|
أفكار في ليل صيني هادئ
بعض الليل يكون لي مريحاً، في هدأته أرى واسمع كما لم أر وأسمع من قبل، فيه يرتد إلي شيء مني يكون مبعثراً هنا وهناك.
كنت أنظر من نافذتي العالية عبر قلبه المشرع القباب، وفي إحداها بدا لي قمر الصين بهياً وحزيناً؛ إنه منقوص كامِد راكد في صفحة سماء بدت في مرآته مغبرّة.
كنت أنظر إلى المدينة التي يفترسها الليل بهدوء تهيؤه ساعاته المتأخرة "بيجينغ" مسترخية في شبه العتمة أو شبه الظل بعد نهار منهك، وعلى قممها الاسمنتية تلمع الإعلانات الضوئية الملونة مقدمة صورة الانفتاح والتنافس والوضع الجديد؟ إن أحد عشر مليوناً من البشر على الأقل يختفون في هذه العتمة المخترقة بسهام النور، أحد عشر مليوناً من البشر يأكلون ويعملون وينامون ويحلمون ويتطلعون إلى الحياة باثنتين وعشرين مليوناً من العيون، ومثلهم ومثلها كثير جداً في هذا البلد العملاق الذي يتجاوز عدد سكانه ملياراً ومئتي مليون نسمة، وله رصيد بشري آخر في بلدان تحيط به أو تنأى عنه قليلاً بعد بالملايين؛ أما رصيده في التاريخ فيمتد عريقاً على ضفاف النهر الأصفر ليسجل أقدمية في كشوف من الطباعة والبوصلة، ويتواصل مع جديد في عالم التقانة العصرية منه الصاروخ والذرة والحواسيب ومحطات الفضاء والاقتصاد المتنامي والرصيد المالي الذي يسجل احتياطاً من العملة الصعبة يبلغ 130 مليار دولار قبل عودة هونغ كونغ و/220/ ملياراً بعد عودتها مسجلاً بذلك منافسة لليابان في هذا المجال.
في هذه العاصمة الثقافية والسياسية والتاريخية للصين تجد رصيداً آخر تجدر الإشارة إليه بعد أن تم الاطمئنان نسبياً إلى حيازته وهو تطلع الشباب، فقد كان حلم الشباب الصيني هو الهجرة إلى اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، أما الآن فقد عادت تلك الأحلام لتنمو في أرض الوطن في ظل ما حققته سياسة الانفتاح وإعادة التكوين بغية دفع التحديث الاشتراكي، تلك السياسة التي بدأ التنظير لها " ينغ هشياو بينغ" عام 1979.
لقد أعاد الصينيون تسميد حقول الأمل وفتحوا البوابة الاجتماعية وهم يتهيؤون بعد المؤتمر الخامس عشر للاهتمام بالتربية الروحية، ولا تستبعد التعاليم الكونفوشيوسية مطلقاً من أن تأخذ موقعاً في تلك التربية.
نتذكر جميعاً حالة الاحتقان الخطرة التي وصلت إليها أوضاع المجتمع، لاسيما في أوساط الشباب، تلك التي عبرت عنها حوادث ميدان "تيان آن مينTiAN An MEN بوابة السلام السماوي" في حزيران 1989 ونتذكر كيف حاولت الذراع الأمريكية أن تمتد إلى هناك وتستثمر الأوضاع، ولكن الدبابة كانت أسرع من تلك الذراع إلى احتلال الميدان.
كان الدرس قاسياً ومؤلماً ولكنه كان نذيراً ودافعاً في الوقت ذاته لتوجه كان بطيئاً فأخذ يتسارع لإحداث نقلة نوعية في الأداء والانفتاح والتطوير والتفكير.
في عام 1984 كتب "دينغ شياو بينغ" مقالاً تحت عنوان" دولة واحدة بنظامين أو أسلوبين" وكان يتوجه فيه إلى الغرب وسكان هونغ كونغ معاً ليبين إمكانية تعايش أو بالأحرى قيام النظامين الرأسمالي والاشتراكي في دولة الصين الواحدة، وهو الاختيار الذي يرضي سكان هونغ كونغ التي كانت على مائدة المفاوضات لتعود إلى حضن الوطن.
