|
جولة السيدة (إرهاب)
انتهت يوم الإثنين 15/ أيلول 1997 جولة السيدة "إرهاب" أو مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية إلى ستة من أقطارنا العربية، أحدها تحت الاحتلال الصهيوني-الأميركي، لا فرق أيضاً. وراوح تقويم تلك الجولة بين "الإخفاق" والاستكشاف الناجح، وإيصال رسالة أميركية لقادة المنطقة، ونجاح لا تلبث أن تظهر نتائجه النسبية لاحقاً؛ والاختلاف في التقويم ناتج عن اختلاف المواقع والمعلومات والتطلعات والأحلام والتحليلات لأصحاب الآراء والأحكام والاستنتاج.
أما السيدة "إرهاب" -وأرجو أن تعذروني فقد تماها اسمها وهذه المقولة في ذهني لكثرة ما رددت تلك الكلمة في لقاءاتها- فقد اكتفت بالاستطلاع الواقعي والطلوع الواقعي على الناس مع نفي قدرتها على ممارسة: السحر.(؟!) وقد لاحظت واقعيتها ذات الأنياب والأظفار، وعلمت أنها واقعية تلجأ إلى العض في الوقت الملائم، وهو ما عبرت عنه هي في حديثها إلى الجنود الأميركيين الموجودين في الصحراء السعودية.
وقد انصبت تلك الواقعية على أمور جوهرية هي الهدف الرئيس من هذه الجولة:
1- تدمير الشعب الفلسطيني وليس مقاومته فقط، وذلك بجعله يذبح بعضه بعضاً بنسبة 100% وعلى مدى أربع وعشرين ساعة في اليوم وثلاثمئة وخمسة وستين يوماً في السنة. وتحويل عرفات إلى "سلوقي" حبل عنقه بيد نتنياهو، يطلقه متى أراد ويشبحه متى أراد، ويتحكم بلقمته ليوجه خطاه.
وقد حددت أولبرايت الهدف الأول للجولة بالتركيز على وضع حد "للإرهاب" وحددت الأسلوب: بالقضاء على البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية -والعربية عموماً- بوصفها "إرهاباً" موجهاً ضد "السلام" الذي تحرص الولايات المتحدة على استتبابه في المنطقة حفاظاً على "مصالحها" الحيوية فيها.
كما أكدت مفهومها للبنية التحتية وما تطلب القيام به ضدها، حيث قالت:
"ولا أعتقد أن من الصعب تعريف ماهية البنية التحتية للمنظمات الإرهابية. إنها أساساً البنية التي تخطط وتنفذ وتعمل من أجل تقويض عملية السلام، إنها التي تعمل بكل الطرق لعرقلة عمل الذين يحاولون إيجاد جو جديد."(1)
والمستهدف علناً هي قوى الشعب الفلسطيني خاصة والعربي عامة التي تعمل على التحرير وتمارس المقاومة وترفض سلام الاستسلام واتفاقية أوسلو ووادي عربة، وعلى رأس تلك القوى: حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله؛ وما يطلب من عرفات القيام به يطلب من سواه المساعدة على تحقيقه بالوسائل المتاحة جميعاً، ومنها دعوة وزراء دول مجلس التعاون الخليجي لمنع تحويل أية تبرعات أو مساعدات يجمعها مواطنون عرب يؤيدون المقاومة أو يتعاطفون مع آلامها وتضحياتها. وقد أكدت أولبرايت بالوسائل الممكنة وبالأساليب كلها عزم الإدارة الأميركية على وضع ثقلها كله وراء هذا الموضوع، وأنذرت بأنه لن تتم خطوة نحو "السلام" ما لم يقضَ أولاً على ما تسميه "الإرهاب".
الرسالة واضحة تماماً: اذبحوا بعضكم بعضاً ثم تعالوا إلينا أشلاء!!! وعندها لن يبقى منا ما يمكننا من المطالبة بشيء، وتسوى القضية فعلاً بالهزيمة المنكرة التي نلحقها بأنفسنا.
2- وفي مسار مواز تماماً لهذا المطلب أكدت أولبرايت أو جاءت لتؤكد مساراً قديماً جديداً متجدداً، تراه يتلازم مع المسار السابق، وهو وقوف الولايات المتحدة المطلق، وانحيازها التام، للكيان الصهيوني في كل الظروف والأوقات لا سيما في هذا المجال.
