صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

روح تشرين المنعشة

أربعة وعشرون عاماً مرت على حرب تشرين وما زال في الآفاق منها صدى، وما زالت نتائجها تستذكر وأيامها تستعاد والدروس المستخلصة منها تدخل في الحسابات السياسية والعسكرية؛ ولولا المغالاة لقلت إننا ما زلنا نحصد بعض زرعها ونستاف الزؤان الذي فرش به حقلنا بسبب منها.‏

في تشرين اقتحمنا بجيشين نسّقا معاً- السوري والمصري- تحصينات العدو وخطوطه التي أقامها في أرضنا التي احتلها عام 1967، واخترقنا تلك التحصينات والخطوط، واندفعنا لنحرر الأرض الطيبة؛ ولكن من خاضها بهدف التحريك توقف عند ضفة قناة السويس بعد العبور الظافر، ومن خاضها بهدف التحرير توقف عن التقدم بسبب الضغط الذي تحول على جبهته وأخذ موقع الدفاع بدل الهجوم واضطر إلى التراجع في بعض المواقع.‏

"إسرائيل تحترق" كلمتان من غولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني عبرتا عن الموقف الذي كان للعرب في الأيام الأولى للحرب والموقف الذي كان للعدو؛ وعلى إثر تلك البرقية التي أرسلت للرئيس الأميركي تحرك أكبر جسر جوي عرفه التاريخ حتى ذلك الوقت، وتدفقت القوات والمعدات والتجهيزات والمساعدات على الكيان العنصري تزيده قوة وتدفعه للغطرسة على أرضية القوة.‏

وبينما كان السادات يأمر بتحرك يشبه التوقف سماه "المدْحَلَة الروسية"، كان كيسنجر يُعدُّ عدته للعمل بفضل ناقوس الخطر الذي قرع في الغرب كله، لا سيما في واشنطن، بعد استعمال العرب لسلاح النفط جزئياً في المعركة وظهور تضامن عربي دام ستة أشهر لا غير.‏

تم ترتيب عقل السادات أولاً، وفي الخيمة /101/ بدأت كامب ديفيد فعلياً، إذ في زحمة ذلك الموت الأصغر واستمرار حرب الاستنزاف على الجبهة السورية كان السم اليهودي يسري في جسم مصر من خلال توجه رئيسها آنذاك نحو قبول "إسرائيل" شريكاً كامل الشراكة في مستقبل المنطقة، وطرفاً في "سلام" تنسج خيوطه على مهل .‏

وبين القطع العسكرية المنتشرة على ضفتي قناة السويس - إسرائيلية ومصرية- تقدمت شاحنتان إسرائيليتان كبيرتان تحملان معدات زراعية وخبراء صهاينة توجهتا إلى مزرعة السادات في "ميت أبو الكوم" لتقدما عربون صداقة سوف يعلن عنها ولتقيما ظلال زراعة نبت على فروعها ثمر كامب ديفيد المر الذي ما زال يهري مِعَد الساسة العرب ويفري كبد الوطن العربي على نحو ما.‏

أسس كيسنجر لعلاقة يهودية- ساداتية أخذت تنمو، وأسس قوات التدخل السريع وشرع يحرث في أرض العرب بخبث يهودي وضغط أميركي إلى أن حقق بسياسة الخطوة خطوة ما أراد أن يؤسس: بداية فرقة للصف تمهد سيطرة على المنطقة وفرض لوجود إسرائيل بكل أنواع القوة التي يمكن التفكير بها: سياسة وعسكرية واقتصادية..الخ.‏

في تشرين استعدنا القنيطرة إثر حرب الاستنزاف- أكثر من سبعين يوماً- وخسرنا أرضاً سواها، واستعدنا ثقتنا بأنفسنا وخسرنا مصر التي من دون حضورها في ساحة القرار العربي لا تكون حرب.‏

وحين شكل السادات "سلمه" ومضى فيه ثم مضى إلى قبره، أدرك العرب وأدرك الغرب وأدرك الصهاينة حقيقة قول كيسنجر المختصر: "لا حرب من دون مصر، ولا سلام من دون سورية" وما زلنا في دوامة هذا الوضع الذي ساد بعد حرب تشرين.‏

