|
المقاومة ومعسكر يهوذا
روحا شهيدين تعانقا في فضاء القدس المحتلة، متخلّصين من قيود الجسد وربقة الذل في آنٍ معاً، يعلنان باسم المقاومة الإسلامية في فلسطين /الجهاد الإسلامي وحماس/ أو باسم سواها من فصائل المقاومة؛ رداً على من أساؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام، ومن يستمرون في تهويد القدس وبناء المستعمرات فيها، ويقومون بالقتل والقمع والاضطهاد متعاونين مع عرفات وزمرته التي مثَّلت رأس حربة صهيونية في صدر المقاومة الإسلامية تلك التي تقوم بنضال مشروع ضد العدو الصهيوني المحتل.
روحا شهيدين أوقعا في صفوف العدو ثلاث عشرة إصابة قاتلة ومئة وسبعين جريحاً يوم الأربعاء الثلاثين من تموز 1997، في "محنييه يهوذا" أي معسكر يهوذا، وتلك إشارة لها مغزاها في هذه الظروف، وأقل ما تحمل من دلالات أن المقاومة مستمرة، والعمليات الاستشهادية مستمرة، وأن أبناء العقيدة يفدونها بالمهج، وأبناء القضية الفلسطينية يمهرون أرضهم وحقهم بالدم، ويتصدون للاستسلام الرخيص ويتمسكون بثوابتهم المبدئية وحقوقهم التاريخية.
ومن الطبيعي أن يشجب كلنتون ويدين ويأمر، وأن يشير إلى من يرتبطون به وبإدارته فيتراكضون لإبداء الأسى والأسف وإعلان الإدانة واتخاذ التدابير الكفيلة بحماية أمن "إسرائيل "؛ فكلنتون حامي الإرهاب الصهيوني ومموله لا تهزه دماء العرب ومعاناتهم وإنما تهزه دماء الصهاينة ومعاناتهم، ولذا فصوته يعلو وقبضته تشتد ورجاله في المنطقة يتحركون وأجهزته تُستنفر عندما يصيب اليهود أذى، فما يهمه هو أمن "إسرائيل" وليس حياة العرب .
وعلى هذا فلم نفاجأ باستنفار الملك حسين وشجبه، ولا بإدانة السلطة الفلسطينية "للحادث" واستنفار شرطتها وقيامها باعتقال الكثير من نشطاء حماس والجهاد الإسلامي في الساعات الأولى التي أعقبت عملية القدس، كما لم نفاجأ بغير ذلك من إدانات وتحركات .
ومن المسلَّم به أن تقوم إسرائيل بإجراءات مشددة على رأسها فرض الحصار على الضفة والقطاع، وتوجيه عناصرها لاعتقال المطلوبين داخل مناطق الحكم الذاتي، وملاحقة غازي الجبالي رئيس شرطة عرفات الذي لم يستطع القضاء بعد على البنية التحتية للمقاومة الإسلامية في فلسطين المحتلة - المطلب الرئيسي لإسرائيل والهدف الأول لاتفاق أوسلو - من المسلم به أن تقوم بذلك، فهذا هو الفعل الذي تقوم به كلما سنحت فرصة أو وجدت ذريعة .
ولكن الأسئلة التي تلي كل هذه المسلمات التي يسهل التعرف عليها وتوقُّع إجراءات قاسية على أسسها، هي الآتية :
هل بقي لأهل استسلام أوسلو ووادي عربة ما يقولونه في مسيرة يسمونها: سلاماً؟! أم أنهم نفضوا أيديهم منها بعد فيض المستعمرات التي شملت الضفة الغربية، وقطاع غزة، واستشرت في القدس: جبل أبو غنيم- باب العمود- وطوق المستعمرات الذي يخنق المدينة المقدسة !؟
وإذا كانوا في دواخلهم يعلمون ويوقنون أنهم فقدوا كل شيء هام، حتى من أوسلو التي لم تبق أصلاً على شيء هام، فهل يجعلهم ذلك قادرين على مواجهة ذواتهم بالحقائق، ومراجعة هذه المسيرة البائسة ؟!
لا أظن أن هذا ممكن الحدوث، لأن ما انطوى على الخبث لا ينتج إلا خبثاً، فقد دخل أولئك النفر من الناس في صحراء موكب زينوه لأنفسهم وللآخرين، دخلوه على أرضية الطمع الشخصي، والزهو الخبيث، والتفريط السافر بالحق، تحت ذرائع شتى؛ ثم غرقوا في الذي كسبوه من فاسد المال والسيرة والمواقف، الأمر الذي زادهم بؤساً وفساداً ويأساً وتوغلاً في مسيرة خائبة؛ فانساقوا وراء المكابرة والمقايضة والاستكبار، وسلكوا طريقاً فيها حماية لذواتهم ومكاسبهم و"مناصبهم" على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته ومعاناته ومصالحه، واحتموا بالعدو الذي غدوا أنيابه وأظافره.