ولم يخل التعبير عن هذا المسار من موقف شخصي للسيدة "إرهاب"، لا يعبر عن التعاطف مع "إسرائيل" وتأييدها والانحياز لها فحسب، بل يعبر بحماسة وعمق وحرارة عن الانتماء إليها وحمل مشروعها.
ويغوص في الوهم، أو يريد أن يدفعنا إلى الغوص فيه كل من يحاول إظهار شيء من الحياد أو التوازن في موقف أولبرايت في هذا الشأن؛ أو من يتراءى له أنها وزير خارجية دولة ترعى "المفاوضات" بنزاهة ويمكن أن تنظر نظرة موضوعية، أو تقف على الحياد. إنها دولة شريك كامل للمحتل، وحليف دائم له، وحام مطلق لممارساته كلها، فكيف تملك موضوعية أو حياداً أو تعبر عنهما.
فلندقق في هذا المقتطف من كلام أولبرايت المتوهج، الذي قالته يوم 11/أيلول 1997 لطلبة كلية الفنون والعلوم بالقدس المحتلة:
"أذكر كيف انتابني شعور بأن شيئاً عظيماً حقاً قد حدث، في اليوم الذي سبق بلوغي سن الحادية عشرة عندما ولدت دولة إسرائيل الحديثة.
هذا المعلم البارز في التاريخ، تلك الولادة المعجزة، كانت نتاج التزاوج بين التضحية الأليمة والعقيدة الصلبة.
ومنذ ذلك الربيع قبل نحو خمسين عاماً، أصبح الحلم المحفِّز على قيام دولة " إسرائيل " المستقلة، المزدهرة الآمنة، يتحرك بثبات نحو الواقع ومن بقاع العالم المختلفة جاء الأشخاص الموهوبون وذوو الشخصيات المميزة للمساهمة بطاقاتهم في اقتصادكم، وللمساهمة بمعرفتهم في ثقافتكم، وببسالتهم من أجل الدفاع عنكم.
ومن الصحراء، أخرجت الأسر الإسرائيلية بلداً من المزارع المنتجة والعمال المهرة وأعمالاً حرة نشطة. (....) إن إسرائيل لا تزال شريك أميركا الاستراتيجي، ولا يزال التزام أميركا بأمن إسرائيل بصلابة الصخر، وسيبقى كذلك. وإذا كان هناك أدنى شك، دعوني أبدده الآن: ستقف أميركا وإسرائيل جنباً إلى جنب، وكتفاً إلى كتف، اليوم، وفي العام القادم، وخلال القرن القادم، وطالما أشرقت الشمس"(2).
فهل هذا كلام شخص محايد، أو يمثل راعياً محايداً، أم هو كلام منتم شديد الحماسة لمشروع يراه يتفتح ويريد له أن يستمر ويكتمل، بمعاني الاستمرار والاكتمال كلها، وهو المشروع الصهيوني- العنصري- الاستيطاني- التوسعي- التلمودي؟!
لقد قالت أولبرايت في أثناء زيارتها لمتحف "يادفاشيم" في القدس المحتلة في اليوم ذاته وبعد أن ذرفت الدموع "يجب أن نتذكر أن لا دم أرخص من دمنا(3)" وهي تعني دم اليهود -وهي من رؤوس حرابهم العنصرية - الذي قيل إنه استرخص في أيام النازية .. التي هم اليوم ورثتها بجدارة وامتياز؛ ولم يسجل التاريخ أن العرب هم الذين "استرخصوا دم اليهود" -هذا بحسب الأسطورة المضخمة عن ذلك، وحسب قولهم هم- وإنما هتلر هو الذي فعل ذلك؛ فلماذا يسترخص الصهاينة والمتصهينون الغربيون دم العرب؟! ولماذا ينسون معاناتهم إذا كانوا صادقين ويفرضون معاناة وحشية على أهلنا في فلسطين والجولان وجنوب لبنان؟!
ألا يستدعي هذا منا، أن نقول لأنفسنا عنّا في صراعنا مع هذا العدو النازي "يجب أن نتذكر أن لا دم أرخص من دمنا" أيضاً!؟!
