|
القدس ومؤتمر الدفاع عنها
القدس: " تنزيه الله "، والبيت المطهر، ومطهر من الذنوب، وبَرَكة، هكذا نجد معانيها في لسان العرب، وهي في لغتهم الأقدم مدينة السلام " أورسالم " أو " أورشليم " حسب تسمية العرب الكنعانيين الذين اختطوها وأشادوها عام 3200 ق.م، وهي يبوس التي أقام فيها اليبوسيون العرب، وهم بطن من بطون العرب الكنعانيين، حصنهم المعروف بصهيون/ أي الأرض المرتفعة حسب اللغة الكنعانية/ في مطلع الألف الثالثة قبل الميلاد وسكنوها وانتسبوا إليها ونسبوها إليهم، ولم يُغلبوا عليها ولم يخرجوا منها حتى يوم غزاها داود وأقام في "حصن اليبوسيين" صهيون، ملكاً دام مع ملك ابنه سليمان سبعين سنة ونيِّفاً في تلك القلعة التي سميت "مدينة داود" وما زال يتحدث عنها اليهود جاعلين لها في التاريخ تاريخاً، في حين لم تدم مدينتها ـ مملكتها ـ سوى ما يقرب من سبعين سنة.
لقد بقي العرب في القدس، كما بقوا في فلسطين، وعاشت في المدينة المقدسة التي حملت شفة كنعان على مر التاريخ قبائل عربية منها: "لخم وجذام وعاملة وكندة وقيس وكنانة، وكذلك بطون من قضاعة والقَيْن وبنو كلب وجرم وبنو عذرة... إلخ.".
وهي مهد دعوة المسيح وطريق آلامه وموضع صليبه، الذي أثقل كاهله فيها فوق ثقله حقدُ "أولاد الأفاعي" قتلة الأنبياء، مزوّرو العقائد والوقائع والتاريخ الذين ما زالت تفيض عنصريتهم الحاقدة كرهاً للأمم وحقداً عليها بأشكال مختلفة، منذ خرجوا على شريعة موسى وحرَّفوها في التيه وبعده إلى يوم الناس هذا. وهي إيلياء كما سماها الرومان، ثم القدس التي تعززت مكانتها العربية والإسلامية بالإسراء والمعراج من جهة، وباستعادة الفتح العربي ـ الإسلامي لها من جهة أخرى، حين تلاقى فيها عرب ما قبل الفتح مع عرب الفتح، وحافظت عليها "العهدة العمَرية" نظيفة من العنصريين تنفيذاً لرغبة المسيحيين التي أبداها بلسانهم البطريارك "صفرونيوس" بطريارك القدس، الذي طلب من عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألا " يسكن بإيلياء معهم أحدٌ من اليهود "، جرياً على ما كان عليه الأمر منذ حرّمها الرومان على اليهود، في عهد طيطس بعد أن أجلاهم عنها نبوخذ نصر البابلي، وأعادهم إليها قورش الفارسي بعد مصاهرته لليهود وزواجه من استير ؛ ولم يدخلوها من بعد إلا بفضل تسامح صلاح الدين الأيوبي الذي استعادها من الصليبيين.
والقدس اليوم، بعد أن غلب عليها الصهاينة نتيجة تواطؤ استعماري غربي مقيت، وضعف وتمزق عربيين لا مثيل لهما، القدس اليوم يُفرض عليها واقع القوة المتغطرسة الذي يراد له أن يخلق حقاً لليهود فيها وأن يلغي تاريخاً وحضارة وحقاً خالداً للعرب: مسلمين ومسيحيين في كل صرح وآبدة حضارية وحجر ودرب وذرة تراب، ليس فيها فقط وإنما في كل مكان من الأماكن المقدسة في فلسطين من الخليل إلى بيت لحم والناصرة ونابلس وطبريا، أي في فلسطين كلها .