وهل بقي للعرب خيارات تذكر بعد إعلانات نتنياهو ومن يمثّل، واليسار الإسرائيلي بفصائله، والكونغرس الأميركي كله، وإدارة كلنتون المتصهينة برموزها اليهودية - ساندي برغر - مادلين أولبرايت - وليم كوهين - مارتن انديك - دنيس روس - أهارون ميللر، بعد إعلان تلك المواقع كلها: "أن القدس عاصمة أبدية موحدة "لإسرائيل"، وأن للفلسطينيين في أحسن الأحوال والظروف حكماً ذاتياً يشمل السكان ولا يشمل الأرض، ولا يشكل سيادة من أي نوع، ويتاح لإسرائيل حسب أحكامه دخول أي مكان منه في أي وقت للأغراض الأمنية أو بذريعتها؟!
وهل يتفاءل المتفائلون من العرب، الذين يقومون بدور الوسيط أو الذين ينتظرون نجاح الوساطة، بالتوصل إلى "سلام" من أي نوع مع "إسرائيل" في ظل القصف المستمر لجنوب لبنان، ولجوء الكنيست الصهيونية إلى سَنّ قوانين تثبّت فيها ضم الجولان السوري المحتل والإيعاز إلى فرع الكنيست في واشنطن بإغلاق مكتب منظمة التحرير ووقف المساعدات الأميركية للفلسطينيين؟! وهل يجدون أية فرصة لبدائل ملائمة ولمسوّغات مشجعة لتعايش مع الاحتلال في ظل تصعيد التوتر وتنامي الأحلاف المعادية للأمة العربية وهويتها وأحلامها ومصالحها وتطلعاتها المشروعة؟! وهل يمكن تصور نجاح أي نوع من المفاوضات وأي نوع من الاتفاقيات في ظل اختلال موازين القوى بشكل فاضح لمصلحة العدو وحلفائه وأعوانه وعملائه في المنطقة ؟!
إن هذه الأسئلة وسواها، مما أصبح معاداً مكروراً ومملاً لكثرة ما طُرح، تلقي بظلالها على المقاومة الوطنية في الساحتين: الفلسطينية واللبنانية، تلك التي تختار اختياراً مغايراً للاختيار الرسمي المثقل بألوان من المشكلات والتوازنات والاعتبارات، وبأشكال أخرى من الإحباط والبؤس.
والمقاومة التي يصفها عربٌ بالإرهاب تمشياً مع ما يقوله العدو الصهيوني عنها، وتقاومها سلطٌ عربية متّفقة مع العدو على ضرورة تدميرها، تقف اليوم هي ومن يدعم صمودها ويشيد بدورها ويؤكد مشروعية أدائها، تقف على مفترق صعب :
- فإما متابعة المسير في طريق تدفع ثمن السير فيه غالياً جداً، وقد يحرك الشارع العربي فيحرك الأنظمة ضده .
- وإمَّا أن تكتفي بالإعلان عن نفسها وموقفها من آن لآخر، وتركّز على مطالبها المتعلقة برموزها وما يستهدفها وما ترمي إليه على المدى البعيد .
وفي كلا الموقفين تحتاج إلى من يُمدّها بالتشجيع والتأييد، إذ لا يجوز أن تغيب أو أن تغيَّب، فهي العلامة المضيئة في وطن تنطفئ أضواء المقاومة والمنارات في معظم أقطاره، وهي الموقف الذي يرفع رأس الأمة على الرغم من إدانة من يدينون وشجب من يشجبون.
وتأييد المقاومة، سواء أكان مادياً أم معنوياً، من الأمور المحظورة في ظل سيطرة السيد الأميركي والعدو الصهيوني؛ ويلقى هذا الحظر استجابة أو قبولاً في ظل الاتهام الذي يشيع بأن ما يجري هو "إرهاب" وعنف موجه ضد "أبرياء". وتشكل الآلة الإعلامية المعادية، والأنظمة الموالية للعدو الصهيوني، وتلك المرتبطة بالقرار الأميركي، تشكل أداة ضغط ونوعاً من سياج حصار على المقاومة، بدلاً من أن تكون قاعدة دعم لها؛ فكيف السبيل إلى استنبات المقاومة في محيطها، وبقائها حية مزدهرة محمية في بيئتها ومقبولة ومدعومة من تلك البيئة ؟!
إن ذلك يستدعي أولاً، وقبل كل شيء، إظهار مشروعية فعل المقاومة، وعدالته، وحقَّانيته؛ وأن ذلك الفعل الذي ألجئت إليه في ظل استمرار الاحتلال وتفاقم الاستيطان وتصاعد حملات القمع والتصفية والاضطهاد للإنسان على أرضه، هو فعل إنساني مشروع .
