألف جواب وجواب مضيء في الوقت ذاته، ونحن على مفارق الزمن نغص بالشجن ونشرق بفيض الأمل، ففي الوطن العربي الكبير شجن وأمل كبيران، فمن تراه ينتصر في نهاية الصراع؟!
دمشق في 9/7/1997
الأسبوع الأدبي/ع569//12/تموز/1997
|