3- الهدف الثالث من جولة أولبرايت هو حث مصر ودول مجلس التعاون على حضور مؤتمر الدوحة، وتخويفهم من إيران، تنفيذاً لما يتفق عليه التحالف الدنس بين "إسرائيل- والولايات المتحدة الأميركية- وتركيا- والملك حسين" ضد سورية والمقاومة اللبنانية والفلسطينية وإمكانية دعم إيران لهم في الصراع العربي-الصهيوني الذي بقيت سورية ومن يؤيدها ومن تؤيدهم في ساحته الساخنة- الصامدة وقد نجحت أولبرايت في تأكيد مشاركة مصر بصرف النظر عن مستوى المشاركة الذي سوف يعزز فيما إذا حصل تقدم في مسار المفاوضات أما دول مجلس التعاون، وعلى رأسها السعودية -باستثناء قطر- فقد ربطت مشاركتها بحدوث تقدم في مسارات التفاوض.
وأظن أن تحسناً شكلياً سيطرأ على المسارات وسينعقد مؤتمر الدوحة لأن فيه خدمة للولايات المتحدة- إسرائيل، وما يخدم مصالحهما يخدمه العرب، بإخراج ملائم للأمور.
4- أما الهدف الرابع في الجولة فهو استطلاع في الفضاء السوري- اللبناني، وتعرف وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية على الرجل الهادئ الصامد في دمشق، الذي يحرك خيوطاً فاعلة وأوراقاً هامة من دون ضجيج: الرئيس حافظ الأسد.
وأولبرايت أو السيدة "إرهاب" التي كانت ممثل الإدارة الأميركية في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، أسمعتنا صوتها في أكثر من مناسبة متهمة سورية بالإرهاب ثم برعاية الإرهاب، وبتحريك الإرهاب مع إيران في جنوب لبنان؛ وأولبرايت وطاقمها بمن فيه من جديد وقديم يحاولون ترجيح كفة تخمين على تخمين: هل يريد الرجل "سلاما ً" حقاً، أم أنه يناور بالسلام؟! وهي المقولات الصهيونية المختلف عليها في "إسرائيل"؟!.
أولبرايت تريد أن تعزز موقفها المسبق من سورية بمعرفة مباشرة لتحارب أكثر ولتخدم أهداف الصهيونية بشكل أفضل؛ وأولبرايت تعرف أن هذه القلعة العربية الصامدة في سورية هي القلعة الأخيرة، وإذا أمكن نقض بعض معمارها أمكن هدمها، أو اعتلاء أسوارها لإعلان الحصار والانتصار؛ ولكن هل ذلك ممكن؟! وكيف؟! هل يمكن انتزاع اعتراف "بإسرائيل" من سورية يساوي كل الاعترافات العربية السابقة وينهي الصراع، ويؤسس للمرحلة القادمة من المشروع الصهيوني المشروع الذي يشعل شمعة الأمل المتقدة في قلب الصهيونية أولبرايت؟! القدوم إلى دمشق.. قدوم إلى الهدف الأهم المرجأ- المقدم على نحو ملتبس إذا ما قرأنا القناع، والواضح من دون أدنى لبس إذا سقط القناع وقرأنا الوجه.
سورية أكدت ثوابتها، والسيدة "إرهاب" أضمرت استنتاجاتها، ولكن الاستعداد الدائم لاستئناف مفاوضات السلام من النقطة التي توقفت عندها في "واي بلانتيشن" والعودة الأميركية إلى مرجعية مدريد ومبدأ "الأرض مقابل السلام"، بعد تناوم أميركي خبيث يهدف إلى إنجاح مقولة نتنياهو "الأمن مقابل السلام، أو السلام مقابل السلام " سوف يدفعان -في تقديري- باتجاه عودة المفاوضات حسب صيغة توفيقية بين نقطة " واي ..." أخذ ما تم فيها بعين الاعتبار، أو تذكُّر ذلك في أثناء المفاوضات المنتظرة.".
