صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

إطلالة عربية بعد مؤتمر وزراء الخارجية

لم يتخذ مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي انعقد مؤخراً في القاهرة /20-22/9/1997/ قراراً نهائياً بشأن المشاركة أو عدم المشاركة في مؤتمر الدوحة الاقتصادي، وترك ذلك الأمر مفتوحاً في اتجاهين:‏

- التقدم الذي قد يطرأ على مسار المفاوضات الثنائية مع العدو الصهيوني، لا سيما في المسارين: الفلسطيني والسوري.‏

- ما يقرره كل قطر عربي في ضوء مصالحه وتوجهاته واختياره، بوصف المشاركة قراراً يتصل بالسيادة؛ أي سيادة الدولة القطرية.‏

وكاد المؤتمر يقول: إن الأمر مبكر على اتخاذ قرار- حتى لو استطعنا اتخاذه- لأن نتائج جولة الوزيرة أولبرايت في المنطقة لم تظهر بعد، ولأن اللقاءات المقررة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتلك المحتملة بين "الإسرائيليين" والسوريين لم تعقد بعد؛ وعليه فإن معطيات كثيرة وهامة سوف تأتي من واشنطن، وسيكون لها تأثير حاسم في اتخاذ القرار: العام والخاص، سلباً وإيجاباً، وعلى الصعيدين: القطري والقومي، في هذا المجال.‏

أما الكلمة الأوضح دلالة والأكثر دقة في التعبير عن الوضع العربي المتعلق بالمؤتمر فقد جاءت على لسان أحد المسؤولين القطريين بعد انتهاء أعمال المؤتمر إذ قال ما معناه: "إن موضوع انعقاد مؤتمر الدوحة الاقتصادي والمشاركة فيه يتقرر في واشنطن" وهو لا يقصد إطلاقاً تعلق التقدم في الانعقاد والمشاركة بالتقدم في المفاوضات الثنائية بين العرب والصهاينة وإنما يقصد أن واشنطن مصدر هذا القرار دولياً وعربياً.‏

ولا نستطيع أن ننكر ما لواشنطن من تأثير في القرار العربي العام من خلال بعض الأقطار العربية، كما لا ننكر ما لها من تأثير في القرار القطري "السيادي" بالنسبة لبعض الأقطار العربية؛ ونحن نعلم جيداً أن الوضع السائد عربياً قبل جولة السيدة أولبرايت كان يتجه نحو مقاطعة مؤتمر الدوحة، وقد خرجت تصريحات مصرية وسعودية على الخصوص مؤيدة للموقف السوري في هذا المجال؛ ولكن زيارة أولبرايت جعلت تلك المواقف تترجح بين النقض والتثبيت، إلى أن انعقد مؤتمر الوزراء وسمعنا الوزير عمر موسى يقول: سيترك أمر المشاركة في مؤتمر الدوحة الاقتصادي لقرار كل دولة عربية.‏

ليس غريباً ألا يتفق وزراء الخارجية العرب على أمر بهذه الحساسية والخطورة، فقد اختلفوا سابقاً على أمور وقضايا أشد حساسية وخطورة من مؤتمر الدوحة، فقد اختلفوا حول النظرة إلى الصراع العربي الصهيوني وطبيعته، وحول حرب الخليج الثانية والأولى، وحول المقاطعة العربية قبل التطبيع وفي إطاره... وحول... وحول... إلى درجة أننا نكاد نتساءل متى اتفقوا، بل متى تحول اتفاقهم إلى فعل ناجز على أرض الواقع؟! فقد كانت هناك "حاضنة" للخلاف أو لإجهاض الاتفاق، وسواء كانت "ماما واشنطن" اليوم أم "ماما موسكو" أمس إحدى الحواضن فإن ذلك لا يغير من النتائج شيئاً!؟‏

مؤتمر الدوحة الاقتصادي مصلحة أميركية، والمصلحة الأميركية مصلحة صهيونية- إسرائيلية، وما هو مصلحة أميركية - "إسرائيلية" هو شيء " مقدّس" عند أصحاب تلك المصلحة، ومن ثم عند بعض العرب، ولا يلبث أن يصبح عربياً على نحو ما بطغيان السلب أو الإيجاب؛ ومن الطبيعي أن ينساب وحي القداسة السياسية وتأثيرها من مصادر القرار التي تحكم قرار بعض العرب أو توجهه.‏

