صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

سحر أولبرايت

لولا موت الأميرة ديانا أميرة ويلز في باريس ذاك الموت المفجع هذا الأسبوع لاستمرت مادلين أولبرايت في اختطاف الأضواء والأخبار على مدى الأيام القليلة الماضية والقادمة، تلك التي تسبق وتواكب وتعقب رحلتها المنتظرة إلى منطقتنا في التاسع من هذا الشهر، ولكن موت الأميرة انتزع الواجهة لفترة وبقيت أولبرايت في خلفية المشهد بإيحاءات حضورها.‏

وتبدو لي وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية كإحدى ساحرات ماكبث وهي تدور حول القِدْرِ الموضوع على النار تلقي الحطب والبخور وتقرأ "تعزيماتها" وتنثر شعرها من حول القناع الذي يغطي وجهها لأمر في نفس يعقوب، بينما تفيض أعماقها بالحقد والشر على العرب "الإرهابيين" وهي تنفث سحرها وسمومها في عُقَدِ الخيوط التي تحوكها مع شركائها في المنطقة، للمنطقة.‏

ما يهم اليهودية- الصهيونية أولبرايت هو مصلحة "إسرائيل" وأمنها ونجاح خططها لقضم ما تبقى للعرب من حق وأرض وإرادة، وما أجبرها على المجيء إلى المنطقة، بعد غطرسة وتعال وإهمال مقصود مقرون بالازدراء وبضغط شديد على كل من لا يخضع لمشيئة "نتنياهو" فيها، هو العملية المزدوجة في معسكر يهوذا بالقدس /30 تموز 1997/ وما أنتجته من قلق وذعر؛ وقد تحركت الوزيرة بعد أن دفعت اليهودي- الصهيوني دنيس روس إلى المنطقة لإعادة التنسيق الأمني، والتنسيق الأمني فقط، بين سلطة عرفات وسلطة الاحتلال برعاية الـ C.I.A ومشاركتها المباشرة، ليؤدي ذلك إلى تدمير شامل للبنية التحتية للمقاومة الوطنية الفلسطينية /حماس والجهاد الإسلامي/ أحد أهم الأهداف والشروط لاتفاق أوسلو.‏

وإذا كانت الإدارة الأميركية قد أدركت للمرة المئة ربما، أهمية المسار السوري في المفاوضات وأهمية سورية ودورها في المنطقة /سلماً وحرباً/ ووضعت ذلك على رأس اهتمامات الوزيرة -الساحرة - بالمعنى الشيطاني للكلمة - في الجولة الحالية، فلأن المؤسسة الصهيونية بكل أذرعها قد أحسنت القراءة لما يجري من مقاومة في داخل فلسطين المحتلة وفي جنوب لبنان، وتملَّت في معاني التحركات والمتغيرات السياسية البطيئة نسبياً التي تجري في المنطقة من طهران إلى لبنان، واقتنعت بأن الدور السوري لا يمكن محاصرته و تهميشه أو تغييبه، وأنه دور رئيس في المنطقة يصعب مجاوزته وتفتيت نواته الصلبة؛ وقد قرأت تلك المؤسسة الأحداث والوقائع قراءة متأنية فرأت ذلك بجلاء.‏

فهل يكون لهذه الجولة تأثير إيجابي يؤدي إلى تغيير يشمل استئناف المفاوضات السورية- الإسرائيلية -التي لا تعني لي شيئاً ذا أهمية- استئنافها على أرضية الاقتناع بضرورة أن يتم ذلك باحترام لمرجعية مدريد ولما تم التوصل إليه في "واي بلانتيشن" أم أنها تأتي: للسبر والاستطلاع وكسب الوقت وإحداث مزيد من الانشقاق والتمزق في الصف العربي، ولدعم مؤتمر الدوحة الاقتصادي -أي مؤتمر "إسرائيل" الشرق أوسطي- وتعزيزاً لتعاون سلطة عرفات مع سلطة نتنياهو ضد المقاومة الفلسطينية؟!‏

إن مقاربتي لأجوبة على هذه الأسئلة، أو مقاربة الأسئلة ذاتها تنطلق أولاً من المسلمات الآتية:‏

1- أن الولايات المتحدة الأميركية دولة معادية لآمال العرب وحقوقهم ومصالحهم، بكل المقاييس.‏