فهل كان" بينغ" يفكر لهونغ كونغ فقط؟! وهل يمكن حصر نظام مقبول في دولة في إحدى مقاطعاتها؟! إن الإجابة على هذا السؤال تستدعي النظر فيما يحدث حالياً في كانتون وشنغهاي وبيجين وغيرها من المدن، وما نراه من سياسة اقتصاد السوق، والاستعداد لمنافسات العولمة، وانتشار البورصة" والهاتف النقال والسلع من كل بلد وكل لون والاستثمارات الأجنبية والشركات المساهمة وسواها من مظاهر التوسع في انتشار " النظامين" في الدولة، مع التركيز على " الاشتراكية الصينية"؟.
لقد شكا القادة الصينيون المتأخرون من أخطاء أوقعت البلاد والتجربة الاشتراكية الصينية فيها" رغبة تجاوزت الواقع مما أوقع البلاد في سلسلة من الأخطاء الناتجة عن الأوهام غير القابلة للتطبيق" ولنا أن نفكر عميقاً وبانفتاح بلا ضفاف في كل ما يمكن أن يؤدي إليه هذا في ضوء المراجعة التي يُراد لها أن تكون شاملة: الإقبال على" الخصخصة" حسب معيار، " وتحريك قوى الإنتاج واستخدام كل الوسائل والسبل وأشكال التنظيم بجرأة " لخدمة الاقتصاد والتربية الجديدة ولمجاوزة أشكال التخلف والفقر لتحقيق" صين نامية" بسرعة غير عادية في السنوات القادمة.
ويجوز لمن يريد أن يذهب في التفكير بعيداً أن يتساءل: هل الصين تهجر الاشتراكية بهدوء وتخرج منها بأيديولوجية كما دخلتها بأيديولوجيا؟! إنني لا أقول بوجود مثل تلك السياسة، ولكنني أقول بأن المصلحة العليا للصين هي اليوم فوق الأيديولوجيا وهي الموجِّه الحقيقي للسياسة.
في عام 1911 بدأ الدكتور" صُون يات صِن" ثورة في الصين الحديثة توجهت نحو تحقيق الاستقلال والحرية والديمقراطية، وقطعت بالبلاد أشواطاً جيدة ...وبعد وفاته بسنتين جاءت سنوات من حكم مهدت لثورة "ماو زيدونغ" الشيوعية/1949/، وكانت ثورة ثالثة في الصين على يدي" دينغ شياو بينغ" يتابع تنفيذ نظريتها وتوجهاتها وبرامجها " جيانغ زمين"؛ فهل تلتقي روح التوجه العام في "صين " بداية القرن مع" صين" نهايته وتتضح طريق بدأها "صون يات صِن" ويتابعها" جيانغ زمين"؟!
إنني أطرح هذا التساؤل مع معرفتي التامة بأن الروح العام لتوجه المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الصيني هو التمسك خاصة بـ " اشتراكية صينية" مع تثبيت "شرقيتنا وصورتنا"، وأطرحه وفي ذهني سؤال أساس: هل هناك أنموذج للاشتراكية ونسخ عنه؟! أم أن هناك طريقاً للاشتراكية وفروعاً له؟! أم أن هناك أهدافاً للاشتراكية وأساليب متنوعة للوصول إليها؟! أم أن الاشتراكية تنطوي على مطالب اجتماعية وخُلُقية كانت ومازالت هدفاً للإنسان يعمل على تحقيقها بأساليب مختلفة؟! وهذا قد يقودنا إلى إطلاق عنان سؤال في الفضاء: ما هي الاشتراكية اليوم؟! وكيف تكون؟! وهل تكون؟!
من قمة ثالثة ناطحة سحاب علواً في العالم بعد شيكاغو ونيويورك، وثالث أعلى برج تلفزيوني في العالم بعد تورنتو وموسكو، يمكن أن ننظر من شنغهاي إلى الصين في اتجاهين تحت عنوان" دولة واحدة بنظامين" وهو العنوان الذي حدده" شياو بينغ"، ولكن من دون قيد داخلي من أي نوع؛ لنرى في زحمة تداخل مشاهد البورصة و" الديسكوتيك" والميني أو الميكرو" جيب من فوق الدراجة الهوائية أو النارية، وصراخ "الكولا" و" كرستيان ديور" والمرسيدس والغارقين في حقول الأرز وشواطئ الأنهار العظيمة يبحثون عن الرزق وعن وفرة يمكِّنون بواسطتها أطفالهم من اقتناء الجديد واقتطاف متع السوق الاستهلاكية، التي تجمِّلها وتضخمها إعلانات التلفزيون.. أقول فلننظر ولنر بعض معالم طريق يربط بين عمق الأرض وسطحها والفضاء، الماضي والحاضر والمستقبل، التقدم المذهل والتخلف المضمَّخ بآلام الفقر، الصين والعولمة؟!