لم تكن كامب ديفيد مدمرة لفرص بناء القوة العربية على أرضية قرار التحرير وحسب، وإنما قوضت فرص الوحدة والاتحاد والتضامن على الرغم مما قام من صيغ عادية وعلا من أصوات تدعو إلى التضامن. لقد اكتشفت الأنظمة العربية منذ ذلك التاريخ طعم ارتياد الحانة الغربية الصهيونية على انفراد والشرب حتى الثمالة والترنح بين أيد تحرص على أن تعيدها إلى الفراش وتحميها بين سكرة وفكرة، بين سبات وصحو، وتبقيها خارج السرب العربي وهي على مشارف الأمان والثقة بالقدرة على الاستمرار في هذا السياق من الفعل والنشوز "الاستقلالي" الخارج على كل التزام قومي وكل مسؤولية تاريخية حيال الأمة والقضية من جهة، والمنقذ لكل مقوم من مقومات الأمن من جوع وخوف يضفيه اطمئنان الجزء في حضن الكل- القطري في ظل القومي- من جهة أخرى.‏

وما بين وقع المحنة في مواقع الامتحان وتطلع الأمة إلى الخروج من مآزقها على أمل ما كان لها من مكان في الزمان، كان اشتعال النيران يزداد في محارق وبؤر حساسة أتقن الأميركيون والصهاينة توزيعها وتغذيتها واستثمارها.‏

- في لبنان بدأت الحرب التي أكلت الطوائف واستقرت في الطائف بعد أن نفت منظمة التحرير للمرة الثالثة، وشغلت سورية بها عن نفسها، ووضعتها في مواجهة أعقد ملف تضع إسرائيل نفسها طرفاً فيه.‏

- في المغارب بدأت حرب البوليزاريو من أجل "الاستقلال" عن المغرب تفتك بالمغرب العربي كله وتتوازع قواه، وتشغل أقطاره في صراع خاص يحول دون مشاركتها في الصراع الأساس صراع العرب مع العدو الصهيوني.‏

- في الشرق دخل العراق حرباً مع إيران جعلت كلاً من العراق وإيران ودول الخليج العربي تستنزف بلا حدود طاقة وثروة وجهداً وزمناً، وتعطي ظهرها للقضية المركزية- قضية فلسطين.‏

بدأت الحرائق تلف الأقطار العربية وتنشر دخانها في سماء الأمة، وفي ظلال تلك الحرائق الكثيفة دفع الغرب القوة المتعددة الجنسيات- طلائع قوة التدخل السريع- لتحمي مشروع الجميّل- بيغن، اتفاق 17/أيار الذي يؤسس لدولة بشير الجميل المحمية إسرائيلياً والمعتمدة غربياً، ليدخل منها إلى تفتيت سورية والأردن على أسس طائفية، ويقيم سياجاً من فسيفساء دول المدن تكون نجوماً في الفَلَك الإسرائيلي المتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، وليسدَّ معظم ساحل المتوسط في وجه سورية ويحشوها في الصحراء.‏

في ذلك الامتحان الغربي- الصهيوني لكامب ديفيد "صمد اتفاق كامب ديفيد" ولم تحرك المحنة العربية أكبر دولة عربية- مصر- لتكون إلى جانب أمتها على الرغم من اجتياح لبنان واحتلال بيروت وحصارها وفرض اتفاق /17/أيار عليها بالدبابة الإسرائيلية التي حملت بشير الجميل إلى قصر "بعبدا"، وبهذا اطمأن الغرب واطمأنت الحركة الصهيونية إلى أن "كامب ديفيد" أصبح أقوى من العلاقة التاريخية بين مصر وسورية، وأقوى من أن تزعزعه شراكة السلاح والدم التي قامت في حرب تشرين/أكتوبر 1973.‏

واعتقد الغرب أن الاستفراد بسورية سوف يحل وتجنى ثماره "اليانعة" ولكن سورية فوتت ذلك على المتآمرين وأسقطت اتفاق /17/أيار، ودعمت المقاومة الوطنية اللبنانية وأخرجت بالتعاون معها قوات التدخل السريع من لبنان، وضاع الحلم الصهيوني- الأميركي- البابوي، وارتفع لبنان فوق المؤامرة والجراح مثبتاً انتماءه العربي، مستمراً في مقاومة نوعية للوجود الإسرائيلي في الجنوب.‏