2- أن الذين يتولون ملف القضية الفلسطينية، أو ملف الشرق الأوسط كما يسمونه في الغرب، في الإدارة الأميركية، هم جميعاً من اليهود الصهاينة أو من المتصهينين الأشد تعصباً لإسرائيل ومشاريعها التوسعية من بعض اليهود؛ ولذلك فإنه لا توجد وساطة أميركية نزيهة أو غير نزيهة، ولا توجد رعاية لمفاوضات، وإنما يوجد تواطؤ مشترك غربي - صهيوني، وتوجد أقنعة يضعها الصهاينة على الوجوه لتبدو غير "إسرائيلية".‏

3- أن الإدارات الأميركية المتعاقبة تحرص على مصالحها في المنطقة، ولا ترى أن موقفها المنحاز كلياً ونهائياً إلى "إسرائيل" يؤثر سلبياً في تلك المصالح لدى معظم الدول العربية، بعد أن أمنت على ذلك إما بالاحتلال المباشر أو بفرض الوصاية الشاملة، أو بربط مصير الحاكم وبقائه بالظل الأميركي المديد على أرض وطنه؛ ولذلك فهي تستمر في هذا الاتجاه دون ما قلق يذكر.‏

4- أن التحالف الذي تقيمه الإدارة الأميركية في المنطقة وترعاه وتضفي ظل "إسرائيل" عليه، وتزيد من تشعباته، وتنوعه باستمرار، مازال هو الأقوى، وأنها قادرة على الاستمرار في فرض أنواع من الحصار والتهديد لإبقاء الخصوم المحتملين في القبضة، وإبقاء الخارجين على الإرادة الأميركية داخل الطوق، وفي نطاق الاحتواء، أو داخل هوامش الأمان.‏

5- أن الإدارة الأميركية لا تخشى -حتى الآن- تغييراً اجتماعياً وسياسياً جذرياً يهدد مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة، إن على الصعيد العربي -العربي أو على الصعيد العربي- الإسلامي؛ ولذا فهي تمضي قدماً من دون أن تلغي الحذر، ودون أن يشكل ذلك الحذر قوة مؤثرة تجبرها على إعادة النظر بسياستها في المنطقة.‏

وعلى ذلك فإن زيارة أولبرايت للمنطقة لن تخرج "الزير من البير"، ولن تعزز ثقة مفقودة بين بعض العرب والكيان الصهيوني المحتل، ولن تؤسس لانطلاقة سياسية جديدة ونظيفة وسليمة للمفاوضات ومسارات " السلام "، تنبثق من منظور مغاير لما درجت عليه الإدارات الأميركية السابقة، ولما توصلت إليه حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة من سياسات واستنتاجات.‏

- قد يتم الإعلان عن وقف البناء في مستعمرة جبل "أبو غنيم" في القدس لتغطية التعاون بين سلطة عرفات وسلطة نتنياهو ولتعزيز ذلك التعاون، واستئناف المفاوضات في إطار أوسلو؛ ولكن ذلك لا يعني على الإطلاق وقفاً لبناء المستعمرة ذاتها ولا تقييداً من أي نوع لحركة الاستيطان في فلسطين عامة والقدس خاصة.فقد انتهت أعمال المرحلة الأولى التأسيسية في المستعمرة المشار إليها، ويحتاج الانتقال إلى المرحلة الثانية من المشروع إلى زمن، و"إسرائيل" تستثمر هذا الزمن استثماراً سياسياً لكسب الوقت من جهة وتوظيفه لتدمير البنية الشعبية الفلسطينية من جهة أخرى.‏

أما القول بوقف بناء المستعمرات فهو إن تم التقيد به ظاهرياً فإنما يتم لصالح توسيع المستعمرات القائمة على أساس احتياجات السكان الطبيعية والأمنية، في ظل "التزايد" السكاني المبرر بنظر "المجتمع الدولي".‏

- قد تتحرك المفاوضات الثنائية بين سورية والكيان الصهيوني، ليس من النقطة التي توقفت عندها في "واي بلانتيشن" بالضبط، وليس بالتغاضي التام عما حصل في تلك المفاوضات في " واي.." أيام رابين؛ ولكن ذلك لا يعني على الإطلاق إمكانية التوصل إلى اتفاق بين سورية والكيان الصهيوني.‏

- لأن ذلك العدو يؤسس يومياً لتهويد الجولان وتهويد القدس، وسورية معنية بالجولان وبالقدس.‏

- ولأنه يقيم سداً في الأراضي المحتلة من الجولان بالتعاون مع الأردن، سد العدسية؛ وسورية معنية بكل أراضيها وبأمنها المائي وبالأردن العربي خارج وادي عربة.‏