ولنبدأ مع التوجه الاشتراكية الذي لم تتخلّ عنه الصين وتبدو خصوصيته الصينية في تفكير تظهر فيه بعض التقليدية العصموية أو العصموية التقليدية للنظرية التي قالت باحتكار الحلول العلمية لمشكلات البشرية، ذلك التفكير الذي يقول : إن الاشتراكية تبدأ، أو إن عصرها، أي عصر الاشتراكية الصينية يطل برأسه الآن.
إن مؤسسات الإنتاج الاشتراكي جميعاً / مصانع معامل مزارع مؤسسات.. الخ مما يشكل القطاع العام / يطبق عليها نظام صارم فيه الربح والخسارة أساس البقاء والاستمرار "ما يخسر يباع" وما يربح يبقى، والقطاع العام ينبغي أن يكون منتجاً جيداً ومزاحماً في السوق ومحققاً للربح أو أنه لا يصل إلى الخسارة.. وإلا... فإنه يتحول إلى قطاع خاص بالخصخصة، أو إلى مشترك بالمساهمة أو إلى تعاون استثماري أو استثمار جماعي. وقد تمت تصفية الكثير من المؤسسات الإنتاجية أو الخدمية التي لا تحقق ربحاً، وهذا عندي جيد واقتصادي وعقلاني وعادل لأنه يكِشُّ المتاجرين بالقطاع العام والذين ابتلعهم الكسل والفساد "وكرَّشوا" على جثة الشعب. ولكن أي قطاع عام يبقى صامداً في وجه الفساد والإفساد، وأي إنتاج متفوق يتحقق مع بقاء الشروط المعيشية والاجتماعية على ما هي عليه بالنسبة للبشر، في حين تطلق أحصنة الطبيعة البشرية من أعنتها لتحقق في مجالات مجاورة دخلاً متميزاً وذواتاً تريد أن تحقق وجودها وخصوصياتها وقدراتها الفردية الخاصة وأحلامها!؟ وهذا شيء إنساني عادل وصحيح وطبيعي ولا بد من أن نحترمه ونرعاه في ظل دعوة لاحترام الحياة وتحقيق السعادة والحرية للإنسان فيها؟!
لقد قال قادة الصين المعاصرة، وأكد " المؤتمر الأخير لحزبها" حقيقة لا يمكن مجاوزتها ومشكلة لا يمكن حلها مع إلغاء الخصوصية الفردية ومكانة الفرد في المجتمع والأداء الخاص لأفراد خاصين، ومن ثم الأخذ بأصول تربية تنمي طاقات فردية عملاقة وتؤكد قدرتها على الإبداع، قال أولئك القادة: " مشكلتنا الحالية هي أننا غير قادرين على اكتشاف العقول الكبيرة والانتفاع بنتائج قدراتها عندما نكتشفها". وربما كان موضوع التعامل مع الفرد وتكوين العبقرية واستثمارها ومراعاة الخصوصية الفردية والقومية، هو من أهم ما أهملته التربية الاشتراكية المحكومة بنظرة سياسية وبأيديولوجيا أثرت على السياسة أو سياسة أثرت على الأيديولوجيا وأثمرت حالة طغيانيّة وسلطة لا ترحم المخالفين.
وربما كان مدخل " دينغ شياو بينغ" إلى عصر مغاير يحمل فكراً مغايراً ولا تحققه سوى تربية مغايرة لا تأتي به أصلاً إلا مراجعة شجاعة للذات والأفكار والتطبيقات وللتجربة والشعارات والممارسات؛ وهو المدخل الذي لخَّصه بقوله في آب 1991: " فلنستخلص الدرس من تجربتنا، ونعرف كيف نستعمل الرجال العباقرة. هاهما سؤالاي الرسميان".