مؤتمر الدوحة الاقتصادي هو المؤتمر الرابع في سلسلة مؤتمرات اقتصادية بدأت في الدار البيضاء ثم القاهرة ثم عمان، وعقدت برعاية واشنطن وتأثيرها، وجاءت على هامش المفاوضات المتعددة الأطراف التي انبثقت عن مؤتمر مدريد وفي إطار تعزيزها، وكانت كلها في خدمة "إسرائيل" إذ سارعت خطوات التطبيع الاقتصادي بينها وبين أقطار عربية، وفتحت باباً للشراكة والاستثمار، ودفعت باتجاه إضعاف تأثير "الدولة القطرية" عربياً على رأس المال الخاص والعام في حمى الخصخصة المستشرية، وأطلقت عنان نوع من التجار والتجارة/ وطنهم ووطنها/ القرش وليس الشعب والأرض والثقافة والعقيدة، يقومون بالاستثمار حيثما توفر ربح وتوفرت "حماية وتوفر استقرار، أو وعد بحماية واستقرار؛ ولا يأبهون لوطن يسرق ودم يراق وعرض يهتك ومقدسات تستباح وأرض تنهب، فالربح ربهم الأعلى، ومقدسهم مفترَش الدولار والدينار والشيكل، لا فرق ما دامت سوق تحويل العملات مفتوحة.‏

لقد انعقد كل من المؤتمرات الثلاث في ظروف عربية صعبة، وفي ظل أزمات في المفاوضات، وذرا متصاعدة من الصراع بين المقاومة والعدو الصهيوني، وكانت تقدم الأعذار والمسوغات وتلتمس التماساً وتعبأ بها الشوارع والأدمغة والساحات، وينعقد المؤتمر ويخدم "إسرائيل" وينال بعض العرب بعض الفتات؛ وسوف ينعقد المؤتمر الرابع - مؤتمر الدوحة- وتلتمس له المسوغات وتحشى بها الأدمغة والساحات والشوارع؛ ولم لا فهل الدوحة أقل أهمية عند واشنطن وتل أبيب من عمّان؟! لا.. وحق النفط والغاز وما بينهما من ألغاز، فكما تعاقدت "إسرائيل" مع قطر على شرائهما تشتري في الأردن ما طاب لها من أرض وتقيم ما شاءت من صناعات وسدود على الماء المقدس؛ وكما تأخذ من مصر، منذ كامب ديفيد، /80%/ من حاجتها من النفط تأخذ من المغرب تسهيلات سياسية وما خفي كان أعظم، ولم لا يتواصل عرب من العرب مع هذا النوع من العطاء السياسي- الاقتصادي، أليست المصلحة فوق الانتماء، والتجارة فوق رابطة الدم، ويد الولايات المتحدة اليوم هي العليا؟! وما الذي يردعهم أو يصدهم عن القيام بذلك.. أهو القوة: "وإسرائيل" تملك منها ما يفوق كل ما يملك العرب، وتتهدد بقوتها النووية سورية وتتوعدها بالمحو من الوجود((؟!؟)) كما تحتل بقوتها الأرض وتهود القدس وتعمل على هدم الأقصى وتمارس العدوان، وتهدم البيوت وتريد أن تجتث بنى المقاومة التي تسميها هي وأولبرايت والمتضامنون معها من العرب: إرهاباً.‏

إن مؤتمر الدوحة مرشح للانعقاد بضغط أو إغراء أو إرهاب أميركي- صهيوني، لا فرق؛ ومجرد انعقاده انتصار لسياسة التطبيع ولنهج "إسرائيل" التوسعي العنصري؛ وحينما يربط أمر انعقاده "بالكرامة" الوطنية، كما يفعل التحريض الإسرائيلي- الأميركي الآن مع قطر، فإن أهل قطر "سيدافعون عن كرامتهم الوطنية" ضد أمتهم العربية، ويعقدون المؤتمر مضحين بالغالي والرخيص في سبيل النصر المؤزر، ومن أجل الانضمام لطريق المنتصرين الكبار، وانعقاد مؤتمر الدوحة سوف يذري بكل ما قاله العرب، منذ قمة القاهرة الأخيرة إلى مؤتمر وزراء الخارجية من كلام حول وقف التطبيع وتطبيق المقاطعة والوقوف تضامنياً ضد سياسة حكومة نتنياهو، وسوف يعيد التضامن العربي الذي انتعش قليلاً في قمة القاهرة وبعدها إلى حالة من الانتكاس لا نعرف متى نخرج منها. ذلك أن هذا المؤتمر يأتي دعماً لإسرائيل في إحدى ذرا تعصبها وتطرفها وممارساتها الوحشية ضد المقدسات، وتهديدها للحق العربي، ولجوئها إلى تحالفات خطرة من شأنها أن تضع المنطقة على حافة انفجار جديد.‏