- ولأنه يحشد قواته ويهدد بتوجيه ضربة "ماحقة" لسورية، ويقول أحياناً بأنه "سيمسحها من الوجود"، وهذا التهديد الذي يعني استخدام الأسلحة ذات القوة التدميرية الشاملة والتهديد باستخدام النووي منها، لا يجعل سورية تطمئن إلى مستقبل ما في ظل بقاء الاحتلال وتصاعد تسلحه وتحالفه المعادي واستفزازه وأطماعه واستمرار مشروعه العدواني .‏

- ولأن احتلال جنوب لبنان لم ينته هو الآخر، وتدخل "إسرائيل" في لبنان، من خلال العملاء والموالين لها بالصهينة والأساطير والأحلام المريضة، لم ينته؛ وسورية لا يمكن أن تتخلى عن لبنان، و"إسرائيل" التي تشعر بمأزقها الحرج في الجنوب تريد من سورية أن تدفع ثمناً لخروج الاحتلال من الجنوب.‏

لهذه الاعتبارات والمعطيات القريبة، ولمعطيات "إسرائيلية- أميركية" - عربية، وإسلامية بعيدة وقريبة، أقول بأنه لا يمكن أن يكون سلام في هذه المنطقة مع وجود الاحتلال وسيادة له في أرض فلسطين، وأن الولايات المتحدة الأميركية لا يمكن أن تقبل لـ"إسرائيل" دوراً أقل مما ترشحها له في المنطقة والوطن العربي كله، والعرب من ذوي النظرة التي تذهب أبعد من الآني والراهن، وأبعد من "أرنبة الأنف"، وممن يتمسكون بالحق والمبدأ والكرامة لا يمكنهم أن يقبلوا أي نوع من التنازل عن الوجود والحق، ولا تهديداً مستمراً بأشكال مختلفة، ظاهرة وباطنة، يأتي من "إسرائيل" أو بسببها.‏

ولذلك كله فإن سحر الساحرة أولبرايت سوف ينحصر في إلقاء مزيد من الحطب والزيت على النار في زحمة تصاعد دخان البخور وأصوات "التعزيمات" الشريرة، ولن تجلب إلا مزيداً من النكسات والنكبات على المدى البعيد؛ لأنها، عبر تاريخها الطويل مع القضية الفلسطينية في مجلس الأمن، كانت الأكثر عداء وصلفاً وغروراً، والأكثر استخداماً لحق النقض "الفيتو" خدمة "لإسرائيل" ونيلاً من العرب.‏

إن الوطن العربي سوف يستقبل أولبرايت، وسوف يرحب بها بعض العرب ترحيباً حاراً، ويبتسم لها بعضهم بحذر، ولكن الجميع سوف يستقبلونها:‏

ومن نكد الدنيا على الحرِّ أن يرى عدواً له ما من صداقته بد‏

إن المنحى الذي تأخذه السياسة، فن الممكن، في كل ظرف وآن، ينبغي ألا يحجب عن أعيننا ما ينبغي أن تأخذه الثقافة والمبدئية الاستراتيجية للأمة ممثلة بمفكريها ومثقفيها ومربيها وشرائحها الاجتماعية وقواها الحية، تلك التي تؤسس لقوة تدعم الحق وتحمي الوجود، وترى بتفاؤل واقعي ينبع من طاقات الأمة وقدراتها واستقراء تاريخها الطويل، وتعمل لامتلاك قوة محررة على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما، وتذهب إلى المدى الأرحب والهدف الأصوب والوسيلة الأنجع في الدفاع عن القيم والمقومات والحقوق وأسباب الوجود والتقدم، وتعلي كلمة الحق بالقوة العادلة، ولا تجعل العدل رهينة بيد الإرهاب والقوة الغاشمة وسطوة الطامعين الحاقدين أعداء القيم والأمم والحقوق.‏

فهذا هو الذي يرد سحر الساحر، وشر الشرير، بل يرد السحر على الساحر، ويضع للحقد والطمع والعنصرية الصهيونية وللإرهاب الأميركي- الصهيوني، الذي يتذرع بردع "الإرهاب" مشوهاً صور المقاومة والحق والدفاع عن النفس كلها، حداً، وهو الذي يفرض احتراماً ومنطقاً وعدلاً في حياة لا يستساغ فيها شيء ولا يسوّغ فيها فعل إلا على أرضية الحرية والكرامة والعدل وقوة الحق والمنطق.‏

فهل نفتك بالسحر أم يفتك بنا السحر؟! إنه رهان المستقبل، ولا أشك في أننا سوف نفوز وننتصر.‏

الأسبوع الأدبي/ع576//6/9/1997‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244