فكيف السبيل إلى ذلك؟ وهل حلَّت نظريته المشكلة، أم أنه يريد أن يبدأ الطريق ويترك للتجربة الجديدة أن تحدد مسارات وتنتج قيماً وتبدع تغييراً؟!
إن هناك رؤؤس أموال خارجية بدأت بالاستثمار في الصين، وأقيمت مؤسسات مشتركة وفتحت آفاق أمام قطاعات اجتماعية هائلة وطاقات شابة مغامرة جعلتها تلك الفرص والأفاق تبقى في أرضها وتبحث عن عمل وتستثمر مناخ الأمل؛ هذا إلى جانب الخصخصة والتطلعات المشروعة للأفراد العاديين بتحسين دخلهم وتغيير نمط حياتهم وارتشاف جرعات من السعادة على طريقتهم. فهل سيكون ذلك في حيِّز الضبط والربط، أم أن أحد" النظامين أو المنهجين" سوف يبتلع الآخر؟! أم تراها تكثر في أرض الصين القطط السمان وتنمو وتقوى وتستقوي بغيرها، وتترك الناس أكثر هزالاً مع مرور الزمن وأكثر احتياجاً إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بأسلوب ما، قد يكون ثورياً ؟!.
إن الأسئلة ملقاة في أجواف الأفواه وينداح بعضها على الشفاه، وهناك تطرف من كل نوع، ظاهر أو باطن؛ ولكن صخب التيار الاجتماعي العام هو باتجاه الإقبال على تجربة استخلاص دروس التجربة وخوض بحور الأمل، واختراق آفاق الحلم، والذهاب مع الجديد إلى مداه.
الصين عالم والصين في العالم، معادلة صعبة الضبط صعبة الحل، والتفكير بفهمها واستيعابها ممتع، وهي ما زالت توحي بالتوازن. لا يوجد في الصين اليوم خراب اجتماعي بدرجة ما هو موجود في المجتمع الروسي- أو الاشتراكي- الذي خلفه الاتحاد السوفييتي المنهار وبلدان المنظومة الاشتراكية المفككة المتداعية، ويبدو لي أن الصين لم تصل إلى ذلك لأسباب منها:
1- أنها اختارت طريق الاشتراكية في نهايات زمن الستار الحديدي السوفييتي أو بعد سقوطه، وظلت لفترة من الزمن بعيدة عن عصر الطغمة العصمويّة ودمويتها. صحيح أنها لم تنجُ من ذلك وأن ما دفعته من ثمن في ظل ذلك كان باهظاً وقاسياً على صعد شتى، بشرية وغير بشرية؛ ولكنها بدأت بعد أكثر من ثلاثين سنة على تجربة " الأخوة الألداء" في الاتحاد السوفييتي السابق.
2- أنها اختارت طريقها الخاصة إلى الاشتراكية، وحققت ثورتها ونظامها بالفلاحين الذين لم يكونوا أداة ثورية بنظر الأيديولوجية السوفييتية والماركسية اللينينية المعتمدة على العمال؛ وهي ما زالت تصر على انتهاج طريقها الخاصة وعلى إثبات خصوصيتها بعد عهد "ماو زيدونغ" الذي قال بذلك، وبعد خلافاتها مع السوفييت.
في الصين بنى" ماو" نظاماً اشتراكياً بسواعد الفلاحين ومكّن معظم شعبه من الشبع، وأشهر في وجه قطاعات وأفراد منه مياسم النار، وأذاق الموت من أذاق، وكشَّر للمثقفين عن أنياب حادة، في فترة من الزمن، وألقى بعضهم في محابس " الثورة الثقافية" أو مصحَّتها، ليتعلموا معنى الكتابة الواقعية وهدفها ومعنى الواقعية ونظريتها. ولكنه بقي مخلصاً لمبدئية مغايرة نسبياً ولطريق صينية خاصة إلى الاشتراكية، ولتجربة شعبية وثورية ما لبثت أن استنفدت نفسها في عهود لاحقة ثقافياً واقتصادياً، واستنقذت الصين من مواقع تخلف ومهاوي خراب.
فتوجُّه "دينغ شياو بينغ" يتمتع برؤية متقدمة لمتطلبات العصر والتقدم العلمي والتقني، تستدرك بعض ما وقع فيه السابقون من رفاق درب الاشتراكية الصينية والرفاق الألداء ـ السوفييت ـ الذين مضوا قبل أن يمضي هو .