لقد انتهت جولة السيدة "أولبرايت- الإرهاب" واجتمع قادة عرب وتواصلوا، وسوف يجتمع وزراء الخارجية العرب في العشرين من الشهر الحالي، وسينشط الجانب الأوربي في الاتصالات والتحرك استكمالاً للمسار الأميركي، مع بعض الهوامش، وهو مسار مواز متربص ممسوك أميركياً، ويتمتع بهامش مناورة بهدف التحريك والدفع إلى الأمام.
فما الذي يمكن أن تسفر عنه تلك الجولة "الواقعية" من فعل على الأرض؟!
- سوف تلتقي لجنة عرفات مع لجنة نتنياهو في واشنطن وسيعلن عن تقدم.
- ويعمد نتنياهو إلى إخراج الأسرتين الليكوديتين اللتين دفعهما للاستيطان في حي باب العمود بالقدس ليوهم أنه قام بفعل "جبار" لمنع الاستيطان ولوضع حد له امتحاناً منه لعرفات المدعوّ للبطش بالمقاومة الفلسطينية.
ويحول -وقد حول فعلاً- جزءاً من استحقاقات سلطة الحكم الذاتي المالي التي بحوزة "إسرائيل" من الضرائب التي تجبى من الفلسطينيين.
- وسيتم لقاء بين مفاوضين سوريين و"إسرائيليين" في واشنطن لجس النبض، تمهيداً لاستئناف المفاوضات وسيضخم الإعلام الصهيوني- الأميركي هذه الإنجازات فيعلن العرب -إلا من رحم ربك منهم- عن اقتحام مؤتمر الدوحة: وتنتصر قطر على العرب "الغجر" الذين لم "يفهموا جيداً" معنى أن تريد: "أميركا- إسرائيل"، لا فرق، وبين أن يريدوا هم!؟!
وسندخل في دوامة استنزاف وقت وجهد ومال، وندمر الزمن الذي يستغله الصهيوني والأميركي لبناء قوة تدميريَّة قوية، وإقامة أحلاف، ونخر بُنى اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، عربية؛ ونلهو ونحن نباد، أو تباد قوى المقاومة والصمود منا، وتتضاءل الآمال بتآكل الأفعال.
ويبقى أن نؤكد ما ندعو إليه ونأمل أن تعمل انطلاقاً من عِبَرِه، وهو:
- أن المشروع الصهيوني-الاستيطاني مستمر ويزداد شراسة وصلابة.
- أن الولايات المتحدة دولة معادية لآمالنا وتطلعاتنا ومصالحنا، ولا ترى فينا سوى أعداء لها ولشريكها - حليفها في احتلال أرضنا واستنزاف ثرواتنا، وتأخير صحوتنا وتعويق كل قدراتنا على الوجود والبناء والتقدم.
- أن بعث الحياة في المشروع القومي: تضامناً أو اتحاداً أو وحدة أو عملاً عربياً مشتركاً من أهم المداخل إلى التغيير؛ في إطار مراجعة علمية شجاعة وجذرية للتجارب المجهضة والصيغ الموضوعة المجرّبة والمحتملة التجريب، في هذا المجال، لنشمخ بالعروبة والإسلام معاً، في سيرة جسد وروح وتكاملهما الخلاق.
- أن استمرار المقاومة ودعمها، وامتلاك العلم والإيمان، والعمل انطلاقاً منهما لامتلاك التَّقَانَة والتصنيع الشامل والقوة المنقذة -المحررة- الحامية لوجودنا ومصالحنا؛ هو ما ينبغي أن يقدم على كل ما سواه.
وهذا لا يعني المطالبة بسياسة جامدة، وشعارات تنفخ أوداجنا وتملأ فضاء أقطارنا، وعدم التحرك في مرحليات "تكتيك" مدروسة، بل يعني التمسك بالثوابت والمبادئ ورؤية المنقذات من الأعمال والأمور والتوجهات، في عالم لا يحترم إلا الأقوياء... الأقوياء في كل شيء.
وفي كل مجال.
وإننا مدعوون للتأمل فيما تنطوي عليه جولة السيدة "إرهاب" من إرهاب.
دمشق في 16/9/1997
الأسبوع الأدبي/ع578//20/9/1997.
(1) - نشرة السفارة الأميركية بدمشق رقم 5537 تاريخ 23/9/1997 ص12.
(2) المصدر السابق ص3.
(3) المصدر السابق ص 16.
|