ولم تقتصر مآثر الجولة الأولبرايتية على هذا التأثير في مؤتمر وزراء الخارجية العرب بشأن مؤتمر الدوحة الاقتصادي، وإنما مهدت لخطوة ثانية أراها خطرة بما يلفت النظر ويشدّ الاهتمام، وهي نظرة العرب، ومصر من دون العرب، إلى التحالف التركي- الإسرائيلي- الأميركي، والمناورات التي يجريها الساحل السوري؛ فقد ألمحت مصر بعد زيارة سليمان ديمريل لها أنها لا تعطي أهمية لهذه المناورات ولا ترى خطورتها كما أنها لا تجد في "التعاون" أو الاتفاق- وليس التحالف- التركي الإسرائيلي خطراً، وأنها على استعداد للوساطة في هذا الشأن بين تركيا- وسورية!؟!؟) .‏

ليس غريباً منطق الوساطة، بل هو يكاد يكون أقل غرابة من الوساطة الفعلية التي تمت بين عرفات ونتنياهو وأسفرت عن الإخفاق بسبب نتنياهو طبعاً؛ الغريب أن يتم التغاضي عن تصاعد التحالف التركي- الإسرائيلي الموجه ضد سورية بالدرجة الأولى، وأن لا يرى من ذلك التحالف سوى المناورات بينما حقائق الأمور تشير إلى تنسيق وتعاون تحالفيين وصلا إلى وضع الأسلحة النووية الإسرائيلية تحت قيادة طوارئ مشتركة مع تركيا، بعد أن تجاوزا موضوع تطوير الأسلحة وإنشاء القواعد العسكرية- للطيران- والتدريب المشترك جوياً وبحرياً، والتعاون أو قل التكامل الأمني، ووضع الخطط لضرب سورية وإيران، والعراق إن اقتضى الأمر.‏

في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الأخير برزت مؤشرات سيكون لها مدلول مستقبلي في اتجاهين:‏

- مدى التعاون العربي- العربي، أو قل التضامن على أرضية من الجدية والثقة والمسؤولية.‏

- مدى التأثير الأميركي- الصهيوني في القرار العربي / العام والخاص / القطري والقومي.‏

وإذا كانت اللمعة الإيجابية التي أعلن عنها، وهي ما يتعلق يلفت الانتباه الدولي- في ظل دورة الأمم المتحدة- إلى أن العرب يمكن أن يخرقوا الحصار المفروض منذ سنوات على الجماهيرية بالسماح لرحلات تقل العقيد القذافي أو الرسميين الليبيين أو الحجاج أو المتصلة بحالات إنسانية خاصة باجتياز الحدود العربية؛ فإنها أقرب إلى الصرخة الإعلامية في مؤتمر حاشد لإسماع الصوت ولفت النظر بهدف جعل الآخرين يهتمون جدياً بموضوع الحصار؛ وهو أمر طيب بحد ذاته، ولكن أن يصل الأمر بالأقطار العربية إلى تنفيذ ذلك الإعلان، لا سيما بعد الغضب الأميركي- البريطاني، فهو أمر مشكوك فيه تماماً؛ ومبرر الشك ينبع من استقراء تجارب وقرارات عربية سابقة ابتلعتها الأقطار أو الجامعة عندما اصطدمت بعدم الرضا الأميركي فكيف وهي تصطدم بالغضب؟!.‏

من المؤسف أن نقول ذلك، ومما يدعو لأسف أعمق وأشد، أننا نقول ذلك استناداً إلى رصيد الخبرة والتجربة في مواقف عربية كثيرة ليس آخرها موضوع التوقيع على اتفاقية الأسلحة النووية، والمطالبة بأن توقع "إسرائيل" التي لم توقع ولن توقع.‏

ونحن نقول ذلك والألم يعتصر قلوبنا، إذ إننا نتطلع منذ زمن طويل إلى وقفة عربية واحدة جادة تضع للاستهانة بنا وبمواقفنا وتصريحاتنا حداً، وتجعل الآخرين يحسبون حساباً لنا؛ ولكن ذلك لا يتم رغم طول الانتظار ووجود المسوغات كلها لحدوثه، إننا غيوم الصيف وزمجرات الأسود في الأقفاص، وما نرغب فيه انطلاقة ما يغسل فيها المطر نفوساً أوْحَلَت وقلوباً صدئ فيها الدم وأرواحاً تخفق في فضاء يضيق ويضيق ويضيق.‏