وعلينا اليوم، بعد أن تحوَّل وعد بلفور إلى دولة يهودية صهيونية- عنصرية تحتل القدس، وتعمل على تهويدها بالكامل وطرد سكانها العرب: مسيحيين ومسلمين منها، وتهديد أماكن العبادة فيها /كنيسة القيامة- قبة الصخرة المشرفة- المسجد الأقصى - والمسجد العمري/ بالتدمير والإبادة وصولاً إلى إقامة الهيكل في مكان مقدسات إسلامية، علينا أن نسأل أنفسنا: إلى متى يستمر تنفيذ هذه السياسة العدوانية- العنصرية الثابتة التي يجري تشجيعُها وتمويلها وتغطيتها ودعمها من قبل الغرب الاستعماري وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، التي يتخذ مجلسا الكونغرس فيها قرارات تتعلق بمستقبل القدس، هي أكثر تهوراً وإثارة للمشاعر مما تتخذه الكنيست "الإسرائيلية" في بعض الأحيان، وأن دل ذلك على شيء فإنما يدل ذلك على مدى العداء المستحكم في العقلية الأميركية المتصهينة لكل ما هو عربي، ولكل من المسيحية المشرقية والإسلام، بما لهما من مكانة روحية وحضور تاريخي في المدينة المقدسة وفي فلسطين ؛ وسواء أتم ذلك على أرضية الجهل بالحقائق والوقائع أو على أرضية التجاهل والاستهانة والاستخدام المطلق لغطرسة القوة ضد قوة الحق، فإنه يؤدي إلى ضياع الحق والمقدسات ويستوجب عملاً شافياً ومواجهة مجدية يضعان حداً للاستهانة والمهانة والمعاناة في تلك البقاع المقدسة !؟!.
إن القدس هي تاريخها ومكانتها التاريخية والروحية، وأوابدها ومعابدها ومقدساتها ومعاني ارتباط الوجدان الشعبي لملايين الناس بها، ولكنها أيضاً بالنسبة لنا بعدها الفلسطيني المتعلق بالسيادة، ورمزها القومي بالتاريخ ومكانة الأمة ووحدة موقفها، وهي أهلها الذين يلخصون ذلك ويجسدونه ويعطونه أبعاداً في الماضي والحاضر والمستقبل ؛ إنهم المسيحيون والمسلمون الذين يتعرضون للاضطهاد والقمع والطرد والاقتلاع وأنواع التضييق والإذلال، ويطبق عليهم برنامج إبادة بطيئة بالمعنيين: المادي والروحي ليتم تهويد المدينة المقدسة بالكامل وإزالة الإنسان قبل البنيان من أرجائها، وصولاً إلى تزييف هويتها العربية ومكانتها الروحية، ومنزلتها في الثقافة القومية والإنسانية. فقد هُجِّر خلال السنوات الأخيرة فقط أكثر من ( 4000) عائلة فلسطينية كانت تسكن القدس، وتم ذلك بطرق تعسفية عنصرية مختلفة سُنَّت لها القوانين الصهيونية من أجل إكسابها الشرعية والمصداقية.
والصهاينة اليوم يستهترون بكل حقوق الملكية التاريخية للعرب في القدس، كل القدس، ويتصرفون تصرف المالك فيها عملاً بمبدأ: "الحيازة هي سند التمليك"، متبعين سياسة فرض الأمر الواقع بقوة القهر، زاعمين أن القدس هي " عاصمتهم الأبدية الموحدة "، وهم يعنون ما يقولون، ويعملون على تثبيت هذا الذي يقولونه ويعنونه على الأرض من خلال الاستملاك وإقامة عشرات المستعمرات على شكل أطواق استراتيجية حول القدس لعزلها عن فلسطين وعن التواصل مع أهلها الأصليين ؛ وآخر ما ينفذ من تلك المستعمرات مستعمرة جبل أبو غنيم، ومستعمرة باب العمود ؛بالإضافة إلى العديد من المستعمرات التي أقرها حزب العمل ويتابع تنفيذ ما ينبغي تنفيذه منها الليكود ومن يتولى السلطة في المستقبل، على مبدأ اقتسام المهام وتوزيع الأدوار واستمرار تنفيذ المخطط .
ولا بد لنا من مواجهة سياسة التهديد والاقتلاع والتهويد وفرض الأمر الواقع الذي يتم بقسوة وفظاعة تشملان الحجر والبشر دون تمييز، وأن نواجه ذلك على أرضية المعطيات والحقائق والوقائع الآتية :
1- إن وجود " إسرائيل" في المنطقة العربية يتنافى مع كل صيغة من صيغ السلام أصلاً لأنه وجود قام بقوة الإرهاب والقهر ويستمر بتلك الوسائل، وهذا بحد ذاته مناف لأبسط مبادئ العدل الذي يؤسس للسلام الحقيقي.