وهذا يعتمد على تقديم أمرين في تساوق تام :
1- المبرر الخلقي والقانوني لفعل المقاومة، لا سيما هذه المقاومة الموجهة ضد الاحتلال الصهيوني-العنصري، والآن، في الظروف التي أوجدتها اتفاقيات أوسلو ووادي عربة؛ وما أشيع من "سلام" في المنطقة، أخذه العالم بعين الاعتبار، وباركه أو أيَّد حصوله من يقدَّمون على أنهم أصحاب التمثيل الشرعي النهائي للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية!؟!.
2- المسوِّغ الذي يجعل هذه المقاومة تمارس عملها وتحدد أهدافها في أوساط مجتمع الاحتلال: عسكرياً كان أم مدنياً.
أمَّا الأمر الأول: أي المبرر الخلقي والقانوني: فهو مشروع مُقَرّ حسب الأعراف والمواثيق الدولية، ولكن ما أسبغ على الموضوع من هالة "سلام الاستسلام" الذي جرّته اتفاقيات الإذعان، ومشاركة أهل سلطة الحكم الذاتي في إدانة فعل المقاومة، والتواطؤ الدولي على طمس هذا الحق بحجة إنجاز عملية السلام؛ كل ذلك يعطي لمنطق العدو "قبولاً"، ويضفي على منطق المقاومة "ضعفاً" بنظر الذين لا يعرفون بواطن الأمور، والذين تجرفهم سيول الإعلام المعاصر والدعاوة الصهيونية .
أمَّا الأمر الثاني: أي المسوِّغ الذي يجعل المقاومة تمارس عملها في أوساط مجتمع الاحتلال. وهو الأمر الأهم من حيث ضرورة تركيز جهد إعلامي وثقافي وسياسي وحتى دبلوماسي عليه -إن أمكن- هو أن المجتمع "الإسرائيلي" مجتمع عسكري بصيغ "مدنية"، وكل شخص فيه يدرك تماماً أنه محتل لأرض الغير بالقوة، وأنه باق فيها بالقوة أيضاً في إطار مشروع استيطاني توسعي، وأنه يمارس عدواناً مستمراً على الشعب الفلسطيني، ويقوم بتصفية هذا الشعب مادياً أو معنوياً، حسب برنامج بطيء مدروس يُفضي في النهاية إلى الاستيلاء على فلسطين كاملة والهيمنة على أرض عربية وإرادة عربية .
إن هذه الحالة من الوعي بالمشروع الصهيوني عبر مرحليّاته، حالة يدركها كل يهودي يأتي إلى فلسطين؛ إنه يدرك أنه المستعمِر، وأنه يأتي على حساب آخر يقتله أو يستعمره، وهو يتدرب على كل فنون القتال، ويخوض الحرب بأشكال مختلفة. فمن هذه الناحية لا يوجد مواطن غفل بريء ممن يحتلون فلسطين، ولا يوجد محايد بينهم، وإنما الكل يعمل ضمن رؤى لتحقيق المشروع الصهيوني-الاستيطاني.
والعملية الأخيرة التي تمت في القدس تمت في حي "محنييه يهوذا" أي في معسكر يهوذا، وهذه التسمية لا تخلو من دلالة.
وانطلاقاً من هذا فإن على الفلسطيني الذي يقاوم الاحتلال أن يواجه المحتلين جميعاً، وكل يهودي في فلسطين هو محتل قادم إليها من أرض أخرى على أرضية مشروع عدواني استعماري، وبنزوع عنصري واضح فأين البراءة والأبرياء بين أولئك يا ترى؟! .
إن المقاومة مطالبة بالاستمرار، أداء لواجبها وحفاظاً على أهداف الشهداء الذين قضوا على طريق أهداف الحرية والتحرير، وأبناء الأمة العربية الذين يؤمنون بحق المقاومة في العمل، وبضرورة التحرير، مطالبون بممارسة دور يدعم المقاومة، انطلاقاً من هذه الأسس، في المجالات جميعاً .
إن ترك المقاومة وحدها لا يليق بشعب يتمسك بحق وأرض وتاريخ، وبعقيدة تدعو إلى الكرامة والعدل والحرية، وإن مقاومة لا تستند في أدائها وبرامجها إلى الشعب، ولا تستمد قوتها من وجدانه تبقى مهددة ومرتبكة.
فليكن لمقاومتنا عمق الشعب واستمرار هذا العمق وتوسيعه حتى النصر، وليكن لها كل مبررات الفعل الخلقي والقانوني والإنساني الذي تقوم به دفاعاً عن النفس والوطن والحق، وصولاً لأهدافها، مهما ارتفع الثمن وامتدت الطريق.
والله من وراء القصد .
دمشق في 31/7/1997
الأسبوع الأدبي/ع573//16/آب/1997
|