وحين أصبحت قوة التدخل السريع الأميركية- الغربية جاهزة للعمل ومستعدة لأخذ مواقعها في منابع النفط العربي تم استدراج العراق لاحتلال الكويت، وتم تدبير الفخ الرابع أو الخامس للعرب بعد: حرب لبنان- وكامب ديفيد- وحرب الخليج الأولى مع إيران- ومشكلة الصحراء المغربية وكانت حرب الخليج الثانية التي قضت على قوة العراق، وقسمت الشارع العربي وأضعفت التضامن فيه إلى أبعد الحدود، واستنزفت أموال العرب كلها وحققت الاحتلال المباشر لمنابع النفط العربي في الخليج والجزيرة حيث أصبح الوجود الأميركي حاسم النفوذ يتحكم بضخ النفط وتسويقه وتسعيره، ويبعد شبح ما حدث في أشهر ستة بين تشرين 1973 ونيسان 1974/ عمر التضامن العربي الفعال الذي استخدم سلاح النفط استخداماً جزئياً في المعركة وأعطى نتائج هائلة سياسياً واقتصادياً.‏

لقد زرع العرب في تشرين وما تلاه من أشهر معدودات الخوف في نفوس الغربيين والبرد في أوصالهم ووصلوا حدود استقطاب دول العالم الأخرى وحملوا فلسطين إلى الأمم المتحدة بصفة مراقب، وأخذوا يجنون ثمراً سياسياً طيباً.. ولكن ذلك المد توقف بتدبير صهيوني- أميركي- غربي مشترك.‏

وما إن وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها، حتى فرض على العرب مؤتمر مدريد الذي كان ملغّماً بنهج كامب ديفيد ليعطي مزيداً من الاتفاقيات على غراره، ويحدث مزيداً من الفرقة كما أحدث، وليقضي على كل أمل قد تهب به رياح ذكرى تشرين بتضامن وتنسيق وعمل عربي مشترك يضع التحرير هدفاً واستخدام القوة أداة لتحقيق ذلك الهدف.‏

وها هي النتائج التي أسفرت عنها مدريد تحقق من جديد ما حققته كامب ديفيد: فاتفاقية أوسلو تقضي على القضية وتضع الفلسطينيين أداة بيد الإسرائيليين لقتل الفلسطينيين وتصفيتهم وإبادة روح المقاومة؛ وها هي وادي عربة تضع الأردن- حسب نص الاتفاق- خارج أي التزام عربي/ثنائي أو جماعي/ من شأنه أن يعادي إسرائيل أو يهددها أو يفكر بشن حرب عليها أو لتحرير الأرض العربية المحتلة والإنسان العربي المقهور.‏

وها هو العربي ينظر إلى العربي في قفص الحصار، أو في دائرة الضغط وكماشة الأحلاف، فلا يستطيع التعاطف معه بَلْه تقديم العون المادي والمعنوي له في محنته ومواقع امتحانه.‏

وها هي مجرد المناشدة العربية الجماعية بتخفيف الحصار جزئياً على ليبيا إلى أن يتبيّن الحق بعد أن طال الظلم تواجه باحتجاج غربي يجبر بعض العرب المنضمين إلى تلك المناشدة يبحثون عن أبواب تملص مما قالوه، ويتبرؤون من "الخطيئة" التي وقعوا فيها وهم داخل "سياج" الجامعة العربية تتغشَّاهم مشاعر قومية.‏

موقع تشريني واحد ما زال صامداً، وامتد صموده شيئاً ما ليشمل مواقع مجاورة: إنه الموقع السوري الذي لم يَنْصَعْ للضغط الأميركي، ولم يخفه التهديد "الإسرائيلي"، ولم يذهل عن نفسه ولا عن حقه والتزامه بفعل التحالف الأميركي- التركي- الإسرائيلي، الذي يضغط من اتجاهات ثلاثة في مناخ تهافت عربي لا يضيء شمعة في ليل صحراوي قارس.‏