2- وهي ـ بافتراض إمكان قيام سلام بوجودها ـ لا تريد السلام، ولا يلائمها السلام، ولا تعمل له ولا يهمها أن يكون عادلاً وشاملاً ودائماً؛ لأن مصلحتها ومشروعها يستمران وينموان على أرضية الحرب والتهديد الدائم بها، وأوضح أدلتنا على ذلك :
* سياسة التهويد التي تتبعها في القدس وسواها، تلك الهادفة إلى تهجير الـ مئة والخمسين ألفاً من العرب الفلسطينيين الذين يسكنون القدس الشرقية، وإسكان أكثر من مليون يهودي فيها .
* عدم الالتزام بما توقعه من اتفاقيات، حتى اتفاقيات الإذعان التي فرضتها بالتعاون مع حلفائها وشركائها، على الرغم من أنها اتفاقيات لا تخدم سوى مصالحها بالدرجة الأولى .
* ورفضها استئناف المفاوضات مع سورية من النقطة التي توقفت عندها، تلك المفاوضات التي بدأت في " واي بلانتيشن " .
* لجوؤها إلى تعزيز قدراتها القتالية، وترسانتها النووية، وعقيدتها العدوانية.
* إقامتها أحلافاً في المنطقة هدفها فرض هيمنة شاملة عليها مستقبلاً في كل المجالات، مثل تحالفها مع تركيا، الذي يهدد دولاً عربية وإسلامية منها سورية ولبنان والعراق وإيران، ويتم برعاية ودعم أميركيين ويخفي انضمام دول عربية إليه مثل الأردن الذي يدخله من باب المناورات المشتركة مع الأميركيين، تلك المناورات التي يحضرها " إسرائيليون " ويشاركون فيها سراً، وقد حضر مؤخراً عدد من قادة جيش العدو مناورات عسكرية جوية في قاعد عسكرية أردنية. والأردن يتطلع إلى تحقيق أهداف وأطماع إقليمية في المنطقة منها السيطرة على العراق "بعد تقسيمه" ؛ وقد ظهرت إشارات عديدة على هذه الطريق كان آخرها تلك التي صرَّح بها " إيهود باراك " رئيس حزب العمل الذي قال: " إنه سيتدخل بقوة لدى الولايات المتحدة الأميركية لإقامة نظام حليف في العراق، والأفضل أن يكون هذا بزعامة كونفدرالية أو فيدرالية للملك حسين "، وما إشارات الفيدرالية تلك سوى تلميحات تطمينيَّة مؤقتة للتعمية على الهدف الرئيس ؛ إذ لا يمكن أن تقوم بين صدام حسين والملك حسين فيدرالية ملكية يقودها الحسين فذلك ضرب من الهذيان، وما الهدف من ترويج مثل هذا القول إلا ذر الرماد في العيون !؟!.
* تهديد " إسرائيل " المستمر لسورية واستفزازها لها انطلاقاً من لبنان ومن محاولات تهويد الجولان بعد ضمة، وإقامة سد في أراض سورية محتلة قرب الحمَّة السورية، والتلويح باستخدام السلاح النووي ضدها.
* عدوانها الدائم على لبنان، وتدمير البنية التحتية لمنشآته الاقتصادية ومؤسسات الخدمة المدنية فيه، وجعل سكان الجنوب والبقاع وبعلبك خاصة في حالة من الخوف وفقدان الاستقرار، وتكريسها المستمر للاحتلال، وتعزيزها للنزوع العنصري الصهيوني الاستيطاني سواء أكان ذلك في القدس أو في الجولان أو في جنوب لبنان أو في معاملة العرب، كل العرب، الواقعين تحت الاحتلال، أو الذين يطولهم الأذى الصهيوني بأي شكل من الأشكال .
* مطالبتها المستمرة بأن يقوم عرفات بتصفية البنية التحتية ـ البشرية وغير البشرية ـ لحماس والجهاد الإسلامي، وهو المدخل الذي تركز عليه لتصفية الشعب الفلسطيني بأيدي أبنائه ؛ وإصرارها على تشويه صورة المقاومة المشروعة للاحتلال بوصفها إياها بالإرهاب، ومحاولة سحب تلك الصفة على الإسلام ذاته ؛ وتسخير عناصر صهيونية للقيام بحملات تشويه وإساءة للنبي محمد " ص " وللمقدسات الإسلامية والمسيحية.