إن خرق الحصار الظالم المفروض على الشعبين العربيين في العراق وليبيا من الأمور المطلوبة، وهو حصار ذو جدار عربية سميك، ويمكن نقب هذا الجدار العربي على الأقل في وقت تصرخ فيه جامعة العرب بأنه أصبح لا يطاق، وأنه ينطوي على ظلم ونتائج وخيمة تصيب الشعب والأطفال والأجنة في الأرحام، فهل يسكت العرب على هذا وهم يشعرون أن مستقبل الشعب في بعض أقطارهم يعاقب؟!.‏

إنه سؤال الحق والعدل مثلما هو سؤال القومية والانتماء، وسؤال الإنسانية وقيمها مثلما هو سؤال العقيدة الإسلامية وما توجبه على أبنائها والمؤمنين بواجباتها.‏

لقد انفض مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية، وسيذهب أكثرهم إلى مقر الأمم المتحدة، وسيلتقي بعضهم بأولبرايت، وسيعودون للانعقاد في فترة لاحقة، قد تسبق مؤتمر الدوحة الاقتصادي؛ ولكن هل سيكون هناك قرار عربي ملزم مرعي التقيد باحترام والتزام تأمين، في أية دورة من دورات اجتماع الوزراء؟!.‏

وهل تكون هناك قدرة عربية على فرض قرارات قومية تعلي المصلحة العربية العليا على مصلحة الأقطار، أم أن التفلَّت القطري سيبقى قائماً، وتشكل القطرية بذلك صيغة اعتراضية على القومية، وقوة معطلة للعمل العربي المشترك، والموقف العربي الواحد؟!.‏

وهل يكون هناك إيمان عربي بأن الخلاص يكون قومياً، أو لا يكون؛ فلا يوجد خلاص قطري من أي نوع، فأقطارنا عاجزة عن الحضور المتكامل في ظل التكتلات الكبرى وزحف العولمة، وأقطارنا عاجزة عن أن تحل مشكلاتها بمفردها، وأنها لا تستطيع أن تكون إلا تابعة ومنهوبة ومستلبة إذا بقيت تنظر من ثقب الباب ولا ترى الفضاء الذي يحيط بكل ما أقامته من عمران وجدران. العمل العربي المشترك، والتضامن العربي، بل الاتحاد والوحدة، لم يعد كل ذلك مطلباً للقوميين أو الوحدويين بوصفهم أشخاصاً تشدهم العواطف والحماسة ويتوقون إلى تفصيل الدولة القومية وإلباس ثوبها للآخرين؛ إن ذلك كله غدا أحد الشروط الرئيسة للإنقاذ أو للاستنقاذ العربيين، وأحد المقومات الأساس لوجود قادر على التواصل والتفاعل مع الآخرين في عصر التحولات والتطورات المذهلة الذي نحن فيه، فهل ننظر إلى هذا الأمر من منظور المصلحة العربية العليا، ومن خلال ما يشكله عدم قيامه من مخاطر على الوجود والهوية والعقيدة والمصالح والثروات وحتى على السياسة والكرامة والنظام القطري، وليس من منظور "المأخوذين" بهاجس الوحدة أو الاتحاد أو العمل العربي المشترك في سياق وجودهم التاريخي؟! إن نظرة عربية جديدة لما هو مطلوب بإلحاح، وإن لقاء مسؤولاً بين تيارات المفكرين والساسة، لا سيما التيار القومي والإسلامي لهو واجب في ظروف تهدد الجميع.‏

وإن وعياً عربياً- إسلامياً شاملاً، للذات وللآخر، في ضوء الصراع والمصالح، لما هو ضروري بإلحاح، وإن فيه إنقاذاً حتى لمن ينظرون نظرة أنانية ضيقة، فلن يخلصهم إلا خلاص أمتهم، ولن يهب لهم الإحساس بالكرامة إلا وطن حر كريم وأمة قادرة على المواجهة بكل أشكالها وصورها.‏

وإننا على ذلك قادرون، ولكن... هل نريد..؟ وهل نواجه بشجاعة من أجل تحقيق ما نريد؟؟!.‏

إن السؤال مطروح علينا جميعاً من دون استثناء.‏

دمشق 24/9/1997‏

الأسبوع الأدبي/ع579//27/9/1997.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244