وهذا الموقع الذي يتعشَّق الجولان أرضاً وتاريخاً وفلذة كبد وذكرى عزيزة على الوطن والأمة، فيه مثوى الشهداء ومواقع العزة والبؤس.. هذا الموقع يصبر على فقد الجولان مئة سنة أخرى على أن يفرط بالكرامة والمكانة والمشروع القومي الذي يشكل هو قلبه ونبضه.ويقدّم من أجل تحرير الجولان والإرادة والقرار عطاء بلا ضفاف، ويتحمل مسؤولياته القومية حيال المقاومة في لبنان، وحيال لبنان: الهوية والانتماء والتحرير والتقدم ضمن البيت العربي والصف العربي.‏

يقول بعض الأميركيين الصهاينة إن سورية لا تستطيع أن تغير الوضع- عسكرياً- في الجولان ولو بعد مئة سنة؛ وتقول سورية إن الجولان سيبقى عربياً وسيعود سورياً ولو بعد مئة سنة. ولا أرى سوى القوة قادرة على حسم هذا الصراع حول الجولان ذلك الذي بدأ في حزيران 1967 واستشهد في تشرين 1997 وسيحسم لمصلحة أمتنا وقطرنا في عقود أو سنين.‏

إن أي تفاوض كان حول الجولان يعيده إلى سورية "سلماً" وينهي نتائج حزيران ويعيد روح الثقة التي ولدت في تشرين لن ينهي إلى الأبد الصراع العربي الصهيوني ومسوغاته، فهو لم يبدأ أصلاً بسبب الجولان، ولم يقم أساساً في تشرين، وإنما هو صراع حول فلسطين ومن أجلها، وحول مستقبل الأمة العربية ومن أجلها ويوم يستعيد العرب شيئاً من الوعي القومي بأهمية التضامن وفعاليته يستطيعون استعادة روح تشرين التي كانت توحي بروح حطين واليرموك، وتقدم درس التاريخ حياً ذاك الذي يقول: إذا اتحدت سورية ومصر وتعاونتا على أمر جمعتا العرب حولهما وحققتا تقدماً ونصراً، وإذا تدابرتا وفصل الأعداء بينهما حيل بين الأمة وبين أن تحقق شيئاً جدياً مما تتطلع إليه.‏

وإذا كان تشرين ووقائع تاريخية أخرى مما سبقت الإشارة إليه قد مكن الأمة من فعل شيء إيجابي، فإنه يثير بالقدر ذاته حنق الحانقين على الأمة ويؤجج نار حقدهم عليها؛ ولذا فلا مناص من استخلاص عبر ودروس تجعل الأمة، إذا ما تعاونت بعض أقطارها أو تضامنت، تدرك أن التآمر المعادي سوف يستخدم الوسائل الممكنة جميعاً لتفريقها وشغلها عن الهدف الرئيس، وكل ما يمكن أن نستخلصه اليوم من عبر تشرين يلخص في: التضامن العربي الشامل، والقرار العربي الخالص، والقوة العربية المحررة، والإيمان بقدرتنا على الأداء في ظل امتلاكنا "للحق الساطع والشعب الواسع" وهو ما لن يملكه العدو في يوم من الأيام. ونحن مطالبون في تشرين بتذكر ما خلقه من مناخ عربي إيجابي، وقيم اجتماعية جعلت الشارع العربي يشعر بأنه جسد واحد وقلب واحد وبيت واحد، وما أكده من قدرة العربي على الأداء النوعي عندما يملك المبادرة والثقة، وما حققه العربي في تشرين من وعي ومجاوزة لعوامل الإحباط وارتكاس النكسات.‏

وأرى أن من واجبنا ونحن في الذكرى الرابعة والعشرين لتشرين التحرير أن نترحم على أرواح الشهداء الذين قضوا فيه، من أجل الوطن ومن أجلنا نحن، ومن أجل أن نصدع بالحق؛ وأن نرفع لجيشنا العربي وقيادته في كل من سورية ومصر، ولكل من شاركهم من جنود الأقطار العربية/ فلسطين- العراق- الجزائر-المغرب/ التحية والشكر والمحبة، فنحن بهم نقوى وبهم نحرر وبهم نأمن، وبهم نرفع صوتنا بالتحرير واستعادة الحق والمكانة.‏

فلتبق روح تشرين الخيرة التي لا تبلى بيننا متجددة بنا، تنعشنا وتدفعنا إلى التقدم بثقة وأمل على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما.‏

والله الموفق‏

30/9/1997‏

الأسبوع الأدبي/ع580//3/ت1/1997‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244