كل هذه العوامل والممارسات والتوجهات، إضافة إلى التاريخ العدواني العنصري ـ النازي الأسود للصهيونية و" إسرائيل "، مما يجعل من المستحيل قيام توجُّه حقيقي نحو السلام فيها ومعها ؛ فضلاً عن حقيقة أن السلام العادل والدائم في هذه المنطقة لا يمكن أن يقوم ويستتب مع بقاء سيادة صهيونية في فلسطين وعليها، على حساب وجود الفلسطينيين وسيادتهم، فتلك قضية حق تاريخي ومبدأ خلقي وإنساني وحقوقي وقومي لا يمكن التهاون بها أو مجاوزتها أو التغاضي عنها .
2- إن الولايات المتحدة الأميركية ليست مؤهلة، بسبب انحيازها المطلق لـ "إسرائيل" ودعمها الدائم لممارساتها العدوانية وسيطرة الرموز الصهيونية على سياستها في المنطقة، ليست مؤهلة لأن تقوم بدور الوسيط النزيه والراعي العادل لمفاوضات تفضي إلى السلام، وهي تضع نفسها طرفاً ظاهر الانحياز، يعطل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، التي تحاول أن تضع حداً لممارسات إسرائيل العدوانية في القدس والخليل على مقدسات العرب: مسيحيين ومسلمين؛ ولا يهم الولايات المتحدة الأميركية سوى أمن " إسرائيل " فقط، وهي تمارس ضغطاً وترسل مبعوثين لتضع سلطة الحكم الذاتي على الطريق التي رسمتها اتفاقيات أوسلو، تلك التي حددت الدور العرفاتي برئاسة مخفر أمني متقدم في خدمة الأمن " الإسرائيلي ".
3- إن اتفاقيات الإذعان، ومظاهر التطبيع بكل أشكاله، والهرولة السياسية والاقتصادية والثقافية على أعتاب الكيان الصهيوني، كل ذلك أوصل إسرائيل إلى استهتار تام بالأمة العربية ومقدساتها وحقوقها وقيمها ومقومات القوة فيها، وبقراراتها وتحركاتها ؛ وحوّل بعض العرب إلى وسطاء لمصلحتها، وكأن القضايا التي تنتهكها " إسرائيل " وتستهين بها: مثل القدس وقضايا الشعب الحياتية اليومية والمصيرية، والمقدسات، وممارسات الاحتلال وهمجيته، وتهويد القدس ؛ كأن كل ذلك لا يهم أولئك " العرب " وكأن القدس وما تمثله وما تعنيه تاريخياً وروحياً، ليست من صلب معتقدهم الديني وانتمائهم القومي ومقومات هويتهم وثقافتهم!؟!.
4- إن الولايات المتحدة الأميركية، التي تضع الغرب في ركابها أو تمنعه من ممارسة دور لا يخدم مصالحها ولا يصب في تيار دورها في المنطقة وفي قضية القدس بالذات ؛ تضع ثقلها المباشر، من خلال مجلسي الكونغرس على الخصوص، وراء موضوع تهويد القدس وجعلها " عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل "، وتقديم الدعم المالي والتغطية السياسية والدبلوماسية والإعلامية لهذا التهويد الشامل، وتبادر إلى اتخاذ قرارات سياسية بشأن جعلها "عاصمة أبدية موحدة" لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، وتستخدم حق النقض " الفيتو " استخداماً تعسفياً في مجلس الأمن لمنع أية إدانة " لإسرائيل " أو أي إيقاف لعملية تهويد القدس وبناء المستعمرات فيها لتجعلها خالصة لليهود من الناحية السكانية.
إننا مع أي عمل عربي وإسلامي، رسمي وشعبي، ينقذ القدس وينصر أهلها ويثبتهم فيها ويحمي مقدساتها وحقوق شعبنا وأمتنا فيها ؛ وقد كان المؤتمر الشعبي العربي للدفاع عن القدس، الذي عقد في عمَّان / 20 ـ 21 ـ 1997/ مبادرة طيبة وهامة على هذه الطريق، لا سيما في هذه الظروف بالذات، وإن مجرد انعقاده بمشاركة ثرية ومتنوعة من قبل فعاليات سياسية وثقافية من: أحزاب ومنظمات شعبية ونقابات مهنية وشخصيات لها مكانة وحضور في ساحة الفكر والنضال والعمل السياسي والاجتماعي، مثلت ساحات عربية وإسلامية ؛ إن مجرد ذلك الانعقاد يشكل خطوة إيجابية يحسن بنا أن ننميها وندعمها ونقف معها.