3- أنها لم تقع ضحية وجود العصابة الصهيونية ونفوذها في التجربة السوفييتية، وتمركزها في مواقع القيادة والتأثير، وفي بؤر التكوين الاجتماعي والفكري والسياسي المباشر.
ولم تكن تتلقى- على مدى زمني بعيد - توجيهاً من قيادات يحكمها المشروع العنصري الصهيوني وأمراضه وعقده ونظرته للآخرين؛ بسبب عوامل جغرافية وثقافية وتاريخية.
وفي تقديري أن غياب التأثير والتوظيف الصهيونيين المباشرين / عن وفي/ القرار الصيني، الاقتصادي والسياسي والثقافي نسبياً، في معظم المراحل؛ كان منقذاً للتجربة الصينية نسبياً ومميزاً لها في بعض الحالات والمواقع.
إن "الشيوعيين المنصفين" في أنحاء مختلفة من العالم يعترفون اليوم بالدور المدمر الذي قامت به الحركة الصهيونية في الجسم الشيوعي- الاشتراكي بشكل عام وفي الجسد السوفييتي من ذلك الجسم بشكل خاص، كما يدركون بشكل أفضل ويرون بصورة أوضح وأدق، ما قامت بعه الصهيونية من توظيف للشيوعية في خدمة مصالحها ومشروعها ودورها التخريبي في المجموعة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي، ومساهمتها في تدمير النظرية والإمبراطورية، بعد أن استنفدت أغراضها منهما، واقتضت مصالح حلفائها أن يتم ذلك التدمير في توقيته وأسلوبه الملائمين.
ويعرفون بشكل أفضل كيف ساهمت بذلك التدمير، وكيف تابعت وتتابع اليوم تخريب البُنى الاجتماعية والخلقية للشباب في تلك المجتمعات، بعد أن فتكت فتكاً ذريعاً بتلك البُنى طوال عقود من الزمن.
4- والتجربة الصينية، من قبل ومن بعد، ترتكز على نمط اقتصاد آسيوي احتقره ماركس في الأصل وحكم عليه من دون تدقيق كاف ودراسة " علمية" تؤهل للحكم له أو عليه ـ وربما كان ذلك من صلب النظرية " العلمية " التي تحظى باحترام تقديسي عند أتباعها ـ وقد أثبت هذا النمط الاقتصادي في الصين، وهو اقتصاد أسيوي، أنه قابل للصمود والتطوير والنمو؛ وأنه قادر على التلاؤم وإنتاج تجربة" آسيوية خاصة" هي تجربة الصين الاشتراكية.
5- إن القيادة السياسية في الصين، لا سيما في عهد" دينغ شياو بينغ"، قد استفادت من قراءة التجربة في ضوء تراث ثقافي خاص، وعقل بشري منفتح لم تجهز عليه العصموية العلمية وادعاءاتها؛ وتمكنت من تمييز مصلحة الصين ومن وضع الأيديولوجيا في خدمة تلك المصلحة، ووضع برنامج طويل الأمد يتمتع بالمرونة؛ برنامج مستخلص من تاريخ الشعب وخصوصيته ومن تاريخ التجربة واستخلاص نتائجها، للخروج بالصين من الشرنقة التي دخلتها وأخذت تنسج خيوطها حولها في مرحلة من المراحل.
وتدرَّج فكره وتدرَّجت رؤيته نحو الانفتاح وإعادة التكوين وتحديث التجربة، ليس لأن الانفتاح لغة أميركية ولكن لأن الانفتاح على الآخرين تاريخياً لغة بشرية إنسانية تستغلها الآن الولايات المتحدة تحقيقاً لمصالحها. ونحا منحى الرغبة في الاستفادة من طاقة الفرد الذي يستغل الأرض وكأنه مالك لها. وقديماً قلنا نحن العرب وقال إسلامنا: الملك لله والإنسان يستثمر الأرض ولا يملك، وينمي أدواته في إطار الحرص على مردود مادي ومعنوي، يفعّل أحدهما الآخر وينميه، ويعود عليه وعلى أسرته وعلى حياته وأحلامه وعقله وجسده وروحه بمردود إيجابي، عملي ونظري؛ وبنى في ظل ذلك وتأسيساً عليه - بعد قراءة نقدية ومراجعة هادئة بعيدة عن الصراخ والشعارات والانقلابات - نظرية شاملة أثارت عليه حنق الحانقين في مرحلة من حياته وبنى في ظل ذلك مخططه للعودة إلى نمط الحياة الطبيعي، إلى نمط يحترم الطبيعة البشرية ولا يفكر بقسرها وكسرها وإعادة تركيبها في إطار مادي لا يرى السماء ولا تنبت له أجنحة ولا يسمح بأن يرى أحدٌ السماء ولا أن تنبت في الروح أجنحة؛ نمط يحاول أن يلبي احتياجات الطبيعة البشرية ويؤثر فيها من خلال مسايرتها ومعرفتها والاقتراب من حصونها والتأثير فيها بهدوء إن أمكن، إلى أن يتسنى تحقيق تطوير تدريجي مقبول عضوياً ومعنوياً ومادياً، بكل ما تعنيه أبعاد التداخل العضوي؛ معنوياً ومادياً، فردياً واجتماعياً، سياسياً وثقافياً واقتصادياً، من معانٍ وما تقود إليه من معطيات. من دون قسر وحصر وادعاء بعصموية علمية، تريد أن تدخل الإنسان مفرخة الصيصان وتقدم في النهاية نمطاً بشرياً مصنَّعاً بعجالة، على نمط النعجة "دوللي"؛ يحقق طوباوية منخورة بالوهم مثلما هي مستلقية على بساط الحلم؛ ولكنه لم يفكر أبداً بمدى الخراب الذي يصيب البشر والعالم جراء فقدان الطبيعة وقوانينها والإنسانية وقيمها ومقومات الحياة في ظلها.
وإذا كانت الصين اليوم تريد أن ترى في البشر القادة أشخاصاً من ذرية الخطَّائين، وهم قد يخطئون، فإن لهذا معنى ومدلول بعيد وعميق، وله تأثير الخطَّاط الضوئي في سماء معركة؛ وقد يشير إلى أن المراجعة ممكنة في كل وقت وفي كل ظرف وفي كل اتجاه، وليس هناك ما يمنع من أن تتم باتجاه الماضي كما في اتجاه الحاضر من أجل استشراف مستقبل أفضل.
هل هذا مخيف أو" ثوري" مرعب يدعو إلى قرع طبول الإنذار وأجراسه؟! من منظور شخصي خاص لا أرى ذلك، بل أراه مشجعاً- إن كان حدسي وظني صحيحين- على اختيار الطريق الأسلم والأقرب للتقدم والسعادة على أرضية "علم" لا يحتكر العصمة والمستقبل ولا ينثر الحتميات يميناً وشمالاً .
الصين تنشد عظمتها، التي يمكن أن تتم بعد عقدين أو أكثر، ما لم يحدث تخريب في الجسد الشاب، وهو أمر توجد له نُذُر في الشارع اليوم، وما لم تنحرف التربية الروحية المنشودة وتأخذ بأهداف وأساليب لا تحترم الطبيعة البشرية والفردية والقيم والحرية وبناء الروح الوطنية ببناء الإنسان المتوازن بانتماء والمنتمي بتوازن. والصين في نشدانها لعظمتها تصنع عصرها على أرضية غير محدودة لشعب لا نظير لعدده في العالم.
فهل نحن على أعتاب القرن الصيني في مطلع الألف الثالثة للميلاد؟! إنه سؤال يدوّم في فضاء واسع ولا يخلو من جدارة في الطرح وأحقية في تلقي إجابات جادة وجريئة واهتمام واقعي مسؤول؛ فالصين اليوم لا يستهان بما تقوم به، ولا بالسرعة التي تنجز بها ذلك تخطط له.
أتعبني القلم قليلاً فوضعته لأريح أصابعي وعندما نظرت إلى المدينة- العاصمة بيجينغ كان الليل قد بدأ بالانهزام أمام فجر تتكاتف أشعته وتتكاثف، وكان خط الشفق يلوح من بعيد جداً، فأدركت أن هدأة منحني إيَّاها ليل صيني هادئ قد انتهت وحل نهار فيه الكثير من التعب وحقائق الوجود .
15/10/1997
الأسبوع الأدبي/ع582//18/ت1/1997
|