وقد صدر عن ذلك المؤتمر الذي عقد تحت شعار :
( القدس لنا .. 6000 سنة )
ـ ميثاق الدفاع عن القدس. *
ـ استراتيجية المواجهة الشعبية للغزو الصهيوني للقدس وفلسطين والأراضي العربية.
ـ بيان ختامي ومقررات وتوصيات.
وقد عرض الميثاق للتوقيع المباشر عليه، التزاماً بما ورد فيه، وسيكون بمتناول كل من يرغب في الإطلاع عليه والالتزام به ؛ ليس في الوطن العربي فقط وإنما في كل البلدان وباللغات الحية، حيث يوجد عرب ومسلمون ومهتمون بقضية القدس وفلسطين.
ومما تجدر الإشارة إليه، في هذا المجال حقيقة، أننا في الوطن العربي نحتاج إلى الأفعال أكثر مما نحتاج إلى الأقوال، وينقصنا أن نعمل حسب برنامج علمي ـ عملي بالتزام وثقة واقتدار، وبروح التضحية والجماعة والمسؤولية. وها هي فرصة سانحة تتعلق بقضية من أكثر قضايا الأمة أهمية وقداسة ومصيرية: إنها قضية القدس وفلسطين، التي تُطرح على أرضية مبدئية ثابتة تؤكد حقيقة مستقاة من الواقع والمعاناة بمرارتهما، حقيقة تقول: إن صراعنا مع العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس نزاعاً على حدود، وأننا ما لم نأخذ هذه الحقيقة الجوهرية بالاعتبار ونبني انطلاقاً منها وتأسيساً عليها استراتيجية العمل في المستقبل، فإننا سنبقى نهباً للتناقض والضياع والضلال، وسنعيش تيهاً بعد تيه وهزيمة بعد هزيمة. وأنه ما لم تنطلق الأمة في توجهها واختياراتها وأساليب عملها وأدواتها من ثوابت مبنية على حقائق التاريخ والجغرافية، وحقائق الواقع باستشراف تفاؤلي واستقراء منطقي للمستقبل، يعطيان لامتلاك القوة على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما، المكان الأول من الاهتمام والتخطيط والتنفيذ، فإنه لن تقوم لنا قائمة يُعتدُّ بها بين الأمم والشعوب ؛ ولن نتمكن من أن نبني أسساً متينة على أرضية ثابتة من الحق والعدل واختيار الشعب والأصالة والحرية، وصولاً إلى ما يبني الوجود الحي والكرامة والحضارة.
ونقترح في هذا المجال :
1 ـ أن يتم توقيع كثيف، يشير إلى تبن شامل لميثاق الدفاع عن القدس، وأن نرفع درجة الاهتمام به والعمل من أجله ؛ حسب الاستراتيجية الموضوعة وبإضافة اجتهادات عليها تصب في مجرى الميثاق وتنفيذه.
2- تقديم كل أنواع الدعم الممكن للقدس وأوابدها، ولسكان القدس في جميع مجالات الحياة والعمل والصمود والمواجهة الإيجابية، ليتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم وعن انتمائهم لأمتهم، وليدافعوا عن المدينة وما تمثله من هوية وانتماء وقدسية.
3- دعوة وزراء الخارجية العرب إلى مطالبة مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة والمنظمات العالمية والإقليمية والعربية: منظمات للتربية والثقافة والعلوم، واليونيسكو والأسيسكو والألكسو بتأكيد قراراتها ومواقفها المتعلقة بالقدس، لا سيما قرارات مجلس الأمن الدولي :
185/ لعام 1984، 114/ لعام 1949
251/ لعام 1968، 252/ لعام 1968
271/ لعام 1969، 298/ لعام 1971
وسائر قرارات المنظمات الدولية المعنية المتعلقة بالقدس وهويتها الثقافية وانتمائها العربي وسيادة أهلها عليها، ولا سيما تلك التي أكدت على بطلان ضم القدس واعتبار كل ما ترتب على ذلك لاغياً وباطلاً وكأنه لم يكن.
4- دعوة مؤتمر قمة العالم الإسلامي الذي سيعقد في طهران هذا العام / 1997 / إلى التركيز على مخاطر موضوع التغيير السكاني والعمراني والمستعمرات الصهيونية في القدس، والتهديد الذي يطال الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية بالتدمير والتشويه، ولا سيما الأنفاق وإقامة الكُنُس اليهودية فيها ـ مثلما تم في النفق الذي يمر تحت ساحة المسجد الأقصى ـ والحفريات الأخرى قرب حائط البراق وغيره من الأماكن .
5- دعوة الدول العربية، من خلال جامعة الدول العربية ومؤسسة مؤتمر القمة العربية، إلى إيقاف كل شكل من أشكال تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني، والتركيز على تثبيت المقاطعة العربية وتفعيلها، والقيام بالردود العربية الممكنة في كل المجالات على مخططات العدو الصهيوني وممارساته في القدس وفلسطين وبقية الأراضي المحتلة، تلك التي تنصب على السكان والهوية والأوابد والصروح الحضارية .
6- توجيه نداء للمنظمات الدولية والمؤسسات العالمية ذات العلاقة بالموضوع يركز على موضوع القدس والأخطار التي تتعرض لها، والاستراتيجية الصهيونية العدوانية المتخذة بشأنها، وتحريك لجنة القدس المشكلة في إطار عربي ـ إسلامي لتقوم بخطوات عملية في هذا المجال .
7- العمل على إصدار موسوعة عربية- إسلامية مركَّزة وشاملة حول القدس، تأخذ بالاعتبار حقائق الوجود العربي التاريخي والهوية العربية- الإسلامية للقدس منذ أسسها العرب الكنعانيون، ولا تبدأ تاريخ العرب والمسلمين فيها منذ الفتح الإسلامي للمدينة فقط.
8- توجيه وسائل الإعلام العربية والصديقة للتركيز على موضوع القدس وما فيه من وقائع وحقائق، وما تقوم به " إسرائيل " فيها من أعمال تهدد المدينة والسلام في المنطقة معاً .
إننا نؤكد قدرة أمتنا العربية: على الصمود والمواجهة، ونؤكد مسؤولية العدو الصهيوني وحماته وحلفائه عن خلق بؤر التوتر في المنطقة وتعطيل مسيرة السلام ونقض حتى الاتفاقيات والعهود والمواثيق المجحفة بحق الأمة العربية .
ونقول بضرورة التضامن العربي، والعمل العربي النوعي على أرضية العلم وامتلاك القوة لتغيير ميزان القوى المختل لمصلحة العدو؛ والتالي تغيير الواقع العربي الراهن الذي لا يرضي عدواً ولا صديقاً.
ونقول بأن الأوضاع العربية الراهنة التي ينتج عنها هذا الضعف والتآكل في الإرادة والمبادرات والقدرات ليست قدراً ولا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وكذلك فإن اختلال الأوضاع الدولية التي يحكمها الآن قطب وحيد الطرف يعمل لمصلحة "إسرائيل" هو الولايات المتحدة الأميركية ليس قدراً هو الآخر ولن يستمر إلى الأبد .
إن الحياة حركة؛ والحركة ينبغي أن تقترن بالتفاؤل بالنسبة إلينا في وضعنا العربي والإسلامي على أرضية المعطيات والإمكانيات واستقراء التاريخ البعيد والقريب وتاريخ نضال الشعوب والأمم، وقد آن الأوان لنلتفت التفاتة جدية إلى علاقاتنا العربية الإسلامية بشيء من الجدية والمنهجية العلمية والعملية على الصُّعد والمستويات جميعاً ؛ فنحن مستهدفون بأشكال مختلفة، وضعف كل منا يزيد الآخر ضعفاً والعدو قوة .
إننا نفرق تفريقاً جوهرياً دقيقاً بين الصمود والانهزام، بين السلام والاستسلام، وكذلك بين المقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني في كل الأرض العربية المحتلة وبين الإرهاب الذي لا نؤيده ولا نقره ونقول إننا ضحاياه وضحايا من يمارسه ببشاعة يومياً وهو " إسرائيل "، ومن يرعاه قولاً وعملاً وهو الولايات المتحدة الأميركية.
إننا مع المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال، ومع حقنا في ممارستها دفاعاً عن النفس والأرض والحق ؛ ولن يجعلنا التهديد والاستفزاز نتنازل عن حقوقنا في فلسطين والقدس، ولا في الجولان وجنوب لبنان، ولا عن البعد القومي للقضية الفلسطينية بكل ما يعنيه ذلك تاريخياً وعملياً، ولا عن قضية القدس مفتاح هذه القضية بشكل عام، ولا عن وجدنا النوعي على أرضنا ودورنا التاريخي في الحضارة الإنسانية .
دمشق في 25 / 8 / 1997
الأسبوع الأدبي/ع575//30/